05-04-10, 07:07 PM
مساء الخير أو صباح الخير..
ربما من الأفضل أن أقول أسعد الله أوقاتك فأنا لا أعرف متى ستصلك رسالتي ولا متى ستقرئيها بل حتى لا أعرف إن كنت ستقرئها أصلاً و لا أعرف لماذا قررت أن أكتب لك اليوم بعد كل هذه القطيعة التي كانت بيننا.....
ربما أخطأت بحقك و ربما أنت من أخطأ و لكني أعرف تماماً أننا لم نتحدث منذ وقت طويل و أنك ربما تستغربي رسالتي هذه التي ستعتقدي أنها مجرد Junk Mail أو Spam إلا أنها ليست كذلك بل هي رسالة موجهة لك أنت.. صحيح أني لا أعرف اسمك أو ربما أخلطه! مع عشرات الأسماء الأخرى إلا أني أعرف عنك الكثير من الأمور التي ستستغربي ورودها في رسالة قذفتها الأمواج الإلكترونية إلى شاطئ حاسبك.......
لست هنا لأعاتبك أو ألومك فما حصل قد حصل.. صدقيني لا فائدة من العتاب الآن فالحياة قصيرة و لا شيء فيها يستحق أن نحزن لأجله..
كيف حالك هذه الايام ؟؟ أتراك لازلت تذكريني ؟؟
أتريدي أن تسألي عن أخباري ؟؟ أحقاً تريدي أن تعرفيها ؟؟
صدقيني لا أعرف من أين أبدأ..
لا أعرف من الذي تغير أنت أم أنا أم كلانا معاً.. لكن بالتأكيد هناك الكثير من الأمور التي تغيرت...
أظن أنك سمعت عن غلاء الأسعار و كم باتت الحياة مكلفة و مرهقة أليس كذلك؟؟ نعم أنت محقة .. كل شيء أصبح غالياً.. أتريدي حقاً أن نتحدث عن الغلاء الذي سمع به الجميع؟؟ صدقني لقد صرخنا كثيراً كما صرخت أنت من قبل و لكن كالعادة لم يسمعنا أحد.. أتريد أن تصرخي معنا في المرة المقبلة ؟؟ معك حق ما الفائدة ؟؟
منذ فترة وصلت مجموعة من الباصات الجديدة.. أسمعت بها؟؟
نعم.. باصات خضراء صينية جديدة بمقاعد صفراء لازالت حتى اليوم خالية من الخربشات و ذكريات الركاب.. ...
أتذكري باصات النقل الداخلي القديمة التي كنت تركبيها ؟؟ أتذكري لونها الأخضر الداكن ؟؟ أتذكري رائحة مقاعدها و كيف قام البعض بتمزيقها لا لشيء إلا حباً للأذية تطبيقاً للمثل القائل: 'سألوا القاق ليش بتسرق الصابون؟؟ جاوبهم: الأذى طبع'..
أتذكري كيف كنت تنحشري في السرفيس مع عشرات البشر الآخرين و كيف كان ينطلق السائق برعونة فتشعري بنفسك و كأنك كوكتيل فواكه في خلاط مولينكس؟؟ أتذكري سائق التاكسي الذي تشاجرت معه لأنه رفض أن يشغل العداد ؟؟ لابد أنك تضحكي على نفسك حين تذكري تلك الأيام..
الشوارع لم تتغير كثيراً فمرآب ساحة المواصلات لم ينتهي بعد و ساحة العباسيين لم تنتهي بعد أما ساحة الأمويين فبين الحين و الآخر يقومون بحفرها أو حفر ما حولها لتذكيرك أن دوام الحال من المحال فهاهم اليوم يحفرون نفقاً جديداً ما بين منطقة كيوان و حديقة تشرين و الله وحده يعلم متى سينتهي..
حارات الشام القديمة لم تتغير كثيراً.. لازالت البيوت موجودة و أبوابها مفتوحة إلا أنها أصبحت أكثر فخامة وأناقة حيث أنها باتت مطاعماً اليوم و بتي تجدي بين المطعم و المطعم مطعماً آخر.. قهوة النوفرة لازالت على حالها و كرسي الحكواتي لازال موجوداً و رائحة المعسل و التنباك لا تزال تعبق في المكان و كاسة الشاي الخمير لازالت هي ذاتها إلا أني لم أعد أذكر كم كان سعرها يوم التقينا هناك آخر مرة.. أتراك تذكري ؟؟ أتذكري وجه النادل؟؟ أم أنه ككل الوجوه الأخرى التي مسحتها الأيام من ذاكرتك؟؟
أتذكري سوق الحميدية كم كان يبدو طويلاً طويلاً و كم كان مزدحماً؟؟ أتذكري الأصوات التي كانت تصدر من محل بكداش حين يضرب العامل البوظة بالقشطة و الفستق باستعمال الذراع الخشبية الكبيرة؟؟ أتذكري الأذان الصادر عن مآذن الأموي و مئات الحمائم تحوم حوله و تلعب في باحته بحرية؟؟ أتذكري زينة الميلاد ورأس السنة في باب توما و القصاع و التي كانت تبهرك بجمالها ؟؟ أتذكري بوز الجدي في سوق الشيخ محي الدين و طعم الفول و الفتة بسمنة ؟؟ أتراك تذكري الشاورما في الميدان و كيف تناولت القشة ذات يوم في أحد المحلات هناك مع أصدقائك ثم أكلت كنافة نابلسية رغم أن الساعة كانت تشير إلى الثانية فجراً ؟؟ ألازلت تحبي (القباقيب على سكر) التي كنت تشتريها من البزورية ؟؟ ألازلت تذكري (البراغي) و (السوس) و رائحة الملبس يخرج ساخناً من محل السيوفي ؟؟
هذا المساء كانت المهاجرين مزدحمة كعادتها و بائع الفلافل لايزال على حاله و عشرات الناس على جانبي الطريق و بائع الذرة في ساحة الجسر الأبيض و كشك المجلات و نزلة الطلياني وصولاً إلى ساحة عرنوس، شارع الحمراء و طريق الصالحية.. كل شيء على حالة وحدها أسماء المحلات التجارية تغيرت أما عربات الفول و الذرة و دراجة بائع التمرية فلازالت على حالها.. حتى بائع العوامة في مصلبة الشعلان لازال على حاله يلقي بقطع العجين في قدر الزيت لتخرج كرات من ذهب..
قاسيون ذلك العاشق الدمشقي لايزال في مكانه شامخاً يتأمل دمشق طوال الوقت و يهديها آلاف قصائد الغزل كل ليلة بالرغم من كل الطفيليات التي نمت على ظهره من استغلاليين رأسمالهم طاولة و كرسي من البلاستيك وعلبة محارم..
أذكر أنه كان يوجد لك صورة و أنت في بلودان أيام الثلج.. كنت تبدين في الصورة و أنت تحملي كرة ثلج تهمي برميها على أحد أولاد خالتك.. و ربما كان هناك صورة أ! خرى لك في بلودان أيضاً و لكن أيام الصيف و أنت تتناولي طعامك في مورا.. لست متأكداً .. و لكني متأكد من أنك كنت تحبي سهل الزبداني و أنك في يوم ما اشتريتي بنطلون جينز تهريب من أحد المحلات في مضايا و أذكر أنك ذات يوم شربت من نبعة الماء في بقين و أن الماء يومها كان بارداً و منعشاً و أنك تمنيتي لو أنك تظلي تغبي و تغبي من ماء النبعة إلى الأبد
أتسألينني عن الغوطة و بردى ؟؟ الغوطة امتلأت بالمطاعم و المقاهي بدءاً من تلك الشعبية و انتهاءً بمطاعم الخمس نجوم و مع هذا فلازالت تحمل في ذاكرتها عبق 'السيارين' أيام الربيع و رائحة زهر المشمش و الكرز.. لازالت تحمل في ذاكرتها كما تحملي أنت في ذاكرتك صورة والدك جالساً على الأرض يلعب الطاولة مع عمك بينما تقطع عمتك البطاطا لتعد البطاطا المقلية في حين تصر جدتك على أن تستلم مهمة شك اللحمة على الأسياخ لتباشر بشيها بمساعدة زوجة عمك و ابن عمك الأكبر في حين يجلس جدك على الكرسي يدخن النرجيلة و يتأملك و أنت تلعبي مع إخوتك و أولاد عمك و عمتك! ..
بردى؟؟ أعرفه.. و أعرف كيف كنت تصري على نزع حذائك و الخوض في مياهه الباردة و أعرف كم مرة أنبك والدك لأنك أضعت حذائك الذي جرفه النهر و أعرف كم كانت تصبح البطيخة باردة و لذيذة حين كان يضعها والدك في النهر.. نعم أذكر كل هذا كما تذكريه أنت و لكن ما لا تعرفيه هو أن بردى لم يعد نهراً.. بل هو اليوم مجرد صورة في ذاكرتك و ذاكرتي..
منذ بضعة أشهر صدرت نتائج الثانوية العامة و من ثم تلتها نتائج المفاضلة و اليوم فتحت الجامعات أبوابها....
أتذكري يوم حصلت على نتيجة الثانوية العامة ؟؟ أتذكري كم كنت متوترة يوم صدور النتائج و كم طرتي فرحاً بنجاحك ؟؟ أتذكري كم رن الهاتف في ذلك اليوم و كيف وزع والدك شراب التوت الشامي و كيف دمعت عيناه بعد أن صدرت المفاضلة و انتسبت إلى الجامعة ؟؟ أتذكري ماذا كانت هديتك في ذلك اليوم ؟؟ أم أنك تخلطي بينها و بين هدية تخرجك؟؟
كم مرت الأيام بسرعة.. أيام الجامعة مرت كلمح البصر.. حالها كحال أيام الثانوية....
أتذكري كم مرة تسلقتي سور المدرسة ؟؟ أتذكري أستاذ الرياضيات و كيف كانت أحد صديقاتك في الصف تجيد تقليده ؟؟ أتذكري الصوبيا التي لم تكن تشم رائحة المازوت طوال الشتاء و كيف كنتم تنحشرون في غرفة صف ضيقة و كيف كنت تتشاركي سندويشاتك مع زميلتك في المقعد ؟؟ أتذكري كم كان طعم كاسة الشاي لذيذاً حين كنت تشربيها خلسة مع زميلتك بينما يكون الأستاذ مشغولاً بالكتابة على السبورة ؟؟ ألازلت تذكري زميلتك في المقعد ؟؟ ألازلت تريها ؟؟ أسمعت شيئاً جديداً عنها ؟؟
تمثال عدنان المالكي لا يزال يتوسط ساحة المالكي و تمثال يوسف العظمة لا يزال يتوسط ساحة المحافظة ولازالت السيارات تدور حولهم كما تدور كل قصصنا حول البطولة و الأبطال و الرموز.. ألا زلت تذكري هذه القصص أم أنك نسيتها ؟؟ ألازالت تعني لك شيئاً ؟؟ أم أنها ككل الأشياء التي ما عادت تهمك ؟؟
حبيبك ما هي أخباره ؟؟ متى كانت آخر مرة كتبت له ؟؟ مضى وقت طويل على آخر مرة حدثتيني عنه.. أتزوجتما أم أن الأيام قد فرقتكم عن بعضكم كما في الكثير من قصص الحب ؟؟ و إن لم تكوني قد تزوجتيه هو فمن تزوجت ؟؟ هل أحببت بعدها من جديد أم أنك تزوجت فقط ؟؟ أيعقل أنك لازلت عازبة ً؟؟ أحياناً أفكر أنك لم تتزوجي فقط و إنما رزقت بأولاد أيضاً.. ترى ما هي أسماؤهم ؟؟ ما هي أعمارهم و كيف هي ملامحهم وهل أخبرتيهم عني ؟؟ أم أنك لم تجدي الوقت لذلك بعد ؟؟ و إن كنت قد أخبرتيهم عني فماذا قلت لهم ؟؟
أتعلمي ,, لازلت أذكر وداعنا في ذلك اليوم.. أذكر كيف أنك كنت تريدي أن تبتعدي عني بسرعة كي لا تغيري رأيك و أنك كنت طوال الوقت تفكري بعيوبي الكثيرة و كل الصدمات التي سببتها لك و أنك كنت تتهربي من النظر نحوي كما كنت تتهربي من النظر في عيني.. .....
الازالت رائحة طبخ جدتك تملأ المطبخ و ضحكتها حين تضحك تملأ البيت و طعم قهوتها كصوت فيروز كنور الشمس كصوت العصافير كأي طقس من طقوس الصباح و كأن للصباح طقوس لا تكتمل إلا بقهوتها.. لازالت قوية بالرغم من الديسك.. لازالت عنيدة رغم أنها كبرت في السن و لكن مع هذا صدقني لا تزال غصتها بسبب سفرك عالقة في حلقها حتى اليوم.. ...
والدك.. ..
أراه و هو يدعو لك كلما داعب مسبحته بأصابعه.. لازال مهووساً بنشرات الأخبار، لازال يحب لعب الطاولة، لازال يرتدي قبعة من الجوخ في الشتاء، و قبعة قطنية بيضاء أيام الجمعة حين يذهب إلى الجامع، لازال يشتري الجرائد كل صباح هل بدأ ينسى قليلاً و أصبح يكرر ذات القصة مرات و مرات دون أن ينتبه ؟؟؟ الا يزال يذكر القصص التي كان يحكيها لك حين كنت طفلة ؟؟؟
أتعلمي.. في ذلك اليوم بعد أن أوصلك إلى المطار و بعد أن دس في جيبك الألف دولار التي حتى اليوم لا تعلمي من أين استدانها و بعد أن أخبرك أنك صرتي صبية و طلب منك أن ترفعي رأسه و رأس البلد و بعد أن تمت كل مراسم الوداع جلس في مقعد السيارة و بقي صامتاً طوال طريق العودة و ما إن وصل إلى البيت حتى احتجز نفسه في غرفته و راح يبكي كالأطفال.. وحدي أنا رأيته و رأيت دموعه..
وحدي أنا سمعته يدعو لك بالتوفيق و وحدي أنا كنت أعلم كم كان قلبه يتمزق على غيابك مهما كان يتظاهر بالتماسك و القوة.. وحدي أنا كنت أعلم أن التهاب حنجرته لم يكن بسبب فيروس ما و إنما من كثرة ما جاهد نفسه ليحبس دموعه .
لازلت أذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله...
أذكر حقائبك التي حملت فيها أغراضك و أحلامك و الكثير من ذكرياتك.. أذكر ملابسك التي تفوح منها رائحة الصابون و رائحة بيتكم.. أذكر كم كانت ملابسك مرتبة و مكوية و كيف كوتها شقيقتك في الليلة التي سبقت سفرك و هي بالكاد تراها من كثرة الدموع التي تجمعت في عينيها....
أذكر كم كنت مستعجلة لتنهي مراسم الوداع و كم كنت مستعجلة لتختمي جواز سفرك و تنهي كل الإجراءات و كيف أطلقت شتيمة حين رأيت موظف المطار يقبض رشوة و كيف اتجهت إلى مدخل الطائرة بسرعة و أنت تتمتمي أنك (خلصت من هالقرف) ثم جلست على مقعدك و ربطت حزام الأمان و سمعت صوت المضيفة يعلن موعد اقلاع الطائرة و كيف أنك كنت حتى تلك اللحظة مصرة على أن تتجاهليني و كيف أن الطائرة أقلعت دون أن تنظري نحوي، دون أن تلوحي لي و دون أن تقولي لي كلمة وداع واحدة و لكني أيضاً رأيتك عندما التفتي نحوي قبل أن أختفي تماماً من أمام عينيك و تفصل بيننا السحب و آلاف الكيلومترات و أذكر أني يومها لمحت دموعك و سمعت صوتك و أنت تخبريني أنك تحبيني...
نعم.. يومها سمعتك و رأيتك و اليوم أكتب لك لأخبرك أنني أنا أيضاً أحبك و لأقول لك أني ربما ظلمتك، وربما قسوت عليك و ربما لم أكن كما كنت تتوقعي و ربما لم أقدم لك ما كنت تريدي و ربما لم أحقق لك ما حققه لك غيري و ربما لم تجدي عندي ما وجدتيه في غيري إلا أنني في نفس الوقت أعرف كم أحببتيني و كم كان صعباً عليك فراقي و أعرف أنك بالرغم من كل ما تقوليه لازلت تحبيني و أنك كلما تنبهت إلى أنك لازلت تحبيني تتفاجئي من نفسك و تحاولي من جديد أن تتجاهليني و تجدي عشرات المبررات لتقنعي نفسك أن هجري كان أفضل ما قمت به في حياتك...
اليوم أكتب لك لأنهي هذه القطيعة و لأضع حداً لجدار الصمت الذي بيننا.. أكتب لك لا لأطلب منك العودة و لا لأطلب منك صفحة جديدة و لا لأعاتبك و ألومك على مقاطعتك لي طوال تلك السنوات و إنما لأقول لك سامحني إن أنا أخطأت بحقك و حين تذكريني ,,, اذكريني بكل خير..
المرسل: وطنك ,, بلدك ,,, سوريا
الزمان: البارحة.. اليوم.. غداً و كل يوم
ملاحظة:
أرسل لك هذه الرسالة بينما هناك المزيد والمزيد من إخوتك و أخواتك المتجمهرين على أبواب السفارات إنتظريهم على أبواب المطارات، المعابر و الحدود قبل أن يغادروا ,,,
و لا تنسي أن تعطهم نسخة من رسالتي هذه
منقول
ربما من الأفضل أن أقول أسعد الله أوقاتك فأنا لا أعرف متى ستصلك رسالتي ولا متى ستقرئيها بل حتى لا أعرف إن كنت ستقرئها أصلاً و لا أعرف لماذا قررت أن أكتب لك اليوم بعد كل هذه القطيعة التي كانت بيننا.....
ربما أخطأت بحقك و ربما أنت من أخطأ و لكني أعرف تماماً أننا لم نتحدث منذ وقت طويل و أنك ربما تستغربي رسالتي هذه التي ستعتقدي أنها مجرد Junk Mail أو Spam إلا أنها ليست كذلك بل هي رسالة موجهة لك أنت.. صحيح أني لا أعرف اسمك أو ربما أخلطه! مع عشرات الأسماء الأخرى إلا أني أعرف عنك الكثير من الأمور التي ستستغربي ورودها في رسالة قذفتها الأمواج الإلكترونية إلى شاطئ حاسبك.......
لست هنا لأعاتبك أو ألومك فما حصل قد حصل.. صدقيني لا فائدة من العتاب الآن فالحياة قصيرة و لا شيء فيها يستحق أن نحزن لأجله..
كيف حالك هذه الايام ؟؟ أتراك لازلت تذكريني ؟؟
أتريدي أن تسألي عن أخباري ؟؟ أحقاً تريدي أن تعرفيها ؟؟
صدقيني لا أعرف من أين أبدأ..
لا أعرف من الذي تغير أنت أم أنا أم كلانا معاً.. لكن بالتأكيد هناك الكثير من الأمور التي تغيرت...
أظن أنك سمعت عن غلاء الأسعار و كم باتت الحياة مكلفة و مرهقة أليس كذلك؟؟ نعم أنت محقة .. كل شيء أصبح غالياً.. أتريدي حقاً أن نتحدث عن الغلاء الذي سمع به الجميع؟؟ صدقني لقد صرخنا كثيراً كما صرخت أنت من قبل و لكن كالعادة لم يسمعنا أحد.. أتريد أن تصرخي معنا في المرة المقبلة ؟؟ معك حق ما الفائدة ؟؟
منذ فترة وصلت مجموعة من الباصات الجديدة.. أسمعت بها؟؟
نعم.. باصات خضراء صينية جديدة بمقاعد صفراء لازالت حتى اليوم خالية من الخربشات و ذكريات الركاب.. ...
أتذكري باصات النقل الداخلي القديمة التي كنت تركبيها ؟؟ أتذكري لونها الأخضر الداكن ؟؟ أتذكري رائحة مقاعدها و كيف قام البعض بتمزيقها لا لشيء إلا حباً للأذية تطبيقاً للمثل القائل: 'سألوا القاق ليش بتسرق الصابون؟؟ جاوبهم: الأذى طبع'..
أتذكري كيف كنت تنحشري في السرفيس مع عشرات البشر الآخرين و كيف كان ينطلق السائق برعونة فتشعري بنفسك و كأنك كوكتيل فواكه في خلاط مولينكس؟؟ أتذكري سائق التاكسي الذي تشاجرت معه لأنه رفض أن يشغل العداد ؟؟ لابد أنك تضحكي على نفسك حين تذكري تلك الأيام..
الشوارع لم تتغير كثيراً فمرآب ساحة المواصلات لم ينتهي بعد و ساحة العباسيين لم تنتهي بعد أما ساحة الأمويين فبين الحين و الآخر يقومون بحفرها أو حفر ما حولها لتذكيرك أن دوام الحال من المحال فهاهم اليوم يحفرون نفقاً جديداً ما بين منطقة كيوان و حديقة تشرين و الله وحده يعلم متى سينتهي..
حارات الشام القديمة لم تتغير كثيراً.. لازالت البيوت موجودة و أبوابها مفتوحة إلا أنها أصبحت أكثر فخامة وأناقة حيث أنها باتت مطاعماً اليوم و بتي تجدي بين المطعم و المطعم مطعماً آخر.. قهوة النوفرة لازالت على حالها و كرسي الحكواتي لازال موجوداً و رائحة المعسل و التنباك لا تزال تعبق في المكان و كاسة الشاي الخمير لازالت هي ذاتها إلا أني لم أعد أذكر كم كان سعرها يوم التقينا هناك آخر مرة.. أتراك تذكري ؟؟ أتذكري وجه النادل؟؟ أم أنه ككل الوجوه الأخرى التي مسحتها الأيام من ذاكرتك؟؟
أتذكري سوق الحميدية كم كان يبدو طويلاً طويلاً و كم كان مزدحماً؟؟ أتذكري الأصوات التي كانت تصدر من محل بكداش حين يضرب العامل البوظة بالقشطة و الفستق باستعمال الذراع الخشبية الكبيرة؟؟ أتذكري الأذان الصادر عن مآذن الأموي و مئات الحمائم تحوم حوله و تلعب في باحته بحرية؟؟ أتذكري زينة الميلاد ورأس السنة في باب توما و القصاع و التي كانت تبهرك بجمالها ؟؟ أتذكري بوز الجدي في سوق الشيخ محي الدين و طعم الفول و الفتة بسمنة ؟؟ أتراك تذكري الشاورما في الميدان و كيف تناولت القشة ذات يوم في أحد المحلات هناك مع أصدقائك ثم أكلت كنافة نابلسية رغم أن الساعة كانت تشير إلى الثانية فجراً ؟؟ ألازلت تحبي (القباقيب على سكر) التي كنت تشتريها من البزورية ؟؟ ألازلت تذكري (البراغي) و (السوس) و رائحة الملبس يخرج ساخناً من محل السيوفي ؟؟
هذا المساء كانت المهاجرين مزدحمة كعادتها و بائع الفلافل لايزال على حاله و عشرات الناس على جانبي الطريق و بائع الذرة في ساحة الجسر الأبيض و كشك المجلات و نزلة الطلياني وصولاً إلى ساحة عرنوس، شارع الحمراء و طريق الصالحية.. كل شيء على حالة وحدها أسماء المحلات التجارية تغيرت أما عربات الفول و الذرة و دراجة بائع التمرية فلازالت على حالها.. حتى بائع العوامة في مصلبة الشعلان لازال على حاله يلقي بقطع العجين في قدر الزيت لتخرج كرات من ذهب..
قاسيون ذلك العاشق الدمشقي لايزال في مكانه شامخاً يتأمل دمشق طوال الوقت و يهديها آلاف قصائد الغزل كل ليلة بالرغم من كل الطفيليات التي نمت على ظهره من استغلاليين رأسمالهم طاولة و كرسي من البلاستيك وعلبة محارم..
أذكر أنه كان يوجد لك صورة و أنت في بلودان أيام الثلج.. كنت تبدين في الصورة و أنت تحملي كرة ثلج تهمي برميها على أحد أولاد خالتك.. و ربما كان هناك صورة أ! خرى لك في بلودان أيضاً و لكن أيام الصيف و أنت تتناولي طعامك في مورا.. لست متأكداً .. و لكني متأكد من أنك كنت تحبي سهل الزبداني و أنك في يوم ما اشتريتي بنطلون جينز تهريب من أحد المحلات في مضايا و أذكر أنك ذات يوم شربت من نبعة الماء في بقين و أن الماء يومها كان بارداً و منعشاً و أنك تمنيتي لو أنك تظلي تغبي و تغبي من ماء النبعة إلى الأبد
أتسألينني عن الغوطة و بردى ؟؟ الغوطة امتلأت بالمطاعم و المقاهي بدءاً من تلك الشعبية و انتهاءً بمطاعم الخمس نجوم و مع هذا فلازالت تحمل في ذاكرتها عبق 'السيارين' أيام الربيع و رائحة زهر المشمش و الكرز.. لازالت تحمل في ذاكرتها كما تحملي أنت في ذاكرتك صورة والدك جالساً على الأرض يلعب الطاولة مع عمك بينما تقطع عمتك البطاطا لتعد البطاطا المقلية في حين تصر جدتك على أن تستلم مهمة شك اللحمة على الأسياخ لتباشر بشيها بمساعدة زوجة عمك و ابن عمك الأكبر في حين يجلس جدك على الكرسي يدخن النرجيلة و يتأملك و أنت تلعبي مع إخوتك و أولاد عمك و عمتك! ..
بردى؟؟ أعرفه.. و أعرف كيف كنت تصري على نزع حذائك و الخوض في مياهه الباردة و أعرف كم مرة أنبك والدك لأنك أضعت حذائك الذي جرفه النهر و أعرف كم كانت تصبح البطيخة باردة و لذيذة حين كان يضعها والدك في النهر.. نعم أذكر كل هذا كما تذكريه أنت و لكن ما لا تعرفيه هو أن بردى لم يعد نهراً.. بل هو اليوم مجرد صورة في ذاكرتك و ذاكرتي..
منذ بضعة أشهر صدرت نتائج الثانوية العامة و من ثم تلتها نتائج المفاضلة و اليوم فتحت الجامعات أبوابها....
أتذكري يوم حصلت على نتيجة الثانوية العامة ؟؟ أتذكري كم كنت متوترة يوم صدور النتائج و كم طرتي فرحاً بنجاحك ؟؟ أتذكري كم رن الهاتف في ذلك اليوم و كيف وزع والدك شراب التوت الشامي و كيف دمعت عيناه بعد أن صدرت المفاضلة و انتسبت إلى الجامعة ؟؟ أتذكري ماذا كانت هديتك في ذلك اليوم ؟؟ أم أنك تخلطي بينها و بين هدية تخرجك؟؟
كم مرت الأيام بسرعة.. أيام الجامعة مرت كلمح البصر.. حالها كحال أيام الثانوية....
أتذكري كم مرة تسلقتي سور المدرسة ؟؟ أتذكري أستاذ الرياضيات و كيف كانت أحد صديقاتك في الصف تجيد تقليده ؟؟ أتذكري الصوبيا التي لم تكن تشم رائحة المازوت طوال الشتاء و كيف كنتم تنحشرون في غرفة صف ضيقة و كيف كنت تتشاركي سندويشاتك مع زميلتك في المقعد ؟؟ أتذكري كم كان طعم كاسة الشاي لذيذاً حين كنت تشربيها خلسة مع زميلتك بينما يكون الأستاذ مشغولاً بالكتابة على السبورة ؟؟ ألازلت تذكري زميلتك في المقعد ؟؟ ألازلت تريها ؟؟ أسمعت شيئاً جديداً عنها ؟؟
تمثال عدنان المالكي لا يزال يتوسط ساحة المالكي و تمثال يوسف العظمة لا يزال يتوسط ساحة المحافظة ولازالت السيارات تدور حولهم كما تدور كل قصصنا حول البطولة و الأبطال و الرموز.. ألا زلت تذكري هذه القصص أم أنك نسيتها ؟؟ ألازالت تعني لك شيئاً ؟؟ أم أنها ككل الأشياء التي ما عادت تهمك ؟؟
حبيبك ما هي أخباره ؟؟ متى كانت آخر مرة كتبت له ؟؟ مضى وقت طويل على آخر مرة حدثتيني عنه.. أتزوجتما أم أن الأيام قد فرقتكم عن بعضكم كما في الكثير من قصص الحب ؟؟ و إن لم تكوني قد تزوجتيه هو فمن تزوجت ؟؟ هل أحببت بعدها من جديد أم أنك تزوجت فقط ؟؟ أيعقل أنك لازلت عازبة ً؟؟ أحياناً أفكر أنك لم تتزوجي فقط و إنما رزقت بأولاد أيضاً.. ترى ما هي أسماؤهم ؟؟ ما هي أعمارهم و كيف هي ملامحهم وهل أخبرتيهم عني ؟؟ أم أنك لم تجدي الوقت لذلك بعد ؟؟ و إن كنت قد أخبرتيهم عني فماذا قلت لهم ؟؟
أتعلمي ,, لازلت أذكر وداعنا في ذلك اليوم.. أذكر كيف أنك كنت تريدي أن تبتعدي عني بسرعة كي لا تغيري رأيك و أنك كنت طوال الوقت تفكري بعيوبي الكثيرة و كل الصدمات التي سببتها لك و أنك كنت تتهربي من النظر نحوي كما كنت تتهربي من النظر في عيني.. .....
الازالت رائحة طبخ جدتك تملأ المطبخ و ضحكتها حين تضحك تملأ البيت و طعم قهوتها كصوت فيروز كنور الشمس كصوت العصافير كأي طقس من طقوس الصباح و كأن للصباح طقوس لا تكتمل إلا بقهوتها.. لازالت قوية بالرغم من الديسك.. لازالت عنيدة رغم أنها كبرت في السن و لكن مع هذا صدقني لا تزال غصتها بسبب سفرك عالقة في حلقها حتى اليوم.. ...
والدك.. ..
أراه و هو يدعو لك كلما داعب مسبحته بأصابعه.. لازال مهووساً بنشرات الأخبار، لازال يحب لعب الطاولة، لازال يرتدي قبعة من الجوخ في الشتاء، و قبعة قطنية بيضاء أيام الجمعة حين يذهب إلى الجامع، لازال يشتري الجرائد كل صباح هل بدأ ينسى قليلاً و أصبح يكرر ذات القصة مرات و مرات دون أن ينتبه ؟؟؟ الا يزال يذكر القصص التي كان يحكيها لك حين كنت طفلة ؟؟؟
أتعلمي.. في ذلك اليوم بعد أن أوصلك إلى المطار و بعد أن دس في جيبك الألف دولار التي حتى اليوم لا تعلمي من أين استدانها و بعد أن أخبرك أنك صرتي صبية و طلب منك أن ترفعي رأسه و رأس البلد و بعد أن تمت كل مراسم الوداع جلس في مقعد السيارة و بقي صامتاً طوال طريق العودة و ما إن وصل إلى البيت حتى احتجز نفسه في غرفته و راح يبكي كالأطفال.. وحدي أنا رأيته و رأيت دموعه..
وحدي أنا سمعته يدعو لك بالتوفيق و وحدي أنا كنت أعلم كم كان قلبه يتمزق على غيابك مهما كان يتظاهر بالتماسك و القوة.. وحدي أنا كنت أعلم أن التهاب حنجرته لم يكن بسبب فيروس ما و إنما من كثرة ما جاهد نفسه ليحبس دموعه .
لازلت أذكر ذلك اليوم بكل تفاصيله...
أذكر حقائبك التي حملت فيها أغراضك و أحلامك و الكثير من ذكرياتك.. أذكر ملابسك التي تفوح منها رائحة الصابون و رائحة بيتكم.. أذكر كم كانت ملابسك مرتبة و مكوية و كيف كوتها شقيقتك في الليلة التي سبقت سفرك و هي بالكاد تراها من كثرة الدموع التي تجمعت في عينيها....
أذكر كم كنت مستعجلة لتنهي مراسم الوداع و كم كنت مستعجلة لتختمي جواز سفرك و تنهي كل الإجراءات و كيف أطلقت شتيمة حين رأيت موظف المطار يقبض رشوة و كيف اتجهت إلى مدخل الطائرة بسرعة و أنت تتمتمي أنك (خلصت من هالقرف) ثم جلست على مقعدك و ربطت حزام الأمان و سمعت صوت المضيفة يعلن موعد اقلاع الطائرة و كيف أنك كنت حتى تلك اللحظة مصرة على أن تتجاهليني و كيف أن الطائرة أقلعت دون أن تنظري نحوي، دون أن تلوحي لي و دون أن تقولي لي كلمة وداع واحدة و لكني أيضاً رأيتك عندما التفتي نحوي قبل أن أختفي تماماً من أمام عينيك و تفصل بيننا السحب و آلاف الكيلومترات و أذكر أني يومها لمحت دموعك و سمعت صوتك و أنت تخبريني أنك تحبيني...
نعم.. يومها سمعتك و رأيتك و اليوم أكتب لك لأخبرك أنني أنا أيضاً أحبك و لأقول لك أني ربما ظلمتك، وربما قسوت عليك و ربما لم أكن كما كنت تتوقعي و ربما لم أقدم لك ما كنت تريدي و ربما لم أحقق لك ما حققه لك غيري و ربما لم تجدي عندي ما وجدتيه في غيري إلا أنني في نفس الوقت أعرف كم أحببتيني و كم كان صعباً عليك فراقي و أعرف أنك بالرغم من كل ما تقوليه لازلت تحبيني و أنك كلما تنبهت إلى أنك لازلت تحبيني تتفاجئي من نفسك و تحاولي من جديد أن تتجاهليني و تجدي عشرات المبررات لتقنعي نفسك أن هجري كان أفضل ما قمت به في حياتك...
اليوم أكتب لك لأنهي هذه القطيعة و لأضع حداً لجدار الصمت الذي بيننا.. أكتب لك لا لأطلب منك العودة و لا لأطلب منك صفحة جديدة و لا لأعاتبك و ألومك على مقاطعتك لي طوال تلك السنوات و إنما لأقول لك سامحني إن أنا أخطأت بحقك و حين تذكريني ,,, اذكريني بكل خير..
المرسل: وطنك ,, بلدك ,,, سوريا
الزمان: البارحة.. اليوم.. غداً و كل يوم
ملاحظة:
أرسل لك هذه الرسالة بينما هناك المزيد والمزيد من إخوتك و أخواتك المتجمهرين على أبواب السفارات إنتظريهم على أبواب المطارات، المعابر و الحدود قبل أن يغادروا ,,,
و لا تنسي أن تعطهم نسخة من رسالتي هذه
منقول

