الحق الطبيعي
#1
الحق الطبيعي

لم يحبّذ بسام الخال (و هو طبيب سوري مقيم في المانيا) فكرة اقتناء كلب أو قطة في المنزل, لكن امام اصرار اطفاله الثلاثة كان عليه ان يجلس الى (طاولة الحوار) للوصول الي تسوية ما ..
استعرض الاطفال الكم المذهل الذي جمعته ذاكرتهم الصغيرة من الحيوانات (حتى الخرافية منها) .. لم يفهموا ان من يعترض على القطة او الكلب سيعترض دون شك على الافعى والاغوانة و الفيل الصغير (لا بد ان صفة الصغير هنا اضيفت بخبث طفولي لمحاولة الاقناع)..
اخيراً استقر الرأي على الديك..
قبل الاطفال الفكرة على مضض فالديك لا يبدو جذابا مثل البطريق او دب الباندا, لكن بدا أنه (الحيوان) الوحيد المتاح..
في صبيحة اليوم التالي سافرت العائلة الى مزرعة في قرية مجاورة و تم شراء ديك من نوع "الجن " يباهي بالوانه قوس القزح.
اطلق الاطفال على الديك اسم “كاكالايا”, ثم اطلقوه في الحديقة, فراح يسرح و يمرح و يختال بعرفه الاحمر كما لو انه قيصر المانيا, اما بسام الخال فكان سعيداً لان الديك سيعيش في الحديقة و هو لن يشعر حتى بوجوده..
لكن حساب البيدر يجري على غير حساب الحقل..
صار الاطفال يمضون وقتهم كله في الحديقة, و لا يدخلون الى البيت الا لتناول وجبة سريعة يعودون بعدها للعب مع كاكالايا, ثم صارو يطلقون اصواتا كالديكة و يقفزون مثلها, حتى ان كارولين الصغيرة حاولت غير مرة ان تنقر طعامها من الصحن نقراً..
و في يوم دخل الاطفال الى البيت و على وجوههم يقين لا رجعة عنه
_ ان كاكالايا حزين.. فهو وحيد و يحتاج لصديقة
_ هو أخبرنا بذلك
في اليوم التالي سافرت العائلة الى ذات المزرعة لتشتري هذه المرة دجاجة من سلالة رفيعة من الدجاج البياض..
“اليوم وضعت السيدة كاكالايا بيضة” كان هذا حدثا ساحراً و يستحق الاحتفال عند الاطفال الذين كانوا يحرصون على بيض السيدة كاكالايا أكثر من حرصها عليه, و هي بدورها لم تضيع وقتها, و لم تلبث ان قعدت على البيض..ثم لم يمضي وقت طويل حتى امتلأت الحديقة بالصيصان من عائلة كاكالايا و لكل صوص اسم و قصة..
لكن الامر لم يقف عند هذا الحد فالاطفال كانوا يرون في في كل دجاجة (حتى لو كانت مقطعة و مطبوخة مع البطاطا و الاعشاب على طريقة ستروغنوف) فردا من عائلة كاكالايا, لذلك سرعان ما اختفى الدجاج من لائحة الطعام المقدمة في المنزل, و هو أمر وجده بسام الخال مؤسفاً لانه كان من هواة (فصفصة ) الدجاج المشوي و المتبل بالزيت و الثوم على طريقة ام الياس .
و في يوم عاد الاطفال من المدرسة ليكتشفو ان نسرا كاسرا قد انقض على عائلة كاكالايا و افترس منها ما افترس. راح الاولاد يبحثون بعيونهم الدامعة عن الريش المتناثر في الحديقة و كم آلمهم عندما اكتشفوا ان كاكالايا نفسه قد فقد جزءا من عرفه الاحمر.
هنا كان لا بد من التصرف فاحضر بسام الخال شبكاً و راح يمده فوق قسم الحديقة حيث يقبع قن الدجاج و عندما انتهى بدا هذا القسم اشبه بمعتقل غوانتانامو..
في اليوم التالي حضرت الشرطة
_ سيدي الطبيب.. عليك ان تزيل الشبك حالا.. قال الشرطي
_ و لكن لماذا؟
_ لان الشبك يشكل خطرا على النسر.. فهو قد يغفل أثناء انقضاضه على الدجاج عن رؤية الشبك فيقع عليه .. وقد يكسر رجله او يقلم منقاره, و هذا أمر لا يمكن ان نسمح به.. ثم تابع الشرطي بعد ان رسم ابتسامة على وجهه ليعطيه بعض الود:
_ انا اسف حقا.. و لكن كما تعلم النسر يصطادالدجاج.. هذا حقه الطبيعي, و اذا أردت ان تحمي دجاجاتك فلك ان تختار اية طريقة شرط ان لا تعرّض النسر للأذى..
أصبح على بسام الخال ان يسقف الحديقة بالاسمنت, أو أن يدخل عائلة كاكالايا الى المنزل, و لكنه في النهاية اختار الحل الأكثر صعوبة, فقرّر ان يشرح للاولاد قضية "الحق الطبيعي"..
بعد نقاش طويل عن النسر المسكين و امرأته المريضة و أطفاله الجوعى قبل الاطفال على مضض ان ينزع الشبك خاصة بعد ان أكّد لهم أن الدجاج الذي يصطاده النسر يعتبر شهيدا و يذهب مباشرة الى الجنة (دون ان يعبر بالمطهر), و هناك يعيش الدجاج مع النسور و الثعالب في محبة و وئام.

اخبرتني دورلي امرأة بسام الخال ان النسر ظلّ بين فترة و اخرى يصطاد دجاجة او دجاجتين لكن هذا لم يكن كافيا للقضاء على عائلة كاكالايا و التي عاشت طويلا بعد تلك القصة.. و في ذات يوم حضرت مجموعة من العمال للعمل في ورشة بناء قريبة
_ كان اكثرهم من العمال الاجانب .. قالت لي دورلي
_ و قبل أن تنتهي ورشة البناء كانت عائلة كاكلايا قد اختفت عن بكرة ابيها..
أنا أظن أن العامل الفقير (و لا يهم من اين اتى) لا يرى في الدجاجة الا دجاجة..تصلح للقلي أو للشوي (حتى لو كان لها اسم جميل مثل كاكالايا).. و يمكن “لعمال العالم -حول هذه النقطة- أن يتحدوا”..

الاطفال كبروا و قادت كلاً منهم أقداره إلى بلاد بعيدة, و غدت الحديقة خالية إلا من الذكريات و من زهور دأبت دورلي على زراعتها كما دأبت الخنازير البرية على اقتلاعها..
_ الخنازير البرية تقتلع الزهور بحثاً عن ديدان تختبئ تحتها..
ثم تضيف دورلي دونما احتجاج - هذا حقها الطبيعي..

كثيراً ما أزور بسام الخال في منزله, و كلما كان الجو مناسباً نجلس في الحديقة لنحتسي البيرة و نتبادل الحديث..
أما الحديقة فهي وهدة واسعة تمتد خلف المنزل و تعلو غابة من أشجار الدلب و الكستناء, و التي تنحدر بدورها حتى تلامس ضفة نهر الراين بعد أن تعبر سطوح القرميد القديمة لبلدة سانت غو آر..
_ هذه الشجرة زرعها فالنتين عندما كان صغيراً.. قال لي بسام الخال للمرة العاشرة ..
ثم كنت أراه يسرح بناظره بين زهور دورلي عله يقبض هناك على بعض الذكريات من زمانٍ كانت تعج فيه الحديقة بالاطفال و الدجاج.. و ربما ما زال بإمكانه أن يرى جوليانا تجلس الى جانب قفص كاكالايا لتروي له بالتفصيل كل ما جرى معها في صبيحة ذلك اليوم في المدرسة..

النسر ما زال هناك.. ليس نفس النسرطبعاً , قد يكون ابنه أو حفيده, و لكني كثيراً ما كنت أرى نسراً يحلّق في سماء سانت غو آر.. لجناحيه ما شاءا من السماء, وله ما شاء من دجاج الارض, حق تمنحه له الطبيعة و يسهر رجال (الامن) على حمايته..
كنت أراقب انسيابه الهادئ في تلك السماء الواسعة و كان يثير وخزاً في رئتي المحشورة خلف أضلع تكلّست من الخوف, و كان يفتح في ذاكرتي نافذة أو جرحاً على سماءٍ أخرى تمّ اصطياد كل نسورها, ثم تمّ تحويلهم إلى أزرار ذهبية برّاقة تُعلّق كرتب على الاكتاف

بقي أن أسجّل أن تلك النسور (الأزرار) الذهبية البرّاقة كانت و كحق طبيعي يتيم لها.. تفقد بريقها
رد


الرسائل في هذا الموضوع
RE: الحق الطبيعي - بواسطة فادي شماس - 04-10-08, 12:28 AM
RE: الحق الطبيعي - بواسطة هالة - 04-10-08, 12:42 PM

الانتقال إلى منتدى:


المستخدمون الذين يتصفحون الموضوع: 1 زائر