حليب جحيش
#1
[SIZE="4"][COLOR="black"]عند الصباح ..

.. إنها رائحة تهزّ الروح بكل الطهر والعناء المتفائل ... تلك اللتي راحت تّعطّرُ أنفاس الشروق البديع الحالم
برائحة ٍلحماية التنورالمتضوعة من تنور جدتي الذي كان متربعا ً على حفافيَ دهر ٍ .. وسحر ... إسطورريين .. مشبعين
بعطر أوراق شجرة الكينا ، وفوح الصنوبر و الغار ... و قرافيش الجلة .. وذاك صاحب البركة الميزرُ
وما يخفي تحته من أسرار الحياة وعبق الخبز المُعمّد بأريج الصفاء المتقطّر من أكُفّ الجدّات الكريمة ...


"و أذكر أنه كان نادرا ما يمازح .. و إن مازح يمازح برصانه وصمت "

عدنان



في ذلك المساء


كان صوت جدّي ندور..ينده

والوقت قد أزفّ السادسة مساء ... وكانت ضيعتنا .. تتمطّى على فراش ٍ من اشعة المغيب المذهّبة الأصيل
وتعانق بشغفٍ و حنوّ.. قطيعا ً لأبناء البريّة من أغنام معدودة .. ينداح ثُغاء حِملانها بين جنبات الوادي
وكأنها تروي قصّة الطبيعة الآسرة ببراءة وفطريّة الحِملان .. وهناك نايٌ يهيم متقطّع الأصداء .. يحكي
قصص الصخور الحانية بكُلّ قسوتها .. وشموخها الرفيع
مَن كان قد حظي بأمسيات ضيعتنا بين جنبات تلك الأزمان البريئة .. بعفويّتها الأخّاذة كان يعيش لدهر ٍ
آخر تلك الأوقات كان كلّ شيء في ضيعتنا يروي البراءة وصفائها .. وكأنه يهمس في
مسمع الطفل ذي السادسة من العمر حكايا من الصفاء المنير
يــــــــــــــــــــــــــــا عدنيــــــــــــــــــــــــــن فجأةً يهبط صوت الجد ندور من أسفل القرميدة الوحيدة
في حارتنا الهادئة ... هاتفا ً يدعوني إلى وليمة ٍ ما .. أو على الأقل أنني أحسست بهذا دائما فمن كان ينده لطفل ٍفي تلك الأيّام .. إلاّ ليطعمه شيئا ً لذيذا ً ... أو ليوجه له بعض النصيحة والفائدة
كان بيت الجد ندور .. يقع فوق بيت جدي لأمي ، مباشرة ويقابله من جهة الشرق .. وكانت الطريق مرجومة بالحجارة
بشكل عشوائي .. يدفع بك إلى التشركل مرة ً تلو أخرى ... ويُعقور قدميك بشكل ٍ مستساغ على نحو عجيب
غير أنك لا تعير الأمر إهتماما ً يُذكر .. فما من دأبك إلاّ الوصول إلى وجهتك بعناء ٍ و سلام ...
عند سماعي النداء .. وقفت عند عتبة الدار .. تتملكني الحيرة لهذا الصوت الذي شقّ مساء حارتنا الحالم
ويتكرر النداء وأجيب بعفويّة و توجس : نعم جدّو
تعاااا ... نده لي و كأن صوته قادم من بلد عتيق .. تشتم فيه رائحة انصهار الحديد مع حنان الأب الكبير
في لحظة من لحظات الكرم المسائي الهادئ .. توجس الطفل إبن المدينة من دعوة عند المساء للركض بين
منزلين متجاورين خشية من أن يفاجئه ضبع من أساطير حكايا القرى في تلك الحقبة الصافية ..
لا مصابيح تنير الدروب ولا البيوت .. وماء الشرب تستجره من الينابيع البعيدة ضروف على ظهور الدواب
والحمير التي غالبا ما كان ذاك الطفل يتعاطف مع شقائها المرير
جدو ..ما بسترجي في ضبع ع الطريق يصل صوت الجد إلى مسامع الطفل المرتعد في هيبة المساء
أنا ناطرك ع الباب لا تخاف .. أتردد .. و أرمح بالركض .. أصل لا أجد جدي منتظرا ً عند عتبة الدار
أقفز مرتعبا وأدلف إلى الدار الحجرية المهيبة في عتمة مساء مشتاوي رصين
أتسلق الدرج الحجري الكبير كما كنت أجده .. إلى البيت القرميدي العالي .. أجد الجد جالسا ً بهدوء .. مصباح فتيل يضيء
جانبا من الوجه الرصين .. و رائحة مختلطة طالما أدهشتني بفرح لذيذ .. رائحة لدخان تبغ بكر .. ورائحة لتبغ كان الجد
يفرمها بتؤدة .. تمتزج برائحة ذكية لعطر ما يفوح من كاس المتة الذي يرفق بيد جدي بلطف و مودة ..
قبلني .. جلست بجواره ..كان كرسيا ً من القش مريحا بشكل ما ولكنه كان يعقر مؤخرني بين حين وحركة
دوق جدو شو طيبة هالأكلة .. يقدم لي صحنا صغيرا ترتع فيه قطعة بدت لي في العتمة المضاءة بالسراج مثل قطعة جبن
شممتها مندهشا ً .. رائحتها تشبه رائحة الحليب الطازج الذي طالما أحببت شربه مباشرة من السطيلة خلسة من جدتي
نثر شيئا من السكر فوقها بملعقته الصغيرة الخاصة بالمتة ، و كثيرا ما كانت تدهشني لصغر حجمها .. والتي لم نكن نلحظ وجودها بين أدواتنا
في المدينة الكبيرة تلك الأيام .. و كرر هامسا ً : دوق هالأكلة جدو .. بطرف من أصبعي الصغيرتين رحت أستل تلك الأكلة اللذيذة
والتي لم أتذوقها من قبل .. نعم كان لطعمها رائحة الحياة التي أوحتها لي دائما وأبدا ذكرياتي الدافئة عن المشتى و مساءآتها الخجولة
آنذاك .. فرحت مع كثير من الدهشة والمرح
: هممممم .. يا سلام .. شو إسمو هادا جدو ؟.. سألته على استحياء خبيث ..
ضحك بصمت ابتسامة وأجاب
: هادا يا جدو .. حليب جحاش
لم أفاجأ .. وتابعت التلذذ والتلمظ بما آكله .. و لطالما كنت أتعاطف مع تلك المخلوقات التي تتعثر بجنديتها المجهولة دائما
ثم سألت: ليش جدو الجحاش بتحلب
قال لي بجدية مفرطة : إي جدو .. إنت ما شفت الكر عم يرضع من جحشتنا
إي والله رددت عليه مؤكدا و موافقا ً.. والله يا جدو طيب حليب الجحاش

بعد أن أجهزت على صحن تلك الوليمة الأخّاذة والمدهشة طعما ً ونوعا ً .. راح النعاس يداعب جفون طفل حلم لو أن الصحن هذا
كان طشطاً كبيرا ً ممتلئأ بحليب الجحاش اللذيذ و الدسم .. جدي يرتشف المتة من كأسه الدافئة .. و ظلال تتراقص باهتة ًعلى ضوء
سراج نور .. متسلقة فوق جدران المساء المشتاوي في بيت يعبق بأريج عتيق مبهم و حثيث ..أثقل معه جفنيّ المتعبين الكسولين ..
لم أشعر كيف طغى النوم على الكرى .. أفقت على صوت تنحنح جدي .. كان الصباح يجدد المشتى ويغسلها بندى الصباح الوليد ..
فجرٌ جديد آخر


في اليوم التالي


رحت .. أطبل وأزمر في الحي وفي خارج الحي .. بفخر وكبرياءِ إعتزاز .. حزروا .. شو طعماني جدي .. ها .. ؟؟ .. وبعنفوان ما بعده
شوفة حال ... شو يا صبي ؟؟.. تسأل الناس بلهفة وإصرار عن هذه الأكلة اللذيذة .. على قلة الأكلات الذيذة وندرتها في ذلك الزمان .. ظنا ً منهم أنها
طعام أو حلوى من نوادر حلوى المدن البعيدة .. أجيب بتؤدة و رصانة ممكنة : حليب جحاش .. يصمت الناس فجأة .. وفجأة يندلع الضحك والقهقهة
ويبدأ المزاح والهرج .. أيشو ولك عدنين حليب جحييش؟؟.. !! .. أجيب مؤكدا و بجدية .. إيه شو عجيبي؟ أنا مبيريح جدي ندور طعماني
حليب جحيش .. اللافت بالأمر أن الجميع راح يتساءل .. في قرارة .. شو هالأكلي العجيبي يا عمّي بس منعرف إنو الحليب بينشرب مو أكلة
كانو يقولون لي هادا كيت .. و كيت .. وأنا أصر مؤمنا ً إيمانا لا يزحزحه شيء بثقة كبيرة من كلام جدي الذي لا يمكن لأحد أن يزيحه أيضا من قناعتي
وثقتي بما قدمه لي جدي في ذاك الطبق الصغير .. من حليب الجحيش..


مر عام جديد


و عدت إلى المشتى الحبيبة مجددا ... و دعينا على ما أذكر إلى بيت جدي الحداد غابيوس حيث قدم لنا ضيافة أدهشتني
مجددا .. حليب جحيش .
: شو مخلفة البقرة يا عمي غابيوس ؟ سألت أمي
:إي والله يا عين عمك خلفت عجلة .. وفرحنا جميعا بالخبر الجديد
همست لأمي جانبا ً: ماما هادا حليب الجحاش ضحكت من كل قلبها .. و أيدتني : إي ماما حليب جحاش .. عندها عرف الجميع
أن بقرة جدي ندور كانت مخلفي عجل وقت ما دعاني إلى تلك الوليمة .. و وقتا طعماني شمندور .. و أكلت مقلب بشمندور
شبعني سني كاملة ضحك وتندر ..من جدي المرحوم ندور
الله يرحمك يا جدي ندور قال حليب جحاش



السنة - 1962


[/COLOR][/SIZE]
رد


الانتقال إلى منتدى:


المستخدمون الذين يتصفحون الموضوع: 1 زائر