12-04-10, 05:23 PM
[SIZE="5"][COLOR="blue"]المقام الثاني : الحجاز
هو مقام الصحراء، قلب الصحراء، مقام القوافل التي تعبر المدى ساعة الأصيل ،و رياح الغرب تميد بالنخيل؛ هو مقام الصحراء بوقارها و نجوم ليلها الساكن ومداها الممتد فوق ما تستطيع العين،هو مقام الخطوط المتعرجات على أديم الكثبان المتلاقيات نحو سموق السماء؛و لعله لهذا سمي باسم مكان هو سلسلة جبال السروات التي "تحجز "تهامة و الغور عن نجد، بمحاذاة "بحر الحجاز" (البحر الأحمر) من الضفة الشرقية..و لأنه مقام الصحراء فهو مقام الرحيل، مقام الأطلال و حوافر الجمال تشق المدى مبتعدة تعلن الفرقة،و لهذا فتسميته مفارقة في العمق ، فلا إقامة مع الرحيل إلا في الحنين،ولهذا فهو مقام الحنين ، من حيث أن الحنين هو لذة اللقاء تختلط بحرقة الفراق، ملاقاة العالم الذي ودعناه في خاطرة تعبر، فالحنين هو سعادة التعاسة، و تعاسة السعادة، و الحجاز حنين العربي المترحّل حين يستبد به وجد الذكرى، هو المحكوم عليه بأن لا يكون له جذر، بأن يحمل معه جذوره أينما حل.
و بجوار الحنين نحس في مادة الحجاز بصوت الحب و شكاوى العاشقين، نحس ببوح صريح ، بوح بالتجربته الوجودية للعربي، فلا أدل على العربي و جغرافية وجوده، بنخيلها و صحرائها و إبلها غير الحجاز، ولهذا ربما فكلما أراد غير العربي أن يصور العربي ، في السينما مثلا، إلا و يورد الحجاز، و ما يورده إلا تأتي لذهن المتلقي صورة الواحة و الجمل و صمت الصحراء المهيب. لا يمكن ألا يطرب العربي للحجاز، فهو مقام العروبة، ومقام العروبة البدوية تحديدا ، فالحجاز مقام البادية و القبيلة و العشيرة، و ليس مقام المدينة أو المدشر، و هذا ما تحسه في مسافاته الصوتية التي هي خلاء و امتداد.كل أشعار الحب العربية و مقدماته الطللية هي حجازية بالضرورة، أشعار الأعشى و قيس ووضاح و عروة حجازية في روحها ،فما يهيج شاعر البادية للصدح بذكر الطلل، هو نفسه ما يهيج مغنيها للترنم بالحجازيات، هو نفسه الأسى والشجن الذي كان يستبد بهما كلما حزم الأهل المتاع على ظهور الرواحل و عزموا الرحيل بعيدا عما ألف القلب،عن بنات العم المعشوقات، تاركا شغاف القلب في لوعة الغرام، و الغرام في اللغة اسم من أسماء النار.
يبنى الحجاز على الدوكاه(ري القرار على مفتاح صول)، و الدوكاه كوتر هي في الطبوع و في تصور نظرية العناصر الأربع عنصر الهواء، و لعله لهذا كان أشجى ما يعزف الحجاز هو الآلات الهوائية، و هو الناي عند العرب، ناي الوجد والنواح، فلا أبدع من الناي في عزف الحجاز.
من الناحية التحليلية خصوصية الحجاز تأتيه من كونه ينبنى على مسافة الثانية الناقصة و الثالثة المزيدة( مي بيمول_فادييز)، و هذا التغيير في المسافة على بساطته، هذه التعرية لما بين المي و الفا، هي ما يفتح كل هذا الأفق البديع، كل هذا المدى الشيق، مدى الصحراء بقوافلها و كثبانها و نجودها، و ليس الأمر غريبا، فقد تطوي الحروف؛ تشاكلات الحروف كما يكشف الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي في" كتاب الحروف " ، كل أسرار الملك و الملكوت.
لا يبقى إنسان في الأرض محايدا أمام الحجاز، فقد لا يفهم غير العربي الراست، ، و قد لا يستعذب البيات، بل قد يرى فيه نشاز، لكنه لا يمكن أن لا يحس بشيء تجاه الحجاز، لهذا فقد استدخلوه في لحونهم، حتى منها تلك التي هي أبعد ما تكون عن بلاد العرب.
و لأنه مقام الوجد و الرحيل فأنت تجد أشباها له و اشتقاقات عند كل الشعوب المترحلة، عند غجر إسبانيا و عند "المانوش" في أوربا الشرقية،و بهذا المعنى فهو مقام عالمي، فإن كان لنا أن نختار مقاما، من بين كل مقامات الموسيقى، ساهم به العرب في الاستطيقا الانسانية، فهو الحجاز.
بماذا نمثل للحجاز؟
بأغاني شهيرة و شجية مثل "جبار" لعبد الحليم حافظ،
هنا بعض تقاسيم على حجاز الصول
http://www.youtube.com/watch?v=moYflqr8l...re=related[/COLOR][/SIZE]
هو مقام الصحراء، قلب الصحراء، مقام القوافل التي تعبر المدى ساعة الأصيل ،و رياح الغرب تميد بالنخيل؛ هو مقام الصحراء بوقارها و نجوم ليلها الساكن ومداها الممتد فوق ما تستطيع العين،هو مقام الخطوط المتعرجات على أديم الكثبان المتلاقيات نحو سموق السماء؛و لعله لهذا سمي باسم مكان هو سلسلة جبال السروات التي "تحجز "تهامة و الغور عن نجد، بمحاذاة "بحر الحجاز" (البحر الأحمر) من الضفة الشرقية..و لأنه مقام الصحراء فهو مقام الرحيل، مقام الأطلال و حوافر الجمال تشق المدى مبتعدة تعلن الفرقة،و لهذا فتسميته مفارقة في العمق ، فلا إقامة مع الرحيل إلا في الحنين،ولهذا فهو مقام الحنين ، من حيث أن الحنين هو لذة اللقاء تختلط بحرقة الفراق، ملاقاة العالم الذي ودعناه في خاطرة تعبر، فالحنين هو سعادة التعاسة، و تعاسة السعادة، و الحجاز حنين العربي المترحّل حين يستبد به وجد الذكرى، هو المحكوم عليه بأن لا يكون له جذر، بأن يحمل معه جذوره أينما حل.
و بجوار الحنين نحس في مادة الحجاز بصوت الحب و شكاوى العاشقين، نحس ببوح صريح ، بوح بالتجربته الوجودية للعربي، فلا أدل على العربي و جغرافية وجوده، بنخيلها و صحرائها و إبلها غير الحجاز، ولهذا ربما فكلما أراد غير العربي أن يصور العربي ، في السينما مثلا، إلا و يورد الحجاز، و ما يورده إلا تأتي لذهن المتلقي صورة الواحة و الجمل و صمت الصحراء المهيب. لا يمكن ألا يطرب العربي للحجاز، فهو مقام العروبة، ومقام العروبة البدوية تحديدا ، فالحجاز مقام البادية و القبيلة و العشيرة، و ليس مقام المدينة أو المدشر، و هذا ما تحسه في مسافاته الصوتية التي هي خلاء و امتداد.كل أشعار الحب العربية و مقدماته الطللية هي حجازية بالضرورة، أشعار الأعشى و قيس ووضاح و عروة حجازية في روحها ،فما يهيج شاعر البادية للصدح بذكر الطلل، هو نفسه ما يهيج مغنيها للترنم بالحجازيات، هو نفسه الأسى والشجن الذي كان يستبد بهما كلما حزم الأهل المتاع على ظهور الرواحل و عزموا الرحيل بعيدا عما ألف القلب،عن بنات العم المعشوقات، تاركا شغاف القلب في لوعة الغرام، و الغرام في اللغة اسم من أسماء النار.
يبنى الحجاز على الدوكاه(ري القرار على مفتاح صول)، و الدوكاه كوتر هي في الطبوع و في تصور نظرية العناصر الأربع عنصر الهواء، و لعله لهذا كان أشجى ما يعزف الحجاز هو الآلات الهوائية، و هو الناي عند العرب، ناي الوجد والنواح، فلا أبدع من الناي في عزف الحجاز.
من الناحية التحليلية خصوصية الحجاز تأتيه من كونه ينبنى على مسافة الثانية الناقصة و الثالثة المزيدة( مي بيمول_فادييز)، و هذا التغيير في المسافة على بساطته، هذه التعرية لما بين المي و الفا، هي ما يفتح كل هذا الأفق البديع، كل هذا المدى الشيق، مدى الصحراء بقوافلها و كثبانها و نجودها، و ليس الأمر غريبا، فقد تطوي الحروف؛ تشاكلات الحروف كما يكشف الشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي في" كتاب الحروف " ، كل أسرار الملك و الملكوت.
لا يبقى إنسان في الأرض محايدا أمام الحجاز، فقد لا يفهم غير العربي الراست، ، و قد لا يستعذب البيات، بل قد يرى فيه نشاز، لكنه لا يمكن أن لا يحس بشيء تجاه الحجاز، لهذا فقد استدخلوه في لحونهم، حتى منها تلك التي هي أبعد ما تكون عن بلاد العرب.
و لأنه مقام الوجد و الرحيل فأنت تجد أشباها له و اشتقاقات عند كل الشعوب المترحلة، عند غجر إسبانيا و عند "المانوش" في أوربا الشرقية،و بهذا المعنى فهو مقام عالمي، فإن كان لنا أن نختار مقاما، من بين كل مقامات الموسيقى، ساهم به العرب في الاستطيقا الانسانية، فهو الحجاز.
بماذا نمثل للحجاز؟
بأغاني شهيرة و شجية مثل "جبار" لعبد الحليم حافظ،
هنا بعض تقاسيم على حجاز الصول
http://www.youtube.com/watch?v=moYflqr8l...re=related[/COLOR][/SIZE]

