فنجان قهوة
#1
طلبت من النادلة فنجاناً آخر من القهوة، جلست مرتاحا في مقعدي، سحبت عميقاً من سيجارة كنت قد أشعلتها للتو، و عبر سحابة الدخان التي نفثتها كنت أنظر إلى وجهها مع بعض الشرود المناسب لرجل يوشك أن يتفلسف
ـ في تلك اللحظة نشب الصراع بين الله و الشيطان
صمتّ قليلاً (كمن يترك مساحة بيضاء بعد أن كتب العنوان) ثم أضفت:
ـ هكذا وَرَد في الكتب، و ورد أيضاً أن الله قد انتصر فكبّل الشيطان و ألقى به في الجحيم... إذاً الله على العرش، الشيطان في المنفى و الحب يسود العالم..
أعدت تشكيل سحابة الدخان التي بيننا ثم أضفت
ـ نعم، أنا أتفق معك.. هناك خلل ما و هذا العالم لا يقنعنا لحظة واحدة أن الله هو من يحكمه
صمتّ لبرهة أطفأت فيها لفافتي، وضعت كلتا يدي على الطاولة و سددت نظرة ذات مغزى إلى عينيها
ـ ماذا لو أنّ الحقيقة جرت على عكس ما في الكتب.. ماذا لو أن الشيطان قد انتصر في ذلك الصراع فأسر الله و ألقى به في الجحيم.. أقسم أن حرفاً ما كان ليتغير و أن الكتب كانت ستبدو كما هي الآن
.. سأشرح لك، انتبهي جيداً، فهذا هو موضوع مسرحيتي الجديدة، لقد كتبت بعض القصاصات.. أخرجت ورقة صغيرة من جيبي.. إنها محاولة لإعادة كتابة ذلك الصراع.. اتخذت سحنة شريرة و قرأت بصوت أجش كي يبدو كصوت الشيطان
ـ كيف تطلب منّي أيها الرب العظيم عدله أن أسجد لهذا المخلوق الهش الذي يفترسه المرض و يغلبه الموت، و أنا الذي لا يسجد إلا لجلالتك، ثم ألا تراه كيف يهيم حاملاً نايه يرقص كالمخبول و يكتب لذاته قصائد فاجرة بدلاً من أن ينصرف لعبادتك، و فوق كل هذا هو يشك بكل شيء، بل إنه يجرؤ رغم حقارته على الشك بك أنت خالقه و أنت الحقيقة الأزلية التي يفيض منها الكون
الله يرد
ـ عندما جبلته من ذاتي أخذت تراباً من الحب و ماءً من الشك و نفخت فيه ليكون حراً مثلي. أنا لم أخلقه ليصير عبداً لي، ليس في السجود يجدني و إنما في صوت الناي، ليس في تسبيحه لي يقترب مني و إنما في الحب الذي يمنحه للآخرين.. أنا ذاته التي لا تكتمل إلا إذا كان حراً و عاشقاً و أنا الشك الذي يعصف فيه ليدفع شراعه إلى مزيداً من الأفق.. هكذا أنا وضعته، في أحسن تقويم..
عدت إلى النبرة الشيطانية
ـ أنا المقدود من اليقين و من حجر الشريعة أعلم أن الخليقة لن تستقر دون الخضوع المطلق و الإيمان الراسخ و دون سوط في يدك تلهب فيه ظهر العبيد و تقودهم إلى العذاب الأبدي لو خرجوا عن طوعك .. أنا من ذاتك أيضاً و في مثل خلودك و لكني من ذاتك قبل أن ينال منها الشك و يعتريها الهوان.. إن الشريعة تقضي الان أن نعيد ترتيب السماء

و في تلك اللحظة نشب الصراع بين الله و الشيطان لينتصر الأخير و لأن الشيطان يعلم أن البشر أبناء الله لم يبقى له إلا طريق واحد، فأعلن:
ـ أنا هو الله انتصرت على ابليس الذي تمرد على كلمتي و ألقيت به إلى الجحيم، أنا اليقين و أنا الحق الواحد خلقتكم لتكونوا عبيداً لي و لتقتلوا أعدائي فأصليهم بنار خالدة و في الختام سنعربد و نسكر معا في السماء على رائحة الشواء "
طويت الورقة بعناية و أعدتها إلى جيبي
غايتي من هذه المسرحية تكمن في ما نراه حولنا.. في الحب الذي جفت ينابيعه و الدين الذي باسم الله يسفك الدماء.. لقد تمّ خداعنا, هذا ما أريد أن أقوله.. الله الحقيقي مكبّل في الجحيم و الشيطان هو من يحكم السماء.. نعم لقد تعرضنا للخديعة

كنت استرسل في الحديث عند انتبهت أن حزناً عميقاً بات يرسم ملامح وجهها.. بقيت صامتة لوهلة
ـ هل تعلم إذا كان أحداً في هذا العالم قد تعرض للخديعة فهو أنا.. أنا لأنني صدقتك. لقد قلت لي أنك ستتحدث عنّا و عن مستقبل يجمعنا معاً.. كنت سعيدة هذا الصباح و ظننت أنك أخيراً قد تغلّبت على خوفك من أن تشاركك امرأة الحياة.. لكنك طلبت فنجاناً من القهوة و رحت تتحدّث عن الصراع بين الله و الشيطان و كان يمكنني أن أشفق على حماقتك، و ربما وجدت حديثك مسلياً، و ربما صفّقت لك كما كنت ترجو لولا أنّك بدأت تتحدّث عن الحب، و هذا بالضبط ما جعلني أغضب
أنا أبصق على مسرحيتك تلك.. أية حماقة جعلتك تعتقد أن الشيطان و الله قد تصارعا؟ أنا أعلم الآن أكثر من أي وقت مضى أن الله و الشيطان في وجودهما أو في عدمه يتماهيان معاً.. انظر حولك ستجدهما معاً في كل شيء، أقصد في كل شيء متوازن و طبيعي، لكنك لست متوازناً و لست طبيعياً ربما لأنك تفتقر إلى أحدهما..
أنت تتحدّث عن الحب و كأنه معبد تسجد أمامه و لا تجرؤ على الدخول إليه.. أيّ حمار ـ و أرجو أن لا تغفر لي إهانتي ـ أيّ حمار يعلم أن الحب ليس قصيدة ممتنعة و إنما حالة نعيشها و نتبادلها و نسير في زواريبها و نقع في حفرها و نتعلّم منها.. الحب هو أن تغمرك الحياة بدلاً من أن تطفو فوقها
أنت المجبول من إله خالص و بائس و مرتعد تستحق الازدراء، أنت تعيش على ضفة الحب، تمتدح هديره لكنك تخشى أن تبتلّ فيه.. كم أنت مغرور و كم أنت أحمق و لا بد أن حماقتك معدية لأنك جعلتني أصدّق أنني أستطيع أن أعيش حباً معك
كانت قد نهضت، أخذت بعض النقود من حقيبة يدها و تركتها على الطاولة ثمناً لفنجان قهوة
ـ إذاً فليكن "الأحمق" عنواناً مناسباً لمسرحيتك تلك.. ثم انصرفت
كنت أراقبها تبتعد.. لم تلتفت مرّة واحدة إلى الخلف..
أشعلت سيجارة و بحثت عبثاً عن رشفة أخيرة.. كانت بقايا القهوة تنكمش في قعر الفنجان لترسم شيطاناً وحيداً يجلس في مثل مقعدي (أو هكذا أردت أن أراه) أمّا حول القعر فكانت البقايا تتناثر كالسماء
رد


الانتقال إلى منتدى:


المستخدمون الذين يتصفحون الموضوع: 1 زائر