07-06-05, 01:05 AM
إيلاف>> أصداء إيلاف
رجاء الشهادة ممنوعة
GMT 8:00:00 2005 الثلائاء 10 مايو
أياد قحوش
--------------------------------------------------------------------------------
عندما كنت طالبا في المرحلة الثانوية , سألنا مدرس اللغة العربية أن نكتب موضوعا عن المستقبل الذي نخططه لأنفسنا وأيضا عن خطواتنا و تحضيراتنا لذلك المستقبل . جاءت الرغبات متعددة ومختلفة جدا فمن مهنة الطب الى المحاماة فا لهندسة بأنواعها ومن راغب بأن يكون مطربا أو موسيقيا الى طامح بأن يعمل في التجارة أو التعهدات أو غير ذلك من الأعمال والمراكز التي تلفت الانتباه وتستحوذ على الاهتمام .
طالب واحد هو حسين جرجس تمنى أن يكون شهيدا يفدي بدمه تراب وطنه ورسالته الخالدة . صعق المدرس لدى قراءة موضوع حسين ولم يخف اعجابه الشديد بمحبته لوطنه , لكنني وبعد طلب الأذن بنقاش الفكرة بحد ذاتها , اعترضت على الخروج عن الموضوع لأن الشهادة ليست عملا أو وظيفة أو مهنة , الا أن رد حسين كان
أ نه سيعمل من أجل الوطن و وسيتابع دراسة كل شبر و زاوية من جغرافيا كرامة الأمة و ويتمنى أن يكون مشروع شهيد ينفذه متى اقتضى الأمر بذلك .
بعدها بسنين قليلة نجحنا في الثانوية العامة و دخلت وحسين كلية الطب البشري . كنت أدرس الطب على أياد خبيرة من سوريا ومصر والعراق ولكنني كنت أدرس مقررات الوطنية على يدي حسين جرجس .
كان طالبا نشيطا أحب الوطن بعناد لا تقدر عليه أبواب الجحيم , اذ كان يكتب المحاضرات الطبية ويلخصها لنا ويضطر أحيانا كثيرة لشرحها وتبسيطها كما كان لاينفك يحدثنا بتاريخ هذه الأمة العظيموأخلاقياتها وحضارتها ويزرع فينا الرغبة بالنهوض بها من جديد . كان يحب العمل أكثر من الكلام والنظر الى ما نستطيع فعله أكثر مما نفعله .
بعد أن تخرجنا من كلية الطب معا , دأبنا أنا وبعض الأصدقاء على محاولات باءت بالفشل باقناع حسين على الهجرة بهدف التخصص في الخارج أملا بحياة أفضل وتحصيل علمي واجتماعي أعلى .
كان جوابه: عليي أن أسدد دين الأرض أولا .
كان لا يستطيع أن يتصور أنه يستطيع أن يشرب قهوة الصباح بدون صوت فيروز ولا كأس شاي المساء بدون مواويل وديع الصافي . أحب حسين الأرض حبا لامثيل له وكثيرا ما كان يخرج للسير في الطرقات ليشتم رائحة التراب بعيد سقوط المطر. قال
لي مرة: مساكين هم الذين لا يأكلون التين والعنب من على الأغصان مباشرة , مساكين هم الذين لا يرون آلاف النجوم عند المساء , مساكين هم الذين لا تشنف آذانهم أصوات باعة الخضار في الصباح , مساكين هم الذين لا يعرفون طعم الخبز الطري, مساكين هم الذين لايعرفون حب الينابيع والسهول والجبال وعمال الأرض والفقراء والأطفال والعصافير والزهور . مساكين هم الذين لايعرفون أن هذه الأرض مقدسة , فيها ابتدأ الله العالم وفيها ينتهي الزمان .
أذكر كم أعياني الذهاب والمجيء بين دوائر المؤسسات لتأمين كل مايلزم للمهمة الأهم في حياتي وهي الحصول على الفيزا للهرب عفوا للسفر ولكن هكذا كان يسميه صديقي حسين , وكيف كنت أذهب في مساء ذلك اليوم الطويل لأستريح على أريكته القديمة وهو يعظني بالوفاء للأرض والتراب والضيعة والداية التي ولدتني ومعلمات الحضانة وأساتذة المدرسة وعمال الطريق والفلاحين و و...وصوت فيروز وألحان زكي ناصيف و قمح الجبال و زهور البراري وو...والشهداء ..
وعندما تلفظ بكلمة شهداء هذه قلت له أنا ذاهب غدا الى السفارة ..صلي لي كي أحصل على الفيزا .
في اليوم التالي كنت واحدا من الآلاف الواقفين على باب السفارة بعيون غائبة خلف الأفق تسأل المولى ألا أكون شهيدا هنا بل مظفرا بفيزا قبلة الحياة . كانت خطوط الواقفين تطول وتطول وكل من جهة و بحجة ولكن الجميع ينظر الى هدف واحد هو السفر . أين أنت ياحسين كي ترى الواقفين هنا, قلت في ذهني متخيلا صديقي حسين واقفا على منصة عالية يخطب بالجموع مؤنبا ومعنفا هروبهم ..أيها الجبناء لمن تتركون أرض أبائكم ..للغرباء ..تخيلته يصرخ بنا بصوته القوي قائلا ويل لكم من دم الشهداء ..
اليوم وبعد سنوات طويلة في الغربة أشتقت لجبالنا الخضراء في نيسان, لصباح الخير من فم جارتنا, لصوت الجرس ينادي للصلاة , لأطفال تلعب " المستخبايه" بأمان, لمشوار هادئ على شرفة الضيعة , لصوت الديك في الصباح و أصوات الضفادع في المساء ..لصوت النشيد الوطني ..لأسماء الشهداء مكتوبة على مداخل المدارس ..
ترى هل سأرى اسم صديقي حسين بين أسماء الشهداء فأخجل ..سألت نفسي.
عدت لزيارة الوطن وأول ما سألته هو أين حسين ?
لم أسمع جوابا ..كررت هل ذهب وعملها ..أنا أعرف أنه رجل ولكن ماذا حصل ?
توجهت لدار جارنا مدرس اللغة العربية سألته ماذا حصل مع حسين ?
قال لي لقد رحل, لا ندري الى أين . ولكن لماذا? سألته مجددا,فأجاب كان يائسا جدا,كان الانكسار في عينيه أكبر من يخرج دمعا فعض على جراحه ومضى يبحث عن وطنه ليفديه . أذكر أنه قال قبل أن يرحل:اذا كانت الشهادة ممنوعة علينا في هذا الوطن فلماذا علينا أن نعيش .
الدكتور اياد قحوش
أظن أن هناك رسالة واضحة في هذه المقالة لذلك نقلتها لكم من ايلاف المجلة العربية الالكترونية الأكثر قراءة بين
العرب ولا أظن أن الحكيم يمانع بالنقل
راجح
رجاء الشهادة ممنوعة
GMT 8:00:00 2005 الثلائاء 10 مايو
أياد قحوش
--------------------------------------------------------------------------------
عندما كنت طالبا في المرحلة الثانوية , سألنا مدرس اللغة العربية أن نكتب موضوعا عن المستقبل الذي نخططه لأنفسنا وأيضا عن خطواتنا و تحضيراتنا لذلك المستقبل . جاءت الرغبات متعددة ومختلفة جدا فمن مهنة الطب الى المحاماة فا لهندسة بأنواعها ومن راغب بأن يكون مطربا أو موسيقيا الى طامح بأن يعمل في التجارة أو التعهدات أو غير ذلك من الأعمال والمراكز التي تلفت الانتباه وتستحوذ على الاهتمام .
طالب واحد هو حسين جرجس تمنى أن يكون شهيدا يفدي بدمه تراب وطنه ورسالته الخالدة . صعق المدرس لدى قراءة موضوع حسين ولم يخف اعجابه الشديد بمحبته لوطنه , لكنني وبعد طلب الأذن بنقاش الفكرة بحد ذاتها , اعترضت على الخروج عن الموضوع لأن الشهادة ليست عملا أو وظيفة أو مهنة , الا أن رد حسين كان
أ نه سيعمل من أجل الوطن و وسيتابع دراسة كل شبر و زاوية من جغرافيا كرامة الأمة و ويتمنى أن يكون مشروع شهيد ينفذه متى اقتضى الأمر بذلك .
بعدها بسنين قليلة نجحنا في الثانوية العامة و دخلت وحسين كلية الطب البشري . كنت أدرس الطب على أياد خبيرة من سوريا ومصر والعراق ولكنني كنت أدرس مقررات الوطنية على يدي حسين جرجس .
كان طالبا نشيطا أحب الوطن بعناد لا تقدر عليه أبواب الجحيم , اذ كان يكتب المحاضرات الطبية ويلخصها لنا ويضطر أحيانا كثيرة لشرحها وتبسيطها كما كان لاينفك يحدثنا بتاريخ هذه الأمة العظيموأخلاقياتها وحضارتها ويزرع فينا الرغبة بالنهوض بها من جديد . كان يحب العمل أكثر من الكلام والنظر الى ما نستطيع فعله أكثر مما نفعله .
بعد أن تخرجنا من كلية الطب معا , دأبنا أنا وبعض الأصدقاء على محاولات باءت بالفشل باقناع حسين على الهجرة بهدف التخصص في الخارج أملا بحياة أفضل وتحصيل علمي واجتماعي أعلى .
كان جوابه: عليي أن أسدد دين الأرض أولا .
كان لا يستطيع أن يتصور أنه يستطيع أن يشرب قهوة الصباح بدون صوت فيروز ولا كأس شاي المساء بدون مواويل وديع الصافي . أحب حسين الأرض حبا لامثيل له وكثيرا ما كان يخرج للسير في الطرقات ليشتم رائحة التراب بعيد سقوط المطر. قال
لي مرة: مساكين هم الذين لا يأكلون التين والعنب من على الأغصان مباشرة , مساكين هم الذين لا يرون آلاف النجوم عند المساء , مساكين هم الذين لا تشنف آذانهم أصوات باعة الخضار في الصباح , مساكين هم الذين لا يعرفون طعم الخبز الطري, مساكين هم الذين لايعرفون حب الينابيع والسهول والجبال وعمال الأرض والفقراء والأطفال والعصافير والزهور . مساكين هم الذين لايعرفون أن هذه الأرض مقدسة , فيها ابتدأ الله العالم وفيها ينتهي الزمان .
أذكر كم أعياني الذهاب والمجيء بين دوائر المؤسسات لتأمين كل مايلزم للمهمة الأهم في حياتي وهي الحصول على الفيزا للهرب عفوا للسفر ولكن هكذا كان يسميه صديقي حسين , وكيف كنت أذهب في مساء ذلك اليوم الطويل لأستريح على أريكته القديمة وهو يعظني بالوفاء للأرض والتراب والضيعة والداية التي ولدتني ومعلمات الحضانة وأساتذة المدرسة وعمال الطريق والفلاحين و و...وصوت فيروز وألحان زكي ناصيف و قمح الجبال و زهور البراري وو...والشهداء ..
وعندما تلفظ بكلمة شهداء هذه قلت له أنا ذاهب غدا الى السفارة ..صلي لي كي أحصل على الفيزا .
في اليوم التالي كنت واحدا من الآلاف الواقفين على باب السفارة بعيون غائبة خلف الأفق تسأل المولى ألا أكون شهيدا هنا بل مظفرا بفيزا قبلة الحياة . كانت خطوط الواقفين تطول وتطول وكل من جهة و بحجة ولكن الجميع ينظر الى هدف واحد هو السفر . أين أنت ياحسين كي ترى الواقفين هنا, قلت في ذهني متخيلا صديقي حسين واقفا على منصة عالية يخطب بالجموع مؤنبا ومعنفا هروبهم ..أيها الجبناء لمن تتركون أرض أبائكم ..للغرباء ..تخيلته يصرخ بنا بصوته القوي قائلا ويل لكم من دم الشهداء ..
اليوم وبعد سنوات طويلة في الغربة أشتقت لجبالنا الخضراء في نيسان, لصباح الخير من فم جارتنا, لصوت الجرس ينادي للصلاة , لأطفال تلعب " المستخبايه" بأمان, لمشوار هادئ على شرفة الضيعة , لصوت الديك في الصباح و أصوات الضفادع في المساء ..لصوت النشيد الوطني ..لأسماء الشهداء مكتوبة على مداخل المدارس ..
ترى هل سأرى اسم صديقي حسين بين أسماء الشهداء فأخجل ..سألت نفسي.
عدت لزيارة الوطن وأول ما سألته هو أين حسين ?
لم أسمع جوابا ..كررت هل ذهب وعملها ..أنا أعرف أنه رجل ولكن ماذا حصل ?
توجهت لدار جارنا مدرس اللغة العربية سألته ماذا حصل مع حسين ?
قال لي لقد رحل, لا ندري الى أين . ولكن لماذا? سألته مجددا,فأجاب كان يائسا جدا,كان الانكسار في عينيه أكبر من يخرج دمعا فعض على جراحه ومضى يبحث عن وطنه ليفديه . أذكر أنه قال قبل أن يرحل:اذا كانت الشهادة ممنوعة علينا في هذا الوطن فلماذا علينا أن نعيش .
الدكتور اياد قحوش
أظن أن هناك رسالة واضحة في هذه المقالة لذلك نقلتها لكم من ايلاف المجلة العربية الالكترونية الأكثر قراءة بين
العرب ولا أظن أن الحكيم يمانع بالنقل
راجح

