09-05-06, 11:13 PM
![[صورة: Imported-190505084707.jpg]](http://www.aljabha.org/q/images/Imported-190505084707.jpg)
، (سهار بعد سهار.
. تيحرز المشوار..
سهار هو زوار
شوي وبيفلو..
وعنا الحلا كلو..
وعنا القمر بالدار)
يبدأ النهار طازجا، عابقا بالحماس والنشاط والحب والأمل، حين ترفل بك إلى أقصى ركن في القلب. تيحرز المشوار..
سهار هو زوار
شوي وبيفلو..
وعنا الحلا كلو..
وعنا القمر بالدار)
، (دق الهوى عالباب
قلنا الهوى كذاب..
ولما فتحنا الباب
طلوا حبايبنا)
يعلو الصوت واعدا، صادقا، ماطراقلنا الهوى كذاب..
ولما فتحنا الباب
طلوا حبايبنا)
(تبقى ميل تبقى اسأل
.. متل الأول ضل اسأل.
. الله لا يشغلك بال
ودي لي منك مرسال.
. اسآل اسآل)..
صوت يسخو بالحب، إذا علا بالجواب الهادر فليس لك إلا أن تحلق وتستمتع معه، وتكاد تطير إذا كنت تقود السيارة لتجاري هذا التحليق الحالم بالرضا والمحبة .. متل الأول ضل اسأل.
. الله لا يشغلك بال
ودي لي منك مرسال.
. اسآل اسآل)..
(بكرة لما بيرجعوا الخيالي
بترجع يا حبيبي..
بكرة والجواهر الغوالي
شعرك يا حبيبي).
يتأجل القلق والسأم في حضرة حنجرة بهذا الشموخ غير المتعال. قرار رصين يدعو إلى خشوع وحزن من نوع خاص، يرقرق العين ويمسح تعب القلب، حين ترخي أحبالها الصوتية يأتيك مخمليا، ناعما، ناعسا بترجع يا حبيبي..
بكرة والجواهر الغوالي
شعرك يا حبيبي).
(كنا نتلاقى من عشية
نقعد على الجسر العتيق
وتنزل على السهل الضبابي
تمحي المدى وتمحي الطريق
، هذا الصوت القزحي، يعود ثانية شفيفا، رقراقا، رحيما، رخيمانقعد على الجسر العتيق
وتنزل على السهل الضبابي
تمحي المدى وتمحي الطريق
(بحبك ما بعرف هن قالوا لي
من يومها صار القمر أكبر)
(القمر بيضوي عالناس
والناس بيتقاتلوا).
فيروز.. أسطورة الصوت الملائكي إذا عبرت ردهة المنصة، فهي خطوات واثقة من الأنفة والاحترام.. إذا وقفت للغناء، وقفت لها كل الدنيا.. تلتهب القلوب تصفيقا، وتشتعل الأيدي حبا متواصلا. تخفض وجهها عزة ووقارا، ثم تعلو هامتها ببهاء جليل فتغيب الابتسامة تحت إجلال القصيدة، وسحر اللغة، كأنها توصلك بأسرار الكون وعظمته، تدعوك للتأمل والصمت والخشوع. والناس بيتقاتلوا).
فيروز حين تغني للحب، فهي تغني للحب المستحيل المنذور للريح والنسيان، تغني للحلم. حب من طراز الخيال الذي لا يمكننا أن نقيس عليه مشاعرنا، إنه أسمى من أن نصل إليه. حبا مثاليا، عفيفا، وإنسانيا،
كأنما تولدت لدينا غريزة جديدة، أو رياضة جديدة تدعى رياضة الأمل. أصبحت الحاجة ملحة لهذا الصوت الذي ربينا على سماعه منذ نعومة أيامنا، تتعطل الحواس الأخرى إلا السمع، حين يهمي على وجداننا، يكف عنا التوتر والضيق، نستدعيه كي ننفض عن أجسادنا تعب النهار، نتوق إليه، كأننا ننتظر بشرى سارة. وصلات قصيرة لا تحتمل تكرار الجملة الموسيقية، لا تسمح بالسأم، لكن شدة التوق تغري بإعادتها، كمن يأتي بأصغر كأس ليملأه سُكْرا، كلما فرغ السكر أعيد الكأس، تنتهي الخمس دقائق ولا تنتهي الأذن من الاستماع. صوت فلكلوري يكتنفه سحر خاص، لا يمل، ولا يشيخ، مساحته بحر، أوتاره موج في كل حالاته، حزنه صدق، فرحه هناء العصافير، صمته أسرار، تراتيله صلاة، خشوعه كخشوع شموع المعبد، صوتٌ تمائمه مصاغة من الريح والعيد والمدى والضباب والحلم والغياب والقمر والسماء والهوى والحرية والمحبة. تغوي السامع بشعرية الألق الحميمي الخفي الدافيء حينا، والراعش الجامح نحو افراح فردوسية حينا آخر.
هذه النبية المنذروة للامحدود من الهدايا والورود، من الوجد والعشق الصوفي، من الليل والحكي والحنين، من الثلج والصيف والعناقيد، من الغيم الحزين ومراكب الريح. كم أغنية رقصت في خيالنا؟ مائة؟ مائتين؟ أكثر؟ كم أغنية من قديمها لم تصافح اسماعنا بعد؟ لا أدري.. كما البحر لا يدري كم موجة علته وكم سفينة عبرته.
حنجرة ذهبية اتسعت لطبيعة لبنان الجميلة، طافت على السهول والبقاع والغابات، واسقطت أوراق تشرين ونثرتها بالدفء، حين ترنو للسماء يتساقط المطر والثلج
(صار الشتي ينزل علي
وإجا الصيف وانت ما جيت)
، منعشا مع نسيمات الربيع، وحميما مع نيسان
(مرق الصيف بمواعيدو
والهوى لملم عناقيدو)
سافرت إلى الأوطان والشعوب، مع باقات الود والتعاطف، فكان لبنان ينزف جراح الحرب وإجا الصيف وانت ما جيت)
، منعشا مع نسيمات الربيع، وحميما مع نيسان
(مرق الصيف بمواعيدو
والهوى لملم عناقيدو)
(يا هوى بيروت يا هوى الأيام
ارجعي يا بيروت ترجع الأيام)
وكان الشام في نشيدها عطر الدهر، وظمأ الشرق ارجعي يا بيروت ترجع الأيام)
(سائليني يا شام حين عطرت السلام
كيف غار الورد واعتل الخزام)
منذ اكتشاف صوت فيروز في الجوقة الموسيقية في الكنيسة، إلى رعاية الرحابنة لهذا الصوت المخملي رعاية متفانية، حيث صقل بالألوان الأوروبية والألوان الشرقية الصعبة، مع مختلف الأوركسترات، درب على الكثير من المقامات والتجارب الأخرى، فتخطى كل هذه القدرات، وتكوّنت لدى معشوقتنا خبرة لم تحصل عليها أية مطربة أخرى. كما رُبيت على مباديء ثابتة، لم تكسرها قط. سخر الصوت للفن الراقي، الرائع لمحبيها، ففي أدبيات الرحابنة ألا تغني فيروز لأنظمة أو ملوك. لا لحكام، لا لأشخاص، لا لأسماء، لا لأحد
(لا عرفنا أساميهن.
. لا عرفوا أسامينا).
كان بيت فيروز ورشة عمل دؤوب. كان مثلثا خرافيا، يتكون من الأخوين رحباني، وفيروز، بيد أن الأخيرة أكبر أضلاعه. هكذا وصفت تلك التوليفة. قصائد الأخوين انفردت بالسهل الممتنع، مفردات قليلة، بسيطة، ومعنى واسع، يسع ألحانا تتموسق بكل أطياف العشق، لتعانق الحنجرة المتواصلة دوما بالشدو والشذى، والحياة، والخير. حين تنشد هذه الفيروز، يضحك العود، وتتراقص الدفوف، يحل الزغلول ليأكل تارة من يدها اللوز والسكر، وتارة ينقر أوتار القانون، ولنا نحن كل هذه الذخيرة الفنية من روائع الرحابنة، وهذا التراث الجميل من حكاية الصوت العريق.
لفيروز كل الصوت.. ولنا كل الصمت .. أطال الله في صوتها
