إنها دمشق يا أولاد ال...
#1
شقيقة بغداد اللدودة، ومصيدة بيروت، حسد القاهرة، وحلم عمان، ضمير مكة، غيرة قرطبة، مقلة القدس، مغناج المدن وعكاز تاريخ لخليفة هرم.‏‏

إنها دمشق امرأة بسبعة مستحيلات، وخمسة أسماء وعشرة ألقاب، مثوى 1000 ولي ومدرسة عشرين نبي، وفكرة خمسة عشر إله .‏‏

إنها دمشق الأقدم والأيتم، ملتقى الحلم ونهايته، بداية الفتح وقوافله، شرود القصيدة ومصيدة الشعراء.‏‏

من على شرفتها طلّ هشام ليغازل غيمة أموية عابرة، بعد أن فرغ من إرواء غوطتها بالدم، ومنها طار صقر قريش حالماً، ليدفن تحت بلاطة في جبال البرينيه.‏‏

إنها دمشق التي تحملت الجميع، قوادين وحالمين، صغار كسبة وثوريين، عابرين ومقيمين، مدمني عضها مقلمي أظفارها وخائبين وملوثين، طهرانين وشهوانيين.....‏‏

رُضِعت حتى جفّ بردى، فسارعت بدمها بشجرها وظلالها، ولما نفقت الغوطة، أسلمت قاسيونها (شامتها الأثيرة) يلعقونه يتسلقونه، يطلون منه على جسدها، ويدعون كل السفلة ليأخذوا حصتهم من براءتها، حتى باتت هذه مهنة من يحبها ومن لا يقوى على ذلك لكنها دمشق تعود فتية كلما شُرِقَ نقي عظامها.‏‏

إنها دمشق أيها العرب العاربة والمستعربة قِبلة سياحكم، ومحط مطيكم، تمنح لقب الشيخ لكل من لبس صندلا واعتمر دشداشة ولا تعترف إلا بشيخها محي الدين بن عربي، الذي صرخ منها: "إلهكم تحت قدمي" وكان يدوس ديناراً ذهبياً

هو من لم تتسع له الأرض، حضنته دمشق تحت ثديها ألبسته حياً من أحيائها وقالت له انطلق أنت أجلُّ الأموات‏‏

فغنى لها " كل ما لا يؤنث لا يعول عليه"‏‏

إنها دمشق لا تعبأ باثنين، الجلادين والضحايا، تؤرشفهم وتعيدهم بعد لأي ٍعلى شكل منمنمات تزين بها جدرانها أو أخباراً في صفحات كتبها، فيتململ ابن عساكر قليلا يغسل يديه ويتوضأ لوجه الله ويشرع بتغطيس الريشة في المحبرة، لا ليكتب بل ليمرر الحبر على حروف دمشق المنجمة في كتابها المحفوظ.‏‏

دمشق التي تتقن كل اللغات ولا أحد يفهم عليها، لا تقرأ بالكلمات بل بإحصاء ضحكات الله ومكائد الملائكة.‏‏

دمرَّ هولاكو بغداد وصار مسلماً في دمشق، حرر صلاح الدين القدس وطاب موتاً في دمشق، قدم لها الحسين إبن علي ويوحنا المعمدان وجعفر البرمكي رؤوسهم كي ترضى دمشق، وما بين قبر زينب وقبر يزيد خمس فراسخ ودفلى على طريقة دمشق.‏‏

إنها دمشق لا تحب أحداً، ولا تعبأ بكارهيها، متغاوية ووقحة تركل عشاقها خارجاً بقسوة نادرة كي لا ينسفح الكثير من دمهم، وتتفرغ للغرباء الذين ظنوا أنفسهم أسيادها ليستفيقوا فجأة وإذ بهم عالقين تحت أظافرها.‏‏

إنها دمشق: تتقن عمل الله ومَكره حين يمهل ولا .......‏‏

حين يحب الجمال، وحين يستريح طوال الأسبوع ويعيد خلق العالم على مهل دون أن يعرف أي أحد متى يكون اليوم السابع.‏‏

لديها من الغبار ما يكفي لتقص أثر من سرقها فتحيله متذرذراً على جسدها.‏‏

لديها من العشاق ما يكفي حبر العالم.‏‏

لديها من المآذن ما يكفي ليتنفس ملحديها عبق إبط الملائكة، ومن المداخن ما يكفي "لتشحير" وجه الكون.‏‏

لديها من الموت ما يكفي لينفخ اسرافيل في (الصور) معلناً قيامتهم جميلين، ليعانقوا الموتى الآخرين " للمرة الأولى والأخيرة " 2‏‏

ولديها من الوقت ما يكفي لترتب قبلة مع مُذنَّب عابر، ومن الشهوة ما يدعو نحل الكون لرحيقها.‏‏

لديها من الصبر ما يكفي لتنتشي بهزة أرضية، ومن الأحذية و"الشحاحيط " المعلقة في سوق الحميدية ما يكفي للاحتفال بخمسين دكتاتور.‏‏

لديها من الحبال ما يكفي لنشر الغسيل الوسخ للعالم أجمع، ومن الشرفات ما يكفي سكان آسيا ليحتسوا قهوتها ويدخنوا حمرا طويلة على مهل.‏‏

لديها من القبل ما يكفي كل حرمان المجذومين، ومن الصراخ ما يكفي ضحايا نكازاكي وهيروشيما الذين لم يكن لديهم وقت‏‏

لديها من الخمر ما يكفي كي يثمل العرب جميعاً، ومن النوم ما يكفي كل ما حلم به الأنبياء.‏‏

لديها من النهايات ما يكفي ثمانين إلياذة، ومن الأجنة ما يكفي لتشغيل الحروب القادمة.‏‏

لديها شعراء بعدد شرطة السير، وقصائد بعدد مخالفات التموين، ونساء بكل ألوان الطيف وما فوق وتحت البنفسجي والأحمر.‏‏

لا فضول لدمشق، لا تريد أن تعرف ولا أن تسرع الخطى، ثابتة على هيئة لغز، الكل يلهثُ يرمحُ يسبحُ، وهي تنتظرهم هناك إلى حيث سيصلون.‏‏

دمشق هي العاصمة الوحيدة في العالم التي لا تقبل القسمة على اثنين في أرقى أحيائها تسمع وجع الطبالة، وفي ظلمة حجرها الأسود يتسلق كشاشي الحمام كتف قاسيون ليصطادوا حمامة شاردة من المهاجرين.‏‏

دمشق لا تُقسم إلى محورين، فليست كبيروت غربية وشرقية، ولا كما القاهرة أهلي و"زملكاوي " ولا كما باريس ديغول وفيشي ولا هي مثل لندن شرق وغرب نهر التايمز ولا كما دبي (بر دبي وديرة) ولن تكون كعمان فدائيين وأردنيين، ولا كبغداد منطقة خضراء وأخرى بلون الدم ....‏‏

دمشق مكان واحد فإذا طرقت باب توما ستنفتح نافذة لك من باب الجابي، وإذا أقفل باب مصلى فلديك مفاتيح باب السريجة‏‏

لا تتعب نفسك مع دمشق ولا تحتار فهي تسخر من كلاهما من يدعي أنه يحميها ومن يهدد بترويضها، فتود أن تعانقها أو تهرب منها، تلتقط لها صورة أو تحمضها كلها، تود أن تدخلها فاتحاً أم سائحاً، مدافعا أو ضحية، ماحياً أو متذكراً كل شيء دفعة واحدة.‏‏

فتخرج سيجارة حمرا طويلة تشعلها بخمسة أعواد كبريت ماركة الفرس، وتقول جملة واحدة للجميع
)إنها دمشق يا أولاد القحبة).‏‏

فادي عزام
رد
#2
والله لم أقرأ وصفاَ لدمشق اروع واحلى من هذا الوصف ، لذلك وجب الرد لتبقى دمشق حاضرة في الاذهان ، ماثلة للعيون ، دمشق وهي تغتصب آلاف المرات من اعداء الداخل والخارج ، علّ ذلك يوقظ فينا ذلك الكائن البليد النائم الكسيح والمخصي الذي لا يقوى على الحراك ، ولا الصراخ ، وانما هو متفرج اصابه العمى ، واصم اصابه الطرش الفجائي ، وأخرس اقتلع لسانه خوفا ورعبا ، سلمت يداك صديقي نسر على اختيارك ، تحيتي لك
رد
#3
كلمات رائعة
مشكور نسر على ما كتبته
فعلا كلمات شبه خرافية جمعها عقل عبقري
بس يا ريت الموضوع نقصته سطر كان اروع واكمل
رد
#4
شكرا هادي على رفع هذه المقطوعة النادرة في وصف دمشق ، وأكرر شكري للنسر على اختياره ، وانا ما بعرف ليش معترض هادي على السطر ما قبل الاخير ، ليش فيه أحلى من سيكارة الحمرا الطويلة ، بتكتم على انفاسو للواحد متل الحكومة اوعك تعترض ها بتعرض نفسك للخطر
رد
#5
لا يا هادي في العبارة الأخيرة كل الزبدة ...الظاهر انك بتخجل من تسمية الأمور بمسمياتها ؟؟؟ عن من يتربص بالوطن و يحاول تغيير هذه الصورة الفسيفيسائية التي لا نظير لها ليخلط الأوراق لتصبح لوحة قاتمة لا نريدها
رد
#6
دمشق فعلا هي الخلود بكل معانيه . ولكن السطر الاخير كان عنوان فليش الاعتراض عليه .او اللي ب...شوكة بتنخزو؟؟؟؟
رد
#7
نسر كتب:لا يا هادي في العبارة الأخيرة كل الزبدة ...الظاهر انك بتخجل من تسمية الأمور بمسمياتها ؟؟؟ عن من يتربص بالوطن و يحاول تغيير هذه الصورة الفسيفيسائية التي لا نظير لها ليخلط الأوراق لتصبح لوحة قاتمة لا نريدها

لا يا نسر مش قضية خجل القضية اننا ما نريد نكون بمستوى أقل من مستوى ارتفاع النسر نحلق في فضاء الحرية اللامتناهي
لان نزولنا الى مستوى من هم دونك يقلل من مستواك فادعوك الى ان ترفعهم اليك ان اردت لا ان تنزل اليهم .
بعدين الاخت هالة والله دخان الحمرا ما ينعاب لانه اساس صحي للغاية لان مع كل سيجارة بدك قداحة وبيخلصوا سوا يعني دخان ضد التدخين مع اني ما قصد الدخان قصدت اللي قاله النسر
فمثلا الاخ العزيز والغالي كبة شوف شو عم يقول : دمشق فعلا هي الخلود بكل معانيه . ولكن السطر الاخير كان عنوان فليش الاعتراض عليه .او اللي ب...شوكة بتنخزو؟؟؟؟
الظاهر انه المسكين أكل صبر بغير موسموا والشوك علق مش بايده او تمو وبس لا راح الشوك لابعد من هيك بكتير
رد
#8
و الله أمرك عجيب يا أخ هادي ...من كل الروعة في هذا الوصف و تلك اللوحة الرائعة لدمشق و التي كتبها أوكسجين ...لم تستطع إلا التعليق على هذه الكلمة ...لماذا كل التفكير عن المحرمات الفارغة بينما يغيب الجوهر عن الفهم ...

ترفّع عن صغائر الأمور ترتفع

رجاء لا تنقل لنا مهاترات القسم الديني إلى هنا و شكرا على تعليقك
رد
#9
شكرا كتير خيي نسر و انت عطول بتعطينا مواضيعك الحلوي و ردودك اللي بمحلا


و من هون بعايدك و بقلك انشالله تضل عم تطير و توصل لفجر الحرية و تضل النسر الشامخ اللي الكل بيترقب مرورو

تحية الك و كل عام و انت بخر و ميلاد مجيد
رد
#10
ميلاد مجيد و مسيح جديد
للوطن الحبيب ...
اليوم يولد المسيح زاهياً براقاً ليعطينا الأمل من جديد
بيوم لا ننتظره بليد

فعظمة المسيح بميلاده كل لحظة ...شيء جديد

شكرا لك و لكل أعضاء مشتاوي و وطننا الحبيب
و أحلى ميلاد لسورية الحرة
و دمشق

المجيد
رد
#11
ما هــذا الوصف الرائـــع يا أخ/ نســـر لم تترك للدمشقيين الأصل الكلام أو الأفعــــال

أهنيــــك حقيقة ... لا أستطيع التعليـــق حتى الكلمة التي قلتـــــها تركتهــــــا بدون حذف لأن

معنـــــــــاها كبير جداً ليست هي بمجرد فقط شتيمة بل هي كناية عن خوف ووصف و تحدي وعشق كبيـــر لسوريـــا

وانشالله سوريا بضل حرة وصامدة ضد كل معتدي .

شكـــراً أخ/ نســـر وللأفضـــل دائمـــاً .

مع تحيـــاتي لجميع المشــاركين....

أخوكم الحنون/ أبو اليـــاس
رد
#12
اخي النسر

اولا اود شكرك من كل قلبي
و ذلك لانك اعطيتنا الفرصة للاطلاع على هذه الرائعة سواء كنت الكاتب او لم تكن

و اقصد بالكاتب هو المؤلف

و ان لم تكن انت المؤلف فلا يتغير من شكري لك


اما بالنسبة للسطر الاخير

فاحمدو ربكم لم اكن انا المؤلف او الكاتب ههههههههههه اضن انكم كنتم قد حذفتم الموضوع



اسمح لي بنقله اخي النسر



تحياتي
رد
#13
عفوا يا دكتور و شكرا لك على كلامك الطيب
الروائع لا تخفي نفسها ...و الإنسان بحكم طبيعته يبحث عن أشباهه و عن مكان يجد نفسه فيه ...عن منزل لا يشعر فيه بأنه غريب ...و بالتالي عن مواقع يحلق بها بحرية و يرتوي منها( كموقع أوكسجين الرائع و قد نوهت لذلك)..عن قلوب لا تحمل إلا الحب للحياة بكافة أشكالها برغم القيود التي ترتبط بجذور تاريخ و ثقافة لأمة لم يبقى منها غير ظَلامها و ُظلمها و جلاديها , بينما شمسها غابت عن سماء العالم بإمساكها دائما بجلباب عائشة و أشباهها.
شيء محزن جدا ...
أننا لا نستطيع تنفس أوكسجين صرف إلا من خلال أقنعتنا لنعيد تكرار هوائنا الفاسد حتى الثمالة ... بدونها.
رد


الانتقال إلى منتدى:


المستخدمون الذين يتصفحون الموضوع: 1 زائر