ميلاد السوري و هباء العمر و الشعب العنيد
#1
لا نستطيع تجاهل ذلك الجرس القويّ الذي يُقرع في منتصف العمر، وإذا صادف وأمضينا حياتنا في بلاد يحكمها الخوف فإن الإشارة المفزعة لعيد الميلاد هي: لقد أُهْدِرتْ سنة أخرى من عمرك. إذن هل يمكننا الحديث عن عيد ميلاد أو حياة في ظل الأنظمة الأمنية؟
أبدأ بالقول: إنني، وبشكل مباشر، لم أتعرض لأي صفعة من رجل أمن. الصفعات القليلة التي تعرضتُ لها كانت في البيت أو المدرسة، وهذه لا تجعل مني مناضلاً صالحاً أمام الكثير من أصدقائي المعتقلين السابقين. ببساطة أنا واحد من ملايين تم استثناؤهم من الضرب بحكم المصادفة، ولاعتبارات منطقية وواقعية أيضاً. ففي الواقع لم أشكل خطراً على النظام، لم أفعل ما يستوجب الاعتقال والضرب، وشخصيتي الهادئة لا تبدو جذابة بما فيه الكفاية لمخبريه. أما استقلاليتي عن التنظيمات المعادية للنظام، بل ونقدي لها أحياناً، فقد ترضي هؤلاء المخبرين، دون أن تلغي تشككهم بي. فأنا أنتقد النظام أيضاً، وفي المحصلة أنتمي إلى فصيلة الثرثارين المزعجين أحياناً، غير الخطرين دائماً. المصادفة أيضاً، أو حسن الحظ، أو كلاهما نجّياني من الاعتقال والضرب. فمؤهلاتي السابقة ليست كافية بحدّ ذاتها، طالما أن جزءاً ممن اعتقلوا لم يفعلوا شيئاً، بل اختارتهم يد القدر الأمنية لتربية الملايين من أمثالي.
إذا لا يمكن الحديث عن أفراد في ظل أنظمة تفعل كل ما بوسعها لتسحق فردانيتهم. في عام 1984 لم تكن البلاد تتسع سوى لصور الأخ الأكبر، والزعيم الأوحد، وسيد الوطن! أبناء جيلي لم يعوا غيره زعيماً. ففي بداية وعينا الطفولي، في عام 1973، قيل لنا إنه انتصر على أعداء الخارج، ومرّغ بالوحل أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يُقهر، وبعدها بثلاث سنوات تصدى للمؤامرة التي استهدفت خاصرة سوريا، وأنقذ لبنان من التقسيم، ومن ثم تصدى لخونة كامب ديفيد، وأخيراً تم سحق أداة الاستعمار والرجعية، أي "عصابة الأخوان المسلمين المجرمة" (هكذا ظلت التسمية الرسمية لفترة طويلة). خلال هذه السنوات لا أذكر عدد المسيرات التي تم سوقنا إليها، نحن التلاميذ, كقطيع. ففي عام 1977 مثلاً كان الملايين من الأطفال أمثالي يساقون ليهتفوا بحقد ضد "الخائن" أنور السادات. أنا لم أحب السادات، ربما لأنني لم أسمع به قبل خيانته، لكن مسيرات تعليم الكراهية علمتني أن أكره السادات، وبحسب ظني الآن فإن السادات هو أول شخص كرهته في حياتي. وإني لأتذكر بدقة كيف صنع الإعلام الرسمي، والمخيال الشعبي، من شخصية السادات شيطاناً كاملاً، أُسبغتْ صفة القباحة على منظره، وعلى طريقة نطقه، وعلى مجمل أفعاله، ولم يعد يمثّل خصماً سياسياً وحسب، وإنما أصبح يجسد الشر المطلق. وهكذا دخلتُ السياسة من بوابة الكراهية.
مع بلوغي سن الرشد، دخل اليساريون من غير المتحالفين مع السلطة حياتي, ففي فترة الشباب من لم يكن شيوعياً كان بلا قلب, و من كان قومياً كان بلا عقل، وفي حينها كانت السلطة تشنّ حربها الوقائية ضد أعدائها المحتملين في الداخل، وتحديداً ضد اليساريين من أصدقائي وغير أصدقائي. لم أشارك في النشاطات التنظيمية لليسار، لكنني عشت أجواء الفوضى الفكرية التي تتيح تجاور ماركس وفرويد ولينين وتروتسكي وروزا لوكسمبورغ، وطبعاً ولهام رايش في إنجيله "الثورة والثورة الجنسية". وخلال سنوات شاركتُ اليسار في اقتراف الكثير من الأفعال التي اعتقدنا أنها منافية للسلطة، شربنا ما وقع تحت أيدينا من خمر، وعاشرنا ما أُتيح لنا من نساء، وغنينا أغنيات التحدي التي أداها الشيخ إمام، وسهرنا ليالي كثيرة وطويلة ونحن نتدرب على كراهية السلطة. وعلى مدار خمس سنوات انفضّ أصدقائي اليساريون، اعتقل قسم منهم، وهاجر قسم آخر، وتاب بعض منهم، فيما اكتشفت متأخراً ما فعلتْه بي يساريتي، إذ بتُّ أكره، بالإضافة إلى السادات، أمريكا وعملاءها والسلطة ومخبريها، وأكره انتهازية الروس ولا ثوريتهم، وأكره الخيار الثالث وميوعته، زادت كراهيتي للأعلام والأناشيد الوطنية وصور الزعماء، باختصار بتُّ أكره كل ما يعكر نقاء حلمي اليساري. وفي تلك الفترة أحببت فقط الزعيم السوفييتي أندروبوف لأنه مات سريعاً، وكأن نقمتي لم يعد لها رجاء سوى الفناء البيولوجي لسلطات وقوى راسخة لا يزحزحها إلا القدر.
النقمة أفقدتني الثقة بالآخرين وبنفسي، وفي وقت ما بدأت التغيرات الكبرى في العالم كنت قد توقفت عن النمو النفسي والعاطفي. انهارت الكتلة الشرقية وبقي الكثير مما أكره، وهذا لم يُحدث فرقاً كبيراً لأبناء جيلي العاطلين عن الحياة في بلد لا يزال منتمياً إلى 1984، ويحكمه الأفول البريجنيفي شديد البطء. عندما لا يتغير شيء في حياتك فلا شيء حينها يثبت أن الزمن يمر، هذا الإحساس يصبح حقيقة واقعة. فالكتّاب من أبناء جيلي ظلوا خلال عشرين سنة وهم يُشار إليهم على أنهم شبّان واعدون، أسوة بأقرانهم من الفنانين أو أصحاب الكفاءات العلمية أو غيرهم. إن حياة أبناء جيلي من السوريين تساوي ولاية أبدية لرئيس راحل مضافاً إليها، بالاستمرارية ذاتها، جزء من ولاية رئيس لاحق. أليس هذا مبرراً كافياً لنكون أولاداً على أبواب الأربعين؟ هذا طبعاً إذا غضضنا النظر عن مقدار ما في حياتنا من حياة. ففي زعمي، نحن أكثر شعب تفترق أعماره النفسية عن أعماره البيولوجية، وعلى هذا ربما يكون من العدل الإلهي أن نُمنح أعماراً مضاعفة على ألا تُمنح هذه الفرصة لقادتنا، أو أن تُحسب أعمارنا بقدر ما نغير من أنظمة. يلزمنا الكثير من الوقت لتصبح حياتنا شبيهة بحياة الآخرين، وبحساب الولايات الرئاسية السابق فإن متوسط أعمارنا يجب أن لا يقل عن ثلاثمائة عام، ليعادل سبعين عاماً لمواطن غربي، وحينها لربما استطاع كتابنا الشباب أن يصبحوا رجالاً، ولربما أنجز مخرجونا السينمائيون أفلامهم المؤجلة والمعطلة، وحتى نساءنا المقيمات ربما تحولن حينها إلى عابرات جميلات.
إن الحصيلة المرّة لحياتي تكاد تتلخص بالملل، فما زلت أكره الأشياء ذاتها: أكره السلطة، وأكره رجال الأمن حتى في أفلام السينما، وحتى إن أدت هذا الدور حسناء مثل أنجلينا جولي. ذهب السوفييت ولم آسف على ذهابهم، ولم يقدم لي الأمريكان مبررات مقنعة لأحبهم، وعلى العموم أتمنى الحصول على مبررات مقنعة لأحب أي شيء، لعلني بهذا أتخلص من وحش الكراهية الذي حملته طويلاً. لكن لم يتبقَّ لي من الوقت ما يكفي لأقايض أوهاماً بأوهام، ليثبت لي أحد أن لي فرصة حقيقية للعيش في هذه البلاد، فقد مللت العيش في السماجة والرتابة. ليثبت لي أحد صحة جملة من نشيد وطني، أو جدوى شعار من الشعارات، والشعارات المعارضة لها أو المزايدة عليها، التي أفقرت حياتي، وإلا كُفُّوا عن استغفالي على هذا النحو الرديء، ابتكروا طريقة جديدة لسرقة ما تبقى من عمري. إن يأسي لا يدفعني الى أبعد من المطالبة بالتحول من مغفل مهان إلى مغفل محترم.
يقول لي صديق بترف أحسده عليه: ألا تلاحظ أن أبناء جيلنا بدأوا يعانون أزمة منتصف العمر؟ أما أنا فأفكر: ما أصعب أن تعيش أزمة منتصف العمر في بلد لم يكن لك فيه عمر. فقياساً على النصف المنصرم من عمري لا أعتقد أن لي فرصة جيدة في الحياة، حتى وإن حدثت بعض التغييرات فثمارها ستكون من نصيب أجيال لاحقة، أما أنا ففرصتي الوحيدة الآن هي أن أفتح النافذة، فأرى جيراني يؤرجحون بقرتهم، على نحو ما يحدث في إعلان عن الزبدة، وأتأكد من أنني مواطن غربي حلم حلماً مزعجاً بأنه ولد وعاش كسوري، فأبتسم وأهزّ رأسي، وأقول لنفسي برضا وثقة: لقد كانت ليلة فظيعة، لكنه كان كابوساً، كان كابوساً وحسب.
و بعند أقول كما أجاب الشيخ, بعد رحلة مضنية للصيد في البحر بدون ثمار, عن سؤال نفسه مَن الذي هزمك ؟
لا أحد... أنا الذي ذهب بعيداً !!!
رد
#2



يا نسرنا الجميل الذي يحمل في قصعته زعفران الارض وذكريات الالم ، وفي دمه تجري دماء جدنا الغفاري الزنديق ، ترفق بنا وانت تسرد حكاية كلّ واحد فينا وكأنه أنت .....دع غزالة الماضي الشاردة تختفي في حدود ما اضمحلت بقاياه وتلاشت صوره فغدت زهداَ متواضعاَ في التأثير الوجودي ......لماذا تنتزع تلك القشور الرقيقة التي نختبئ فيها ....لا تعرينا لذلك الجرح الصدئ الساكن فينا كاللغم ، الشاسع كالصحراء ، فأنا أعرف أنك ترحل يومياَ مثلي ومثل بقية الاصدقاء من هذا الجيل الحائر المنتظر المترقب دوماَ الى قمم الثلج ، وتعود الى رقعتك حاملاَ أشعة الشمس تحت عباءتك تتلفع فيها باحثاَ عن دفء تتحسسه أطراف عيونك من شدة قذى الالم الذي يشلّ حياتنا ، لن تستطيع ولن نستطيع الا أن نحمل بارهاق ذلك الاصرار الدائم على الثبات في الموقف المبدئي وعلى دقّ أسافين الحياة في الانتماء للمكان رغم الخدر الذي يزحف الى أعمافنا ، ورغم الالم الذي يحزّ قلوبنا ، نحن الجيل الراكض الذي لم يكن طفلاَ يوماَ ، ولم يعش مراهقاَ أبداَ ، ونسي كيف يعيش جزئيات انسانيته فأصبح ابن زنا لايعرف أبن من يكون ، هل هو ابن الحاضر ، أم ابن الماضي ، أم ليس له هوية .



.
رد
#3
عزيزي نسر .
قرأت موضوعك مرة وأخرى علني أرضي أنانيتي بأنني لست الوحيد الذي يعاني ماأعانيه علما أنني كنت شبه مقتنع بأن أبناء جيلنا جميعا يعانون ماعانيناه فأنت يا عزيزي من الجيل الذي ليس له تاريخ فأمثالنا كثر يانسر وهذا مايجعلنا نيأس أكثرنحن جيل المسيرات والمشاعل والهتافات للألهة الزمنيين الخالدين وللأبد سوف لن يذكر التاريخ سوى نباحنا ياعزيزي الفرق بيني وبينك أنني وصلت الى حد من الكراهية جعلني أكره نفسي ألعن يوم مولدي أكره والديّ لأنهم سبب تعاستي الكثير الكثير من أبناء جيلنا يعانون وليس لدينا أمل فهذه منجزات الثورة ياعزيزي نحن كلاب الحراسة لا يفكروا بنا إلا إذا دنى من أسيادنا الخطر وعند زواله يكافؤنا مثلما كوفئنا من عشرة أيام .فلا يسعني ياعزيزي نسر إلا أن أقول لك أمضي ياعزيزي فالعمر ماض .


الخال
رد
#4
كلام كثير يجول بالخاطر يشاركه عواطف أجاجه °°°تجتاحني °°°تردني الى تابوت الماضي °°°فلكم هو بشفاف مقالك هذا صديقي °°°ولكم أنت بصادق °°°°
ولكن لصعوبة الكتابه بدون مفاتيح بالعربي °°°°أختصر فاقول :
لا أدري ولماذا وأنا أقرأ ما سطرت من مشاعر °°°°كانت كلماتك تختمتزج بقولان °°°احدهم لمانرو والاخر لوايلد :
-لا يحدث للانسان ما يستحقه ، بل ما يشبهه
-كنت شيخآ في الشباب °°°فلا عجب ان أكون شابآ في الشيخوخه°°
رد


الانتقال إلى منتدى:


المستخدمون الذين يتصفحون الموضوع: 1 زائر