21-03-09, 04:14 PM
[SIZE="5"][COLOR="DarkGreen"]كــــَـبُر "هشامٌ " وأصبح شاباً ... لكنه كان لا يعرف أباه ، فهو ( أبوه ) قد توفي منذ أن كان في السنة الأولى من عمره .
لقد ربته أمه ، وذاقت الأمرين كي ترى إبنها ينمو ويترعرع في كنفها وأمام ناظريها ... كانت حالتها المادية معدومة ، وكم مرة أشاحت بسمعها عن كلام جيرانها ، بأن تضع طفلها في الميتم ولم ترضَ بذلك ، رغم فقرها الشديد ..... .
ها هو الآن يطلب من أمه الزواج ، ومع أن أمه لم تقتنع بأن هذا هو الوقت المناسب ، فقد رضخت لطلبه ، فهي تعلم أن رفضها لا يفيد ، فـ هشام إذا أراد شيئا يجب أن يتحقق وإلا " الحرد وعدم الأكل والصراخ في وجه أمه "سلاحه الدائم .
تزوج هشام في ليلة وضحاها .... وسكن في دار أمه المتواضعة ... وضاق بهم المنزل ... لكن القلب ، قلب الأم ، اتسع لكنتها لتجد مكاناً لها ، وعاش الجميع لفترة قصيرة في سعادة وهناء ... وما لبثت هذه الفترة أن انتهت ، لتستبدلها " الكنة " بأيام طويلة من النكد والسباب والشتائم لهذه العيشة الحقيرة كما كانت تقول .
كانت أم هشام تتحمل تلك الشتائم وذلك السباب في قلبها ... كانت تتوجع .. نعم ، لكنها لم تظهر ذلك لأحد . فالأيام - كما ظنت - كفيلة بتهدئة البال .
لكن تلك الكنة لم تتوقف يوماً عن التأفف والصراخ والكلام القاسي .... وزادت على ذلك باتهام حماتها بتعذيبها وترك شغل المنزل عليها ... الأمر الذي دعا هشام لتأنيب أمه دائماً والصراخ عليها ومعاملتها بشكل قاسٍ .
كانت الأم تتحمل كل تلك الإهانات من ابنها وزوجته ، ولا تتفوه بكلمة واحدة ... بل تبتسم وتدعو في سرها أن يهديهما الله ويسعدهما ويحميهما .
مرت الأيام بطيئة على الأم ، ولم يتحسن حال زوجة ابنها ، إذ ظلت على عاداتها الشريرة في حقها ... لم تيأس أم هشام ، وقالت في نفسها : لعل الضائقة المالية هي السبب...علي أن أعود إلى كار الخياطة ، رغم أن الطبيب منعني من ذلك .
وكان الطبيب مـَنـَعها من كل الأعمال المجهدة بما فيها الخياطة ، إذا أرادت لظهرها وأرجلها العافية والإنتهاء من الألم الذي تشعربه .... لكن سعادة ابنها وزوجته أهم من كل حياتها .
لم تمانع الكنة وإبنها أن تعود الأم إلى الشغل في الخياطة ... ولم يشفع هذا الأمر لها بأن تتحمل الكنة شيئاً من أعمال المنزل ... وبقيت الأم تعمل في الخياطة وأعمال المنزل جميعها ، ولم يحرك هذا ساكناً عند هذه الزوجة الحاقدة .
مرضت الأم ولم تستطع الحراك نظراً لعدم التزامها بأوامر الطبيب ، وأصبح شغل المنزل على الكنة ... وهذا ما جعلها تطلب من زوجها هشام العيش في منزل مستقل .... رفض هشام في بداية الأمر ، فمن يعتني بأمه ومن أين يأتي ببيت جديد ، لكن زوجته أقنعته بأن يستأجرا بعيداً ، وأن أمه حين لا تجد من يعمل عنها ، فإنها ستتنشط وتقوم من مرضها .
ولأن هشاماً لا شخصية له ، قـَبــِل بهذا الأمر ، وتركا الأم المريضة وذهبا .
سكن هشام وزوجته في منزل جديد استأجراه ، لكن الإيجار كان غالياً جداً ، وهكذا أصبح هشامٌ يعمل ليلا نهاراً كي يستطيع تأمين متطلبات الزوجة ، وايجار المنزل الجديد ، ونسي هشام أمه ولم يعد يزورها .
مرت سنة .. وأخرى .. والحال نفسه على هشام .... العمل كثير ولكن لا يزيد من الدخل شيئاً ، فكل شيء غالٍ ، ومتطلبات زوجته بازدياد فهي لا تشعر بزوجها وبتعبه ، المهم عندها نفسها وما تشتهيه .....
تدهورت أحوال هشام المادية ، والعمل الرئيسي توقف بتوقف الشركة التي يعمل بها نظرا لإفلاسها .... وضاقت به السبل ، وأصبحت حياته لا تطاق ، خاصة من زوجته التي لا يهمها إلا نفسها ... فكانت دائمة النق ، وتهدد بترك المنزل قريباً ، وهو عمل ما باستطاعته لإرضائها لكن دون جدوى ...
وعلا صراخهما حتى تدخل الجيران ، وأصلحوا فيما بينهما ، وما هي إلا مدة قصيرة حتى عرضت إحدى الجارات المسنات على هشام أن يجلب لها ولزوجها المسن حوائجها من السوق يومياً ، مقابل أجرة سخية تعوضه عن توقف عمله .
وافق هشام على العرض السخي فوراً ، وعادت حياته طبيعية ، ومرت السنون على هذه الحال ..... .
وفي يوم كان المطر غزيراً ، وكان هشام يركب في سيارة أجرة قادماً من السوق .. انزلقت السيارة بسبب الأمطار
واصطدمت بعمود للكهرباء ... ووجد هشام نفسه في المشفى ، وقد كسر حوضه وعموده الفقري ، وقد أجريت له العمليات اللازمة ...... نظر حوله فوجد الجيران جميعهم ، لكنه لم يجد زوجته .... سأل عنها فأجابه أحد الجيران بأنها من يوم الحادث عادت إلى منزل أهله ولم تكلف نفسها بالسؤال عنه ..... انهمرت دموعه حزينة ، لقد عاملها لسنين طويلة بدلال قلّ نظيره ، وها هي اليوم تشيح نظرها عنه ، وتبتعد غير نادمة ...... .
تمنى الجميع السلامة لـ هشام وغادروا ، أما هو فقد بقي يفكر في زوجته الخائنة ، وفي أمه التي لم تكلف خاطرها بأن تأتي لتطمئن عليه وخاصة أنها علمت بالحادث كما قالت له جارته المسنة التي يعمل عندها .
وقبل خروجه بأيام ، صاريفكر بالمصيبة التي حلت عليه ، فمن أين له تسديد حساب المشفى الباهظ ... فلا بد أن يكون كبيراً حسب اصاباته الكثيرة ، وصار يفكر بالهرب حين يستطيع المشي ، وهذا ما حاول فعله قبل يوم من تخرجه .... لكن موظف الاستعلامات عرفه ، وسأله لماذا يخرج في هذه الليلة وإلى أين ؟ .
تلعثم هشام وقبل أن يجيب قال له الموظف : أدخل فالسماء تمطر ، ولن تستطيع التفسح خارجاً ... غداً ستتخرج وسيأتي جارك لمرافقتك .
قال هشام : ومن قال لك أنه سيأتي لمرافقتي ؟ .
الموظف : هو من قال ذلك ، لقد اتصل وحدثني أنه سيأتي لدفع فاتورة المشفى ، ويرافقك للعودة .
هشام : حسناً .... شكراً لك . وعاد إلى غرفته وسريره .
خرج هشام من المشفى بمرافقة جاره وكان هذا الجار زوج الجارة المسنة التي يعمل عندها وشكره على ما دفعه ، ووعده أن يرد المبلغ له من عمله حين يستطيع ذلك .
قال له الجار : حسناً لا يهمك .... تعال معي ، إن زوجتي تعد لنا طعاماً شهياً بمناسبة خروجك من المشفى .
دخل الإثنان إلى منزل الجار وتناولَ الجميع الطعام .... شكر هشام جارته المسنة وزوجها قائلاً :
لا أعلم كيف أرد لكما جميلكما ... وهل أستطيع ذلك أم لا ... على كل حال أشكركما وأتمنى من الله أن يمد في عمري وأن يعطيني الصحة كي أرده .
وقبل أن يغادر أعطاه جاره ظرفاً يحوي مبلغاً من المال ... وقال له :
هذا المبلغ أمانة عندنا من أمك .... .
هشام : لا أريد منها أي شيء ... لو كانت تحبني لزارتني في المشفى واطمأنت علي هناك ... أعد لها المبلغ وقل لها أنني لست بحاجة لأموالها .
الجارة : إنك قاسٍ كثيرا يا ولدي .... وأرجوك لا تقل ذلك .... حسناً اجلس لأخبرك ما حصل .
بدأت الجارة بالكلام :
أتذكر يا هشام يوم افلاس الشركة التي تعمل بها ؟ لقد جاءتني قبلها بأيام قليلة امرأة محنية الظهر تكاد لا تستطيع المشي وسألتني عن أحوالك ، وعن زوجتك واستفسرت عن حياتكما وسألتني إن جاءكما أولاد ... وبقيت ساعة من الزمن تطمئن عليكما ، واستغربتُ هذا الأمر ، فسألتها من تكون ... فقالت لي أنها إحدى قريباتك ، وطلبت مني أن أخبرها عنك باستمرار ، بعد أن أعطتني رقم هاتفها ... وطلبت مني عدم اخبارك بهذا الأمر .
وعندما تركتَ عملكَ الرئيسي ، وضاقت بك السبل .. أخبرتها بذلك فطلبتْ مني أن أشغــّلكَ عندي في احضار حاجياتنا وقالت إنها ستدفع راتبك منها .... وهذا ما حصل ... وقد أعطتني رقماً هاتفياً آخر .. وقالت أنها انتقلت إلى مكان جديد ...وبقيت كل هذه السنين ترسل النقود ، وأنا أعطيها لك .
وعندما حصل الحادث ، أخبرتها بذلك ، فجاءت مسرعة إلى المشفى تجر جسمها جراً ... وعندما علمتْ أنك بحاجة لكلية جديدة بعد أن توقفت كليتاك عن العمل بسبب الحادث ، سارعت بالتبرع لك بكلية ، ولكنها فبل أن تدخل إلى العملية ، استدعتني وقالت لي : أنا أم هشام وهذا ابني ولست قريبته كما قلتُ لكِ سابقاً .... إنني أخبرك بذلك لأنني مقدمة على عملية حذرني منها الأطباء ، وقالوا لي أنها شديدة الخطورة على حياتي ... وأنا مستعدة أن أعطيه حياتي في سبيل أن يعيش ولم آبه لكلام الأطباء ، فحياة ابني أهم .
وأعطتني ظرفاً كبيراً من المال .. وقالت لي أن أدفع فاتورة المشفى - في حال موتها - ، وأعطيك الباقي - إن زاد - . وها أنا أفعل ، فقد ماتت بعد العملية مباشرة .
ارتمى هشام على الأرض وأصبح يبكي كالطفل المجنون ، يبكي وينادي أمه .... كم ظلمها .... وكم كان عاقاً ووضيعاً .
ساعده جاره على الوقوف من جديد .... وسأل هشام جارته : ألم تقل لكِ من أين جاءت بهذا المال ؟ ... أنا أعرف أنها لاتملك مالاً ....
الجارة : لقد سألتـُها وقالتْ أنها باعت المنزل الذي تسكن به منذ أن أخبرتـَها بأن عملك توقف .. وسكنتْ في دار العجزة .. ووضعت ثمن المنزل في البنك وأصبحت ترسل منه كل شهر ، وعند الحادث .. سحبت المال كله وجاءت به إليك .
فكم كانت عظيمة أمكَ يا هشام .... وأنا مستغربة لماذا لم تخبرني أمك بأنك ابنها منذ البداية .
هشام : رحمها الله ... يبدو أنها أرادت اخفاء سفالتي وعقوقي عنك وعن الجميع .. لقد كنتُ متمرداً عليها ، ناكراً لجميلها ، ذنــَباً لزوجة خائنة خائبة .... كنتُ لا أفكر إلا بنفسي وبزوجتي ....
بكى بمرارة فقالت له جارته : إن أمك فعلت ما فعلته لتراك معافى وسعيداً ... دعك من البكاء وصلي من أجلها ... لقد كانت أم عظيمة ، رحمها الله .[/COLOR][/SIZE]
لقد ربته أمه ، وذاقت الأمرين كي ترى إبنها ينمو ويترعرع في كنفها وأمام ناظريها ... كانت حالتها المادية معدومة ، وكم مرة أشاحت بسمعها عن كلام جيرانها ، بأن تضع طفلها في الميتم ولم ترضَ بذلك ، رغم فقرها الشديد ..... .
ها هو الآن يطلب من أمه الزواج ، ومع أن أمه لم تقتنع بأن هذا هو الوقت المناسب ، فقد رضخت لطلبه ، فهي تعلم أن رفضها لا يفيد ، فـ هشام إذا أراد شيئا يجب أن يتحقق وإلا " الحرد وعدم الأكل والصراخ في وجه أمه "سلاحه الدائم .
تزوج هشام في ليلة وضحاها .... وسكن في دار أمه المتواضعة ... وضاق بهم المنزل ... لكن القلب ، قلب الأم ، اتسع لكنتها لتجد مكاناً لها ، وعاش الجميع لفترة قصيرة في سعادة وهناء ... وما لبثت هذه الفترة أن انتهت ، لتستبدلها " الكنة " بأيام طويلة من النكد والسباب والشتائم لهذه العيشة الحقيرة كما كانت تقول .
كانت أم هشام تتحمل تلك الشتائم وذلك السباب في قلبها ... كانت تتوجع .. نعم ، لكنها لم تظهر ذلك لأحد . فالأيام - كما ظنت - كفيلة بتهدئة البال .
لكن تلك الكنة لم تتوقف يوماً عن التأفف والصراخ والكلام القاسي .... وزادت على ذلك باتهام حماتها بتعذيبها وترك شغل المنزل عليها ... الأمر الذي دعا هشام لتأنيب أمه دائماً والصراخ عليها ومعاملتها بشكل قاسٍ .
كانت الأم تتحمل كل تلك الإهانات من ابنها وزوجته ، ولا تتفوه بكلمة واحدة ... بل تبتسم وتدعو في سرها أن يهديهما الله ويسعدهما ويحميهما .
مرت الأيام بطيئة على الأم ، ولم يتحسن حال زوجة ابنها ، إذ ظلت على عاداتها الشريرة في حقها ... لم تيأس أم هشام ، وقالت في نفسها : لعل الضائقة المالية هي السبب...علي أن أعود إلى كار الخياطة ، رغم أن الطبيب منعني من ذلك .
وكان الطبيب مـَنـَعها من كل الأعمال المجهدة بما فيها الخياطة ، إذا أرادت لظهرها وأرجلها العافية والإنتهاء من الألم الذي تشعربه .... لكن سعادة ابنها وزوجته أهم من كل حياتها .
لم تمانع الكنة وإبنها أن تعود الأم إلى الشغل في الخياطة ... ولم يشفع هذا الأمر لها بأن تتحمل الكنة شيئاً من أعمال المنزل ... وبقيت الأم تعمل في الخياطة وأعمال المنزل جميعها ، ولم يحرك هذا ساكناً عند هذه الزوجة الحاقدة .
مرضت الأم ولم تستطع الحراك نظراً لعدم التزامها بأوامر الطبيب ، وأصبح شغل المنزل على الكنة ... وهذا ما جعلها تطلب من زوجها هشام العيش في منزل مستقل .... رفض هشام في بداية الأمر ، فمن يعتني بأمه ومن أين يأتي ببيت جديد ، لكن زوجته أقنعته بأن يستأجرا بعيداً ، وأن أمه حين لا تجد من يعمل عنها ، فإنها ستتنشط وتقوم من مرضها .
ولأن هشاماً لا شخصية له ، قـَبــِل بهذا الأمر ، وتركا الأم المريضة وذهبا .
سكن هشام وزوجته في منزل جديد استأجراه ، لكن الإيجار كان غالياً جداً ، وهكذا أصبح هشامٌ يعمل ليلا نهاراً كي يستطيع تأمين متطلبات الزوجة ، وايجار المنزل الجديد ، ونسي هشام أمه ولم يعد يزورها .
مرت سنة .. وأخرى .. والحال نفسه على هشام .... العمل كثير ولكن لا يزيد من الدخل شيئاً ، فكل شيء غالٍ ، ومتطلبات زوجته بازدياد فهي لا تشعر بزوجها وبتعبه ، المهم عندها نفسها وما تشتهيه .....
تدهورت أحوال هشام المادية ، والعمل الرئيسي توقف بتوقف الشركة التي يعمل بها نظرا لإفلاسها .... وضاقت به السبل ، وأصبحت حياته لا تطاق ، خاصة من زوجته التي لا يهمها إلا نفسها ... فكانت دائمة النق ، وتهدد بترك المنزل قريباً ، وهو عمل ما باستطاعته لإرضائها لكن دون جدوى ...
وعلا صراخهما حتى تدخل الجيران ، وأصلحوا فيما بينهما ، وما هي إلا مدة قصيرة حتى عرضت إحدى الجارات المسنات على هشام أن يجلب لها ولزوجها المسن حوائجها من السوق يومياً ، مقابل أجرة سخية تعوضه عن توقف عمله .
وافق هشام على العرض السخي فوراً ، وعادت حياته طبيعية ، ومرت السنون على هذه الحال ..... .
وفي يوم كان المطر غزيراً ، وكان هشام يركب في سيارة أجرة قادماً من السوق .. انزلقت السيارة بسبب الأمطار
واصطدمت بعمود للكهرباء ... ووجد هشام نفسه في المشفى ، وقد كسر حوضه وعموده الفقري ، وقد أجريت له العمليات اللازمة ...... نظر حوله فوجد الجيران جميعهم ، لكنه لم يجد زوجته .... سأل عنها فأجابه أحد الجيران بأنها من يوم الحادث عادت إلى منزل أهله ولم تكلف نفسها بالسؤال عنه ..... انهمرت دموعه حزينة ، لقد عاملها لسنين طويلة بدلال قلّ نظيره ، وها هي اليوم تشيح نظرها عنه ، وتبتعد غير نادمة ...... .
تمنى الجميع السلامة لـ هشام وغادروا ، أما هو فقد بقي يفكر في زوجته الخائنة ، وفي أمه التي لم تكلف خاطرها بأن تأتي لتطمئن عليه وخاصة أنها علمت بالحادث كما قالت له جارته المسنة التي يعمل عندها .
وقبل خروجه بأيام ، صاريفكر بالمصيبة التي حلت عليه ، فمن أين له تسديد حساب المشفى الباهظ ... فلا بد أن يكون كبيراً حسب اصاباته الكثيرة ، وصار يفكر بالهرب حين يستطيع المشي ، وهذا ما حاول فعله قبل يوم من تخرجه .... لكن موظف الاستعلامات عرفه ، وسأله لماذا يخرج في هذه الليلة وإلى أين ؟ .
تلعثم هشام وقبل أن يجيب قال له الموظف : أدخل فالسماء تمطر ، ولن تستطيع التفسح خارجاً ... غداً ستتخرج وسيأتي جارك لمرافقتك .
قال هشام : ومن قال لك أنه سيأتي لمرافقتي ؟ .
الموظف : هو من قال ذلك ، لقد اتصل وحدثني أنه سيأتي لدفع فاتورة المشفى ، ويرافقك للعودة .
هشام : حسناً .... شكراً لك . وعاد إلى غرفته وسريره .
خرج هشام من المشفى بمرافقة جاره وكان هذا الجار زوج الجارة المسنة التي يعمل عندها وشكره على ما دفعه ، ووعده أن يرد المبلغ له من عمله حين يستطيع ذلك .
قال له الجار : حسناً لا يهمك .... تعال معي ، إن زوجتي تعد لنا طعاماً شهياً بمناسبة خروجك من المشفى .
دخل الإثنان إلى منزل الجار وتناولَ الجميع الطعام .... شكر هشام جارته المسنة وزوجها قائلاً :
لا أعلم كيف أرد لكما جميلكما ... وهل أستطيع ذلك أم لا ... على كل حال أشكركما وأتمنى من الله أن يمد في عمري وأن يعطيني الصحة كي أرده .
وقبل أن يغادر أعطاه جاره ظرفاً يحوي مبلغاً من المال ... وقال له :
هذا المبلغ أمانة عندنا من أمك .... .
هشام : لا أريد منها أي شيء ... لو كانت تحبني لزارتني في المشفى واطمأنت علي هناك ... أعد لها المبلغ وقل لها أنني لست بحاجة لأموالها .
الجارة : إنك قاسٍ كثيرا يا ولدي .... وأرجوك لا تقل ذلك .... حسناً اجلس لأخبرك ما حصل .
بدأت الجارة بالكلام :
أتذكر يا هشام يوم افلاس الشركة التي تعمل بها ؟ لقد جاءتني قبلها بأيام قليلة امرأة محنية الظهر تكاد لا تستطيع المشي وسألتني عن أحوالك ، وعن زوجتك واستفسرت عن حياتكما وسألتني إن جاءكما أولاد ... وبقيت ساعة من الزمن تطمئن عليكما ، واستغربتُ هذا الأمر ، فسألتها من تكون ... فقالت لي أنها إحدى قريباتك ، وطلبت مني أن أخبرها عنك باستمرار ، بعد أن أعطتني رقم هاتفها ... وطلبت مني عدم اخبارك بهذا الأمر .
وعندما تركتَ عملكَ الرئيسي ، وضاقت بك السبل .. أخبرتها بذلك فطلبتْ مني أن أشغــّلكَ عندي في احضار حاجياتنا وقالت إنها ستدفع راتبك منها .... وهذا ما حصل ... وقد أعطتني رقماً هاتفياً آخر .. وقالت أنها انتقلت إلى مكان جديد ...وبقيت كل هذه السنين ترسل النقود ، وأنا أعطيها لك .
وعندما حصل الحادث ، أخبرتها بذلك ، فجاءت مسرعة إلى المشفى تجر جسمها جراً ... وعندما علمتْ أنك بحاجة لكلية جديدة بعد أن توقفت كليتاك عن العمل بسبب الحادث ، سارعت بالتبرع لك بكلية ، ولكنها فبل أن تدخل إلى العملية ، استدعتني وقالت لي : أنا أم هشام وهذا ابني ولست قريبته كما قلتُ لكِ سابقاً .... إنني أخبرك بذلك لأنني مقدمة على عملية حذرني منها الأطباء ، وقالوا لي أنها شديدة الخطورة على حياتي ... وأنا مستعدة أن أعطيه حياتي في سبيل أن يعيش ولم آبه لكلام الأطباء ، فحياة ابني أهم .
وأعطتني ظرفاً كبيراً من المال .. وقالت لي أن أدفع فاتورة المشفى - في حال موتها - ، وأعطيك الباقي - إن زاد - . وها أنا أفعل ، فقد ماتت بعد العملية مباشرة .
ارتمى هشام على الأرض وأصبح يبكي كالطفل المجنون ، يبكي وينادي أمه .... كم ظلمها .... وكم كان عاقاً ووضيعاً .
ساعده جاره على الوقوف من جديد .... وسأل هشام جارته : ألم تقل لكِ من أين جاءت بهذا المال ؟ ... أنا أعرف أنها لاتملك مالاً ....
الجارة : لقد سألتـُها وقالتْ أنها باعت المنزل الذي تسكن به منذ أن أخبرتـَها بأن عملك توقف .. وسكنتْ في دار العجزة .. ووضعت ثمن المنزل في البنك وأصبحت ترسل منه كل شهر ، وعند الحادث .. سحبت المال كله وجاءت به إليك .
فكم كانت عظيمة أمكَ يا هشام .... وأنا مستغربة لماذا لم تخبرني أمك بأنك ابنها منذ البداية .
هشام : رحمها الله ... يبدو أنها أرادت اخفاء سفالتي وعقوقي عنك وعن الجميع .. لقد كنتُ متمرداً عليها ، ناكراً لجميلها ، ذنــَباً لزوجة خائنة خائبة .... كنتُ لا أفكر إلا بنفسي وبزوجتي ....
بكى بمرارة فقالت له جارته : إن أمك فعلت ما فعلته لتراك معافى وسعيداً ... دعك من البكاء وصلي من أجلها ... لقد كانت أم عظيمة ، رحمها الله .[/COLOR][/SIZE]