22-08-06, 02:54 PM
وضع السيد الرئيس بشار الأسد في خطابه امام المؤتمر الرابع لاتحاد الصحفيين النقاط على الحروف ازاء الاحداث والتطورات الجارية في المنطقة وخاصة تداعيات الانتصار الكبير الذي حققته المقاومة الوطنية اللبنانية على اسرائيل ومحاولات البعض النيل من هذا الانتصار.
واكد الرئيس الاسد ان الشرق الاوسط الجديد بالمعنى الذي نفهمه والمعنى الذي نريده جديد بانجازات المقاومة.. جديد بفرز القوى الواضح للعيان .. جديد بافتضاح الاعيبه ومؤامراته وباكتشاف اقنعته وزيف مصطلحاته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل.
واضاف الرئيس الاسد انه لكي توجد الحكمة لابد من وجود الشجاعة معها لكي تعطي صاحبها الاستقرار الضروري لكي يكون حكيما اما عندما يوجد الخوف فلا مكان سوى للحكمة الزائفة التي تدفع بصاحبها للهزيمة والمذلة تحت عنوان الحكمة.
واوضح الرئيس الأسد ان المعركة الحقيقية ابتدأت الان وعلىنا ان نحول النصر العسكري الى نصر سياسي. منوهاً بأن المقاومة الوطنية اللبنانية ضرورية بمقدار ما هي طبيعية وشرعية وشرعيتها تأتي من كون الاعتداءات الاسرائيلية لم تتوقف منذ العام 2000 من خلال الخرق شبه الىومي للطيران الاسرائيلي للاجواء اللبنانية.
وفي ما يلي نص الكلمة :
أيتها الأخوات والإخوة أعضاء المؤتمر العام الرابع لاتحاد الصحفيين
أيها السيدات والسادة..
يسعدني أن ألتقيكم في افتتاح أعمال مؤتمركم الرابع..وأن أتوجه إليكم بالتحية والتقدير ..ومن خلالكم ..إلى الصحفيين العرب الشرفاء الذين خاضوا بالأمس ويخوضون اليوم حربا إعلامية وثقافية لا تقل شراسة وخطورة عن المعارك العسكرية التي يخوضها إخوان لكم في ساحات الشرف والكرامة..
ومعركتكم هي معركة الأمة لصون عقلها وروحها والذود عن هويتها وتراثها ضد ما تتعرض له من غزو منهجي يستبيح كرامتها ويمزق وحدتها ويشوه قضيتها ويضرب إرادة المقاومة فيها من خلال الترويج لثقافة الانهزام والرضوخ والانقياد الأعمى في الاتجاهات التي يحدد سمتها العدو ومن يقف في خندقه ويسوق لمشاريعه.
يسعدني أن ألتقي بكم في هذا الشرق الأوسط الجديد بالمعنى الذي نفهمه وبالشكل الذي نريده.. ولو لم يكتمل بعد ..جديد بإنجازات المقاومة..جديد بفرز القوى الواضح للعيان ..جديد بافتضاح ألاعيبه ومؤامراته وبانكشاف أقنعته وزيف مصطلحاته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل.
هذا الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت به سورية مرارا وتكرارا على أنه الأمل الوحيد للعرب لكي يكون لهم مكان على هذه الأرض بالمعنى السياسي وبالمعنى المادي..ولا يخفى على أحد منكم أنه لم يكن من السهل أبدا أن نتمكن من إقناع الكثيرين برؤيتنا للمستقبل..بل كان علينا انتظار هذا المستقبل لكي يصبح حاضرا ويتحدث عن نفسه..واليوم تتحدث الوقائع عن نفسها ليس كما تصورناها في الماضي فحسب بل بشكل أكثر وضوحا وتعبيرا.
نلقي اليوم وشرق أوسطهم المنشود المبني على الخنوع والمذلة وحرمان الشعوب من حقوقها وهويتها.. قد أصبح وهما بل انقلب إلى نهضة شعبية عارمة على مستوى الساحة العربية موسومة بالعروبة موسومة بالكرامة موسومة برفضها لكل ما قدم لها من أعذار وحجج تبرر بقاءنا أذلاء خانعين نقتل صامتين بنفس الطريقة التي كانت تقدم فيها الأضحية من أجل إرضاء الآلهة واتقاء لغضبها..ولكن تقديم الأضحية في تلك العصور كان يعتبر حكمة..فهل من المفترض أن نتبع هذه الحكمة اليوم..وهل من معنى للحكمة مفصولة عن الشجاعة والإقدام...
لو أردنا أن نقتدي بغزو العراق..هذا الغزو الذي يذكرنا بالعصور الغابرة للبشرية..ولو أردنا أن نقتدي بنتائج هذا الغزو من تدمير وخراب للعراق..يذكرنا بالعصور الحجرية للبشرية.. فأنا أعتقد بأن هذه الحكمة ما زالت سارية المفعول..والدليل أن البعض من حكمائنا العرب ما زال يتبع هذه الحكمة اليوم.
فلكي تتواجد الحكمة لابد من وجود الشجاعة معها لكي تعطي صاحبها الاستقرار الضروري..لكي يكون حكيما, أما عندما يوجد الخوف فلا مكان سوى للحكمة الزائفة التي تدفع بصاحبها للهزيمة والمذلة تحت عنوان الحكمة..وفي عالمنا العربي الراهن ربما يتحقق النصر لنا تحت عنوان مزيف آخر هو المغامرة أو التهور.
أي إذا كانت الحكمة قد أصبحت في قواميس البعض من العرب هي الهزيمة والذل..فبشكل بديهي في هذه القواميس نفسها..سنرى الانتصار يعادل المغامرة والتهور.
ولكي لا نغرق في الكلام النظري لنسأل أنفسنا ماذا حقق لنا الانقياد اللاحكيم واللاعقلاني والمتهور خلف بعض حكمائنا الافتراضيين وعقلائنا الشكليين خلال عقود مضت..حقق الكثير لكن ضد مصالحنا..ولنأخذ عملية السلام تحديدا كمثال..ولنتساءل إن كانت فشلت أم لا...نحن نتحدث بشكل مستمر مؤخرا عن موت عملية السلام..وقبل ذلك كنا نتحدث عن فشل عملية السلام..وكل هذا الكلام صحيح لا شك فيه..لكن الأكثر دقة من أن نقول إن عملية السلام فشلت وهي فاشلة وميتة كما يقال...الأكثر دقة هو أن نقول إن العرب هم الذين فشلوا في عملية السلام عندما لم يفهموا معنى الخيار الاستراتيجي في السلام.
أي لم يفرقوا بين خيار السلام الاستراتيجي وخيار السلام الوحيد..عندما يكون هناك خيار استراتيجي ما..فلا يعنى انه لا يوجد خيارات استراتيجية أخرى..أو أنه لا يوجد خيارات تكتيكية ليس بالضرورة استراتيجية أخرى.
نحن العرب خلال مسيرة عملية السلام تبنينا خيار السلام الوحيد وألغينا كل الخيارات الأخرى ومن ثم استبدلنا مضمون السلام الوحيد بخيار السلام الرخيص أو المجاني..وفي هذا يفترض أن نقدم كل شيء لإسرائيل وأن نأخذ القليل..وفي الواقع..ومن خلال الممارسة قدمنا الكثير وربما قدم البعض كل شيء ولكن حتى القليل لم نحصل عليه بل لم نحصل على شيء على الاطلاق..
ولذلك نرى اليوم بأن الفلسطينيين يدفعون ثمن ذلك الواقع في الماضي..ولهذا السبب رفضت سورية من خلال رؤيتها في ذلك الوقت أن تتنازل عن أي من حقوقها.
فعندما نقول اخترنا السلام كخيار استراتيجي فهذا لا يعني أننا الغينا الخيارات الأخرى بل بالعكس فكلما ابتعد السلام عن التحقيق..كلما ظهرت أهمية وضرورة البحث عن طرق وحلول أخرى لاستعادة حقوقنا..وبالمقابل أكدنا في سورية على هذا الخيار..أي خيار السلام..منذ بدء عملية السلام مع تمسكنا بخيار المقاومة طالما أن السلام لم يتحقق وخصوصا أن الشريك المفترض في السلام هو طرف لا يؤمن بهذه المقولة أصلا وقدم لنا الدليل تلو الدليل بما يؤكد ذلك.
بمعزل عن المجازر العديدة في تاريخ إسرائيل تجاه العرب..وغيرها من الأدلة الأخرى..لكن هناك دليل واضح على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق شامير عند بدء عملية السلام عندما قال في عام 1991 سنجعل هذه العملية تستمر لعشر سنوات..يعني لن يتحقق السلام..وفعلا صدق..الآن وبعد خمسة عشر عاما لم يتحقق السلام..كانت إسرائيل تسوق قبل عملية السلام دائما في العالم أن إسرائيل تريد السلام وأن العرب يريدون الحرب..
وكانت مفاجأة لهم أن العرب قبلوا الدخول في عملية السلام فكان رد الفعل هو هذا التصريح العلني.
ولكن الحكمة العربية السائدة كانت تقول انه علينا أن نغمض أعيننا لكي نحرج إسرائيل أمام المجتمع الدولي الذي تم اختصاره ببضع دول موالية لإسرائيل مهملة ومهمشة كل ما تبقى من دول هذا العالم والتي تقف في معظمها معنا وتدعم قضايانا والنتيجة أننا نحن الذين أصبحنا محرجين أمام شعبنا العربي وفقدنا احترامنا ومصداقيتنا أمام أصدقائنا وخصومنا في آن واحد. هذه كانت المسؤولية العربية في فشل عملية السلام..ولكن ماذا عن مسؤولية الآخرين..طبعا باستثناء إسرائيل والولايات المتحدة في سلة واحدة..دول العالم بعد حرب 1973 حرب تشرين التحريرية اهتمت بالشرق الأوسط.. ركزت كل اهتمامها على منطقتنا وبدأ الحديث عن السلام واستمر هذا الحديث عن السلام حتى وصلنا إلى عملية السلام في مدريد..ومر طبعا هذا الموضوع في مراحل مختلفة..عندما اطمأنت معظم دول العالم المهتمة بأن عملية السلام أقلعت من خلال المفاوضات..سلمت العملية برمتها للولايات المتحدة وبقيت الولايات المتحدة الراعي الوحيد لهذه العملية..والتي بدورها سلمتها لإسرائيل..وبالتالي كان كل مقترح يأتي للعرب خلال تلك الفترة إما أن يكون مقترحا إسرائيليا أو مقترحا صادق عليه الإسرائيليون..وعندما أدركت معظم دول العالم أن العرب أسقطوا خيار السلام الحقيقي واستبدلوه بخيار سلام استرضاء إسرائيل والولايات المتحدة أداروا ظهرهم لعملية السلام ولنا واليوم فقط في هذه المعارك تذكروا عملية السلام وتذكرونا..طبعا نستبعد إسرائيل والولايات المتحدة من موضوع السلام..لأن إسرائيل عدو وكما قلت لا تريد السلام والسلام يفرض على إسرائيل إعادة الأراضي المحتلة لأصحابها وإعادة الحقوق..بينما هي عدو بني ولن يتغير على أساس العدوان والتوسع..أما الولايات المتحدة..فدائما نقول انها ضرورية لعملية السلام وأساسية من خلال موقعها كقوة عظمى ومن خلال علاقاتها مع الاطراف المختلفة..لكن ليس أي ولايات متحدة..هذه الإدارة تتبنى مبدأ الحرب الاستباقية وهي حرب مناقضة تماما لمبدأ السلام..وثبت بعد ست سنوات من مجيء هذه الإدارة بأنه لا يوجد سلام..وبالتالي لا نتوقع سلاما قريبا في المدى المنظور.
وهنا نتساءل..هل تذكرونا وتحركوا مؤخرا بسبب القتل والدمار الذي سببه الإرهاب الإسرائيلي في لبنان...بكل تأكيد لا.. فسنوات من القتل والتدمير ضد الفلسطينيين لم تجعلنا نسمع عن مبادرات وحلول ونشاط مكثف لمجلس الأمن كما هو الحال اليوم..هل تحركوا خوفا من الفوضى أو قلقا على أمن المنطقة الذي يعنيهم مباشرة... أمن المنطقة بكل تأكيد هو سبب كاف لهم لكي يتحركوا.. لكن المنطقة على حافة التفجير والانفجار.. منذ عدة سنوات .. فلماذا لم يتحركوا حتى هذه المرحلة.
الحقيقة أنهم لا يتحركون إلا عندما تتألم إسرائيل.. وإسرائيل لا تتألم إلا عندما نمتلك القوة..هذا يعني بالمحصلة النهائية أن العالم لن يهتم بنا وبمصالحنا ومشاعرنا وحقوقنا إلا إذا كنا أقوياء..سوى ذلك فانهم لا يفعلون شيئا.. إلا أن يدفعونا بأقوالهم باتجاه السلام.. ولكنهم يدفعوننا بأفعالهم باتجاه الحرب.. وهنا يتحملون مسؤولية ما يحصل..أقصد الدول المهتمة بعملية السلام والمعنية وبمعظمها دول أوروبية..وهنا نتساءل ما هو الدافع الذي يحرك البعض من مسؤولي تلك الدول لكي يرسل الرسائل ويصدر البيانات بشأن شخص دخل إلى السجن عندما خالف القانون...
ولاحقا نفاجأ بأنهم يرسلون لنا رسائل بأن شخصا موجودا في السجن وهو مصاب بوعكة صحية.. وهم قلقون جدا على الوضع الصحي لهذا الإنسان.. يعني ما هذا النبل...ما هذه الإنسانية... ما هذه العظمة...الآن نسال أين هؤلاء من المجازر التي حصلت في لبنان...كل هؤلاء الأطفال والنساء والشيوخ والدمار لم نر منهم شيئا.. لم نسمع أي تحرك.. لم تصلنا أية رسالة.. ولا احتجاج.. إلا بعض البيانات الخجولة..أنا أقول أن هذا أصاب مصداقيتهم بالصميم.. وهذا يعني أن هناك أهدافا أخرى لهذه الرسائل.. نحن نعرفها ولكن أعتقد بأن الأمور الآن أصبحت واضحة..أيضا نسأل ذلك المسؤول الفرنسي المتقد حماسة بشكل دائم ومستمر خاصة باتجاه سورية.. ونسأل هل سيطالب بلجنة تحقيق دولية لكي تحقق بمجزرة قانا فقط...ولا نتحدث عن بقية المجازر كما طالبوا بالتحقيق باغتيال الرئيس الحريري...
أم أن السبب والدافع كان هو أن المتهم الأول هو سورية وهذا دافع ومبرر والآن المتهم هو إسرائيل وهذا مانع...أم أن أطفال قانا والآخرين هم من الفقراء الذين لا يستحقون نظرة من هذا المسؤول.
نحن مقتنعون بأن الطريق الطبيعي لتحقيق السلام هو المفاوضات ولكن عندما يفشل هذا الطريق أو لا يتوفر أصلا.. فالمقاومة بأشكالها المختلفة هي البديل من أجل استعادة الحقوق.. والمقاومة ليست بالضرورة أن تكون فقط مقاومة مسلحة.. وانما ثقافية وسياسية وممانعة بالأشكال المختلفة..فإذاً دعم المقاومة هدفه السلام وليس الحرب وذلك من خلال الردع لمنع العدوان..وإن لم ينفع فمن خلال الحرب لتحرير الأرض.. وبالتالي فالمقاومة ليست نقيض السلام ولا بديلا عنه بل هي.. على الأقل.. في ظروفنا الحالية.. ضرورية من أجل تحقيقه..وإلا النتيجة ستكون خسارتنا معركة الحرب وخسارتنا معركة السلام.. خاصة أن إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة قد انتقلا نهائيا إلى اعتماد الخيار العسكري المبني على مذهب الحرب الاستباقية..
بينما بقينا نحن كعرب في مكاننا نتحاور ونتفاوض مع أنفسنا مقتنعين بسلام موعود مع طرف وهمي يحضر نفسه يوميا من أجل عدوانه القادم على المواطنين العرب.
هذا الموضوع.. موضوع المقاومة وضرورتها كان محل نقاش طويل وعبر سنوات ولأكثر من عقد من الزمن مع المسؤولين الأجانب والعرب.. وفي المرحلة قبل تحرير القسم الأكبر من الأراضي اللبنانية في عام 2000 كنا نناقش هؤلاء المسؤولين العرب والأجانب.. طبعا لا نستغرب أن لا يفهم الأجنبي منطقنا..
ولكن في نقاش مع العرب.. وهو ما يهمنا.. كنا نقول لهم أن هذه المقاومة ستحرر لبنان.. كانوا يقولون طبعا البعض بأنها لا تشكل أكثر من خرمشة قط..وفي عام 2000 تحرر لبنان بفضل المقاومة وثبت بأنهم كانوا على خطأ وبأننا كنا على حق..بعد العام 2000 تكرر هذا النقاش.. بما أننا نحن العرب نحب أن نكرر التاريخ بتفاصيله بدون تطوير أحيانا.. تكرر نفس النقاش من خلال الضغوط على سورية في نفس الشأن.. فكان جوابنا بأن المقاومة هي قوة رادعة لأي عدوان إسرائيلي.. فكان أيضا جوابهم الرفض لهذا المنطق..الآن المعارك الأخيرة تثبت نفس الشيء..كانوا على خطأ وكنا على حق..يعني خطأ مربعا بالرياضيات.. ولو أردنا أن نحسب نفس النقاشات السابقة بالنسبة لمواضيع أخرى ابتداء من موضوع الإرهاب.. مرورا بالحرب في العراق وإيران.. لوضعنا رقما كبيرا.
ولقد أثبتت الأحداث الأخيرة في لبنان صحة ذلك..فالعدوان على لبنان ليس مرتبطا بخطف العسكريين بشكل أساسي..بل هو محضر قبل ذلك بزمن بهدف استعادة التوازن للمخطط الإسرائيلي الذي أصيب بنكسات عديدة سواء بهزيمة الجيش الإسرائيلي أمام ضربات المقاومة وانسحابه عام 2000 أو بفشل حلفائه في لبنان في القيام بالمهام التي كلفوا بها خلال الفترة القصيرة الماضية..أما الأسر فكان بالنسبة لهم مجرد عذر أمام العالم للبدء بهذا العدوان..ولكن النتيجة كانت عبارة عن مزيد من الفشل لإسرائيل ولحلفائها ولأسيادهم.. والمزيد من الرسوخ للقوى الوطنية الملتفة حول المقاومة..وتجذر فكر المقاومة في عقول وقلوب مئات الملايين في المنطقة العربية والإسلامية.
الكل يعلم الآن أن الخطة كانت محضرة وكتب الكثير عن أن هذه الخطة..أي خطة الحرب..كانت محضرة قبل ذلك بسنوات..ويقال في الإعلام الغربي والعربي بأن الإسرائيليين حضروا أنفسهم بشكل جيد لهذه المعارك..ويقال أيضا أن المخطط انتهى بشكل نهائي في شهر حزيران الماضي وكان منتظرا أن يبدأ التنفيذ في الخريف المقبل..البعض يقول حفاظا على الموسم السياحي..
طبعا من غير الممكن أن تكون إسرائيل قلقة على الموسم السياحي ولكن ربما قلقة على مصالح عملائها في لبنان في هذا المجال..هذا يذكرنا بما قلته أنا في خطابي أمام مجلس الشعب في 5 آذار من العام الماضي 2005 عندما قلت أن ما يحصل الآن هو 17 أيار والكثير من الأجيال الحالية لا تذكر ما حصل في 17 أيار الحقيقي في عام 1983 عندما كان قبل غزو لبنان في 1982 كانت هناك قوى لبنانية عميلة لإسرائيل تفشل في مخططاتها لضرب المقاومة الفلسطينية واللبنانية المشتركة في ذلك الوقت فبدأت تحرض وتدعو إسرائيل لإنقاذها من خلال الحرب..وفعلا تمت الحرب وكان الهدف منها ضرب المقاومة والحاق لبنان بالركب الإسرائيلي..وفشل 17 أيار..اليوم تتكرر نفس التداعيات.. مجموعات لبنانية تفشل في تحقيق مخططها لمصلحة إسرائيل فتحرض لمجيء إسرائيل عسكريا لإنقاذها من الورطة ولضرب المقاومة..
وبالتالي الحاق لبنان بالركب الإسرائيلي..في ذلك الوقت كان هناك غطاء عربي..وفي هذه المرة أيضا كان هناك غطاء عربي..فأنا أؤكد على فكرة 17 أيار..وكما قلت..أنا دائما أقول عن هذه المجموعات.. 17 أيار..لا يهم ما هي التسميات التي يستخدمونها..مرة يقولون شباط ومرة آذار..هذه على طريقة عالم الأعمال..في عالم الأعمال عندما يفشل المنتج يعيدون طرحه في السوق بعنوان آخر ومع بعض التبديلات الشكلية..ونحن نؤكد أن المنتج هو منتج 17 أيار وهذا المنتج هو منتج إسرائيلي..طبعا الآن ستسمعون الكثير من الهجوم على شاشات التلفزة..ولكي نقيم الخطاب إن كان مفيدا أم لا..كلما كان الهجوم شرسا أكثر.. كلما كان الخطاب جيدا أكثر..وطبعا سنضحك كثيرا لان هناك الكثير من الكوميديا السياسية الآن في الطبقة السياسية اللبنانية..فإذن الآن نستطيع أن نقوم بعملية ربط بين القرار 1559 والقرار 1680 والقرار الأخير 1701 واغتيال الحريري والحرب الأخيرة.. ودور هذه القوى اللبنانية ودور بعض القوى العربية.. أصبح الربط واضحا.
تذكرون منذ سنتين أو أقل طبعا كنا نقول أن القرار 1559 لا علاقة له بالتمديد للرئيس لحود..كان من الصعب تماما إقناع الناس..الآن الشيء نفسه يتكرر..لا علاقة للحرب بأسر الجنديين..والآن العالم يعترف بهذا الجانب..فإذن لا شيء له علاقة بشيء..هناك مخطط محضر مسبقا ومن لا يرى هذه الحقيقة لديه مشكلة بالرؤيا..بعد كل هذه الأحداث والوضوح في الأمور..الرؤيا بالألف الممدودة في العقل وليس في العين.
فإذاً..هذه المقاومة ضرورية بمقدار ما هي طبيعية وشرعية..وشرعيتها تأتي من كون الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف منذ العام 2000 من خلال الخرق شبه اليومي للطيران الإسرائيلي للأجواء اللبنانية كما أن إسرائيل ما تزال تحتل جزءا من الأراضي اللبنانية..بالإضافة إلى استمرار أسر مواطنين لبنانيين في سجونها منذ زمن طويل..أما ضرورتها فلنتأمل فقط في ما حققته المعارك الأخيرة من إنجازات مباشرة على الواقع..كان أعظم ما في هذه المعارك أنها أتت ردا قوميا على الطروحات الانهزامية التي تم الترويج لها في منطقتنا وخاصة بعد غزو العراق..وزادها عظمة رد فعل الشعب العربي بشكل عام والذي أتى جوابه عروبيا خالصا ردا على الطروحات البغيضة المثيرة للفتنة التي سمعناها مؤخرا وعلى من يقف خلفها..وكأنه يقول لهؤلاء نحن عرب وهذه مقاومتنا ومن لا يقف معها ليس منا..هذا يعني أن الشعور القومي بخير وهو لم يتراجع كما يدعي البعض..بل هو في أوج اندفاعه متجاوزا كل الأفكار الهدامة التي تحاول أطراف مشبوهة لا تخفى غاياتها..تسويقها بين المواطنين العرب.
لقد أثبتت المعارك المجيدة التي خاضتها المقاومة بإيمان وكفاءة نادرة عددا من الحقائق..الحقيقة الأولى أن القوة العسكرية مهما عظمت عندما لا تمتلك عقيدة وأخلاقا ولا تستند إلى حقوق مشروعة ولا تبنى على سياسة مبدئية تنتج الهزيمة.
الحقيقة الثانية أن المقاومة التي تمتلك الإيمان والعزيمة والصمود وتحتضن رؤية ومبادىء وأهداف الشعب..ويحتضنها الشعب ويتبناها..تنتج الانتصار..وفي هذه الحالة لا يتعدى انتصار العدو المدجج بالسلاح كونه تدميرا للحجارة وقتلا للمدنيين..وبما أن كل احتلال هو عمل غير أخلاقي فلابد له..بل يجب أن يفشل ويهزم..وإسرائيل هي النموذج..فالقوة العسكرية ليست كل شيء..والقوة التدميرية للسلاح ليست كل شيء..وإسرائيل لا تمتلك سوى القوة التدميرية على المستوى العسكري وبعض العناصر الأخرى على المستوى الدولي..ولكنها بالمقابل تمتلك نقطة قوة كبيرة هي ضعف العرب المعنوي قبل المادي..وعندما نقرر..والقرار بيدنا..أن نتلافى هذه الثغرة فلا شك أن التوازن هو في مصلحتنا.
وهنا تكمن الحقيقة الثالثة التي تؤكد محدودية القوة الإسرائيلية رغم تفوقها..وتحددها بقوة إيماننا وثباتنا وإرادة القتال لدينا..وهذا الأمر يجب أن يعزز الثقة في نفوسنا ويمحو كل أثر للهزيمة النفسية التي عززتها الدعاية المعادية والتي يرى أصحابها أن المعركة محسومة مسبقا لصالح إسرائيل..أو أن الهزيمة قدر محتوم على العرب..كما يجب أن يدفع إسرائيل إلى التفكير في عواقب سياستها الإرهابية تجاه العرب في المستقبل.
هنا نستطيع أن نجري مقارنة ما بين حرب 1982 منذ 24 عاما والحرب الأخيرة في لبنان منذ أيام..في عام 1982 بدأت إسرائيل حربها أو دخولها إلى لبنان البري في 6 حزيران..وصلت إلى بعبدا المشرفة على بيروت في 13 حزيران..أي في اليوم السابع كانت إسرائيل على مشارف بيروت..ومن ثم تابعت عملية تطويق بيروت واحتلالها..اليوم بعد خمسة أسابيع تقريبا..إسرائيل تجاهد وتعاني لكي تحتل بضع مئات من الأمتار هنا...وبضع مئات من الأمتار هناك..وتحاول أن تصل إلى أقرب نقطة من الليطاني وهى ستة كيلومترات ولا تتمكن..وأنا متأكد أنه لو كان هناك نبع لليطاني على الحدود الفلسطينية اللبنانية..أو كان هناك جدول..لوضعوا أقدامهم في الماء وقالوا لقد وصلنا إلى الليطاني..أصبحوا محل سخرية وفقدوا مصداقيتهم..وبالأساس لا توجد لديهم هذه المصداقية..يقولون احتللنا موقعا..ثم يقولون قصفنا الموقع..المفروض بالعكس هذه بديهية أن نقصف بداية ومن ثم نحتل..على كل الأحوال..ما هو الفرق بين الحرب الأولى والثانية..أو لماذا..حقيقة في عام 1982 كانت الفجوة التقنية بين إسرائيل وبين الطرف المقابل الفلسطيني اللبناني..كانت اقل من الفجوة اليوم..إسرائيل تضاعفت قوتها في هذه المراحل عدة مرات والفرق كبير بينها وبين المقاومة اليوم..لكن الفرق هو إرادة القتال..الحقيقة في عام 1982 كان هناك مقاتلون فلسطينيون ولبنانيون أشداء وقاتلوا فعلا ولكن هذا لا يكفي.
إرادة القتال لدى بعض القيادات في 1982 لم تكن موجودة على الاطلاق..أما الآن فهناك إرادة قتال موجودة لدى القاعدة ولدى القمة وهناك احتضان شعبي ساعد هذه المقاومة على هذا النجاح..هذا فرق أساسي يجب أن نعرفه عن الحربين..من الجوانب الأخرى الإيجابية أيضا لهذه الحرب أنها عرت الوضع العربي بشكل كامل..طبعا لو سألنا أي مواطن عربي قبل هذه الحرب عن الوضع العربي سيقول الوضع العربي سيء وهذا الكلام صحيح.. ولكن كان المواطن يرى الوضع العربي مع مساحيق تجميلية..الآن يراه صافيا بدون هذه المساحيق كما هو تماما..هذه الحرب منعت استخدام هذه المساحيق لأنها فرزت المواقف بشكل كامل..لم يكن هناك من إمكان لحلول وسط في مثل هذه الحرب..أسقطت أصحاب أنصاف المواقف أو أنصاف الرجال..وأسقطت كل المواقف المتأخرة..أي من كان ينتظر ميزان القوى ليرى أين تميل الكفة أو أين ترجح سقط وسقطت معه مواقفه..فهذه من الميزات الهامة جدا الآن بالنسبة لهذه المعركة.
لكل ما سبق.. اعتبرت هذه المعركة بالنسبة لإسرائيل معركة حياة أو موت لأنها تفقد إسرائيل هيبتها وتأثيرها المعنوي علينا.. وبالتالي تفقد دورها التاريخي الذي أنشئت من أجله ووظيفتها بالنسبة للغرب.. لذلك بدأ العمل الحثيث من أجل التعويض عن هزيمتها العسكرية وفشلها في تحقيق أهدافها على الأرض بأي إنجاز سياسي دولي يبرر بقاء إسرائيل ودورها أمام مواطنيها وقيادتها وحلفائها.. وكما هي العادة لم يجدوا سوى مجلس الأمن الذي حولته الولايات المتحدة من مجلس لحفظ الأمن.. إلى مجلس لتقويضه من خلال قيامه بإصدار قرار يلبي مطالب إسرائيل وينقذها من ورطتها على حساب لبنان مهيئا المناخ للمزيد من الانقسام وعدم الاستقرار.
واكد الرئيس الاسد ان الشرق الاوسط الجديد بالمعنى الذي نفهمه والمعنى الذي نريده جديد بانجازات المقاومة.. جديد بفرز القوى الواضح للعيان .. جديد بافتضاح الاعيبه ومؤامراته وباكتشاف اقنعته وزيف مصطلحاته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل.
واضاف الرئيس الاسد انه لكي توجد الحكمة لابد من وجود الشجاعة معها لكي تعطي صاحبها الاستقرار الضروري لكي يكون حكيما اما عندما يوجد الخوف فلا مكان سوى للحكمة الزائفة التي تدفع بصاحبها للهزيمة والمذلة تحت عنوان الحكمة.
واوضح الرئيس الأسد ان المعركة الحقيقية ابتدأت الان وعلىنا ان نحول النصر العسكري الى نصر سياسي. منوهاً بأن المقاومة الوطنية اللبنانية ضرورية بمقدار ما هي طبيعية وشرعية وشرعيتها تأتي من كون الاعتداءات الاسرائيلية لم تتوقف منذ العام 2000 من خلال الخرق شبه الىومي للطيران الاسرائيلي للاجواء اللبنانية.
وفي ما يلي نص الكلمة :
أيتها الأخوات والإخوة أعضاء المؤتمر العام الرابع لاتحاد الصحفيين
أيها السيدات والسادة..
يسعدني أن ألتقيكم في افتتاح أعمال مؤتمركم الرابع..وأن أتوجه إليكم بالتحية والتقدير ..ومن خلالكم ..إلى الصحفيين العرب الشرفاء الذين خاضوا بالأمس ويخوضون اليوم حربا إعلامية وثقافية لا تقل شراسة وخطورة عن المعارك العسكرية التي يخوضها إخوان لكم في ساحات الشرف والكرامة..
ومعركتكم هي معركة الأمة لصون عقلها وروحها والذود عن هويتها وتراثها ضد ما تتعرض له من غزو منهجي يستبيح كرامتها ويمزق وحدتها ويشوه قضيتها ويضرب إرادة المقاومة فيها من خلال الترويج لثقافة الانهزام والرضوخ والانقياد الأعمى في الاتجاهات التي يحدد سمتها العدو ومن يقف في خندقه ويسوق لمشاريعه.
يسعدني أن ألتقي بكم في هذا الشرق الأوسط الجديد بالمعنى الذي نفهمه وبالشكل الذي نريده.. ولو لم يكتمل بعد ..جديد بإنجازات المقاومة..جديد بفرز القوى الواضح للعيان ..جديد بافتضاح ألاعيبه ومؤامراته وبانكشاف أقنعته وزيف مصطلحاته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل.
هذا الشرق الأوسط الجديد الذي بشرت به سورية مرارا وتكرارا على أنه الأمل الوحيد للعرب لكي يكون لهم مكان على هذه الأرض بالمعنى السياسي وبالمعنى المادي..ولا يخفى على أحد منكم أنه لم يكن من السهل أبدا أن نتمكن من إقناع الكثيرين برؤيتنا للمستقبل..بل كان علينا انتظار هذا المستقبل لكي يصبح حاضرا ويتحدث عن نفسه..واليوم تتحدث الوقائع عن نفسها ليس كما تصورناها في الماضي فحسب بل بشكل أكثر وضوحا وتعبيرا.
نلقي اليوم وشرق أوسطهم المنشود المبني على الخنوع والمذلة وحرمان الشعوب من حقوقها وهويتها.. قد أصبح وهما بل انقلب إلى نهضة شعبية عارمة على مستوى الساحة العربية موسومة بالعروبة موسومة بالكرامة موسومة برفضها لكل ما قدم لها من أعذار وحجج تبرر بقاءنا أذلاء خانعين نقتل صامتين بنفس الطريقة التي كانت تقدم فيها الأضحية من أجل إرضاء الآلهة واتقاء لغضبها..ولكن تقديم الأضحية في تلك العصور كان يعتبر حكمة..فهل من المفترض أن نتبع هذه الحكمة اليوم..وهل من معنى للحكمة مفصولة عن الشجاعة والإقدام...
لو أردنا أن نقتدي بغزو العراق..هذا الغزو الذي يذكرنا بالعصور الغابرة للبشرية..ولو أردنا أن نقتدي بنتائج هذا الغزو من تدمير وخراب للعراق..يذكرنا بالعصور الحجرية للبشرية.. فأنا أعتقد بأن هذه الحكمة ما زالت سارية المفعول..والدليل أن البعض من حكمائنا العرب ما زال يتبع هذه الحكمة اليوم.
فلكي تتواجد الحكمة لابد من وجود الشجاعة معها لكي تعطي صاحبها الاستقرار الضروري..لكي يكون حكيما, أما عندما يوجد الخوف فلا مكان سوى للحكمة الزائفة التي تدفع بصاحبها للهزيمة والمذلة تحت عنوان الحكمة..وفي عالمنا العربي الراهن ربما يتحقق النصر لنا تحت عنوان مزيف آخر هو المغامرة أو التهور.
أي إذا كانت الحكمة قد أصبحت في قواميس البعض من العرب هي الهزيمة والذل..فبشكل بديهي في هذه القواميس نفسها..سنرى الانتصار يعادل المغامرة والتهور.
ولكي لا نغرق في الكلام النظري لنسأل أنفسنا ماذا حقق لنا الانقياد اللاحكيم واللاعقلاني والمتهور خلف بعض حكمائنا الافتراضيين وعقلائنا الشكليين خلال عقود مضت..حقق الكثير لكن ضد مصالحنا..ولنأخذ عملية السلام تحديدا كمثال..ولنتساءل إن كانت فشلت أم لا...نحن نتحدث بشكل مستمر مؤخرا عن موت عملية السلام..وقبل ذلك كنا نتحدث عن فشل عملية السلام..وكل هذا الكلام صحيح لا شك فيه..لكن الأكثر دقة من أن نقول إن عملية السلام فشلت وهي فاشلة وميتة كما يقال...الأكثر دقة هو أن نقول إن العرب هم الذين فشلوا في عملية السلام عندما لم يفهموا معنى الخيار الاستراتيجي في السلام.
أي لم يفرقوا بين خيار السلام الاستراتيجي وخيار السلام الوحيد..عندما يكون هناك خيار استراتيجي ما..فلا يعنى انه لا يوجد خيارات استراتيجية أخرى..أو أنه لا يوجد خيارات تكتيكية ليس بالضرورة استراتيجية أخرى.
نحن العرب خلال مسيرة عملية السلام تبنينا خيار السلام الوحيد وألغينا كل الخيارات الأخرى ومن ثم استبدلنا مضمون السلام الوحيد بخيار السلام الرخيص أو المجاني..وفي هذا يفترض أن نقدم كل شيء لإسرائيل وأن نأخذ القليل..وفي الواقع..ومن خلال الممارسة قدمنا الكثير وربما قدم البعض كل شيء ولكن حتى القليل لم نحصل عليه بل لم نحصل على شيء على الاطلاق..
ولذلك نرى اليوم بأن الفلسطينيين يدفعون ثمن ذلك الواقع في الماضي..ولهذا السبب رفضت سورية من خلال رؤيتها في ذلك الوقت أن تتنازل عن أي من حقوقها.
فعندما نقول اخترنا السلام كخيار استراتيجي فهذا لا يعني أننا الغينا الخيارات الأخرى بل بالعكس فكلما ابتعد السلام عن التحقيق..كلما ظهرت أهمية وضرورة البحث عن طرق وحلول أخرى لاستعادة حقوقنا..وبالمقابل أكدنا في سورية على هذا الخيار..أي خيار السلام..منذ بدء عملية السلام مع تمسكنا بخيار المقاومة طالما أن السلام لم يتحقق وخصوصا أن الشريك المفترض في السلام هو طرف لا يؤمن بهذه المقولة أصلا وقدم لنا الدليل تلو الدليل بما يؤكد ذلك.
بمعزل عن المجازر العديدة في تاريخ إسرائيل تجاه العرب..وغيرها من الأدلة الأخرى..لكن هناك دليل واضح على لسان رئيس الوزراء الإسرائيلي اسحق شامير عند بدء عملية السلام عندما قال في عام 1991 سنجعل هذه العملية تستمر لعشر سنوات..يعني لن يتحقق السلام..وفعلا صدق..الآن وبعد خمسة عشر عاما لم يتحقق السلام..كانت إسرائيل تسوق قبل عملية السلام دائما في العالم أن إسرائيل تريد السلام وأن العرب يريدون الحرب..
وكانت مفاجأة لهم أن العرب قبلوا الدخول في عملية السلام فكان رد الفعل هو هذا التصريح العلني.
ولكن الحكمة العربية السائدة كانت تقول انه علينا أن نغمض أعيننا لكي نحرج إسرائيل أمام المجتمع الدولي الذي تم اختصاره ببضع دول موالية لإسرائيل مهملة ومهمشة كل ما تبقى من دول هذا العالم والتي تقف في معظمها معنا وتدعم قضايانا والنتيجة أننا نحن الذين أصبحنا محرجين أمام شعبنا العربي وفقدنا احترامنا ومصداقيتنا أمام أصدقائنا وخصومنا في آن واحد. هذه كانت المسؤولية العربية في فشل عملية السلام..ولكن ماذا عن مسؤولية الآخرين..طبعا باستثناء إسرائيل والولايات المتحدة في سلة واحدة..دول العالم بعد حرب 1973 حرب تشرين التحريرية اهتمت بالشرق الأوسط.. ركزت كل اهتمامها على منطقتنا وبدأ الحديث عن السلام واستمر هذا الحديث عن السلام حتى وصلنا إلى عملية السلام في مدريد..ومر طبعا هذا الموضوع في مراحل مختلفة..عندما اطمأنت معظم دول العالم المهتمة بأن عملية السلام أقلعت من خلال المفاوضات..سلمت العملية برمتها للولايات المتحدة وبقيت الولايات المتحدة الراعي الوحيد لهذه العملية..والتي بدورها سلمتها لإسرائيل..وبالتالي كان كل مقترح يأتي للعرب خلال تلك الفترة إما أن يكون مقترحا إسرائيليا أو مقترحا صادق عليه الإسرائيليون..وعندما أدركت معظم دول العالم أن العرب أسقطوا خيار السلام الحقيقي واستبدلوه بخيار سلام استرضاء إسرائيل والولايات المتحدة أداروا ظهرهم لعملية السلام ولنا واليوم فقط في هذه المعارك تذكروا عملية السلام وتذكرونا..طبعا نستبعد إسرائيل والولايات المتحدة من موضوع السلام..لأن إسرائيل عدو وكما قلت لا تريد السلام والسلام يفرض على إسرائيل إعادة الأراضي المحتلة لأصحابها وإعادة الحقوق..بينما هي عدو بني ولن يتغير على أساس العدوان والتوسع..أما الولايات المتحدة..فدائما نقول انها ضرورية لعملية السلام وأساسية من خلال موقعها كقوة عظمى ومن خلال علاقاتها مع الاطراف المختلفة..لكن ليس أي ولايات متحدة..هذه الإدارة تتبنى مبدأ الحرب الاستباقية وهي حرب مناقضة تماما لمبدأ السلام..وثبت بعد ست سنوات من مجيء هذه الإدارة بأنه لا يوجد سلام..وبالتالي لا نتوقع سلاما قريبا في المدى المنظور.
وهنا نتساءل..هل تذكرونا وتحركوا مؤخرا بسبب القتل والدمار الذي سببه الإرهاب الإسرائيلي في لبنان...بكل تأكيد لا.. فسنوات من القتل والتدمير ضد الفلسطينيين لم تجعلنا نسمع عن مبادرات وحلول ونشاط مكثف لمجلس الأمن كما هو الحال اليوم..هل تحركوا خوفا من الفوضى أو قلقا على أمن المنطقة الذي يعنيهم مباشرة... أمن المنطقة بكل تأكيد هو سبب كاف لهم لكي يتحركوا.. لكن المنطقة على حافة التفجير والانفجار.. منذ عدة سنوات .. فلماذا لم يتحركوا حتى هذه المرحلة.
الحقيقة أنهم لا يتحركون إلا عندما تتألم إسرائيل.. وإسرائيل لا تتألم إلا عندما نمتلك القوة..هذا يعني بالمحصلة النهائية أن العالم لن يهتم بنا وبمصالحنا ومشاعرنا وحقوقنا إلا إذا كنا أقوياء..سوى ذلك فانهم لا يفعلون شيئا.. إلا أن يدفعونا بأقوالهم باتجاه السلام.. ولكنهم يدفعوننا بأفعالهم باتجاه الحرب.. وهنا يتحملون مسؤولية ما يحصل..أقصد الدول المهتمة بعملية السلام والمعنية وبمعظمها دول أوروبية..وهنا نتساءل ما هو الدافع الذي يحرك البعض من مسؤولي تلك الدول لكي يرسل الرسائل ويصدر البيانات بشأن شخص دخل إلى السجن عندما خالف القانون...
ولاحقا نفاجأ بأنهم يرسلون لنا رسائل بأن شخصا موجودا في السجن وهو مصاب بوعكة صحية.. وهم قلقون جدا على الوضع الصحي لهذا الإنسان.. يعني ما هذا النبل...ما هذه الإنسانية... ما هذه العظمة...الآن نسال أين هؤلاء من المجازر التي حصلت في لبنان...كل هؤلاء الأطفال والنساء والشيوخ والدمار لم نر منهم شيئا.. لم نسمع أي تحرك.. لم تصلنا أية رسالة.. ولا احتجاج.. إلا بعض البيانات الخجولة..أنا أقول أن هذا أصاب مصداقيتهم بالصميم.. وهذا يعني أن هناك أهدافا أخرى لهذه الرسائل.. نحن نعرفها ولكن أعتقد بأن الأمور الآن أصبحت واضحة..أيضا نسأل ذلك المسؤول الفرنسي المتقد حماسة بشكل دائم ومستمر خاصة باتجاه سورية.. ونسأل هل سيطالب بلجنة تحقيق دولية لكي تحقق بمجزرة قانا فقط...ولا نتحدث عن بقية المجازر كما طالبوا بالتحقيق باغتيال الرئيس الحريري...
أم أن السبب والدافع كان هو أن المتهم الأول هو سورية وهذا دافع ومبرر والآن المتهم هو إسرائيل وهذا مانع...أم أن أطفال قانا والآخرين هم من الفقراء الذين لا يستحقون نظرة من هذا المسؤول.
نحن مقتنعون بأن الطريق الطبيعي لتحقيق السلام هو المفاوضات ولكن عندما يفشل هذا الطريق أو لا يتوفر أصلا.. فالمقاومة بأشكالها المختلفة هي البديل من أجل استعادة الحقوق.. والمقاومة ليست بالضرورة أن تكون فقط مقاومة مسلحة.. وانما ثقافية وسياسية وممانعة بالأشكال المختلفة..فإذاً دعم المقاومة هدفه السلام وليس الحرب وذلك من خلال الردع لمنع العدوان..وإن لم ينفع فمن خلال الحرب لتحرير الأرض.. وبالتالي فالمقاومة ليست نقيض السلام ولا بديلا عنه بل هي.. على الأقل.. في ظروفنا الحالية.. ضرورية من أجل تحقيقه..وإلا النتيجة ستكون خسارتنا معركة الحرب وخسارتنا معركة السلام.. خاصة أن إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة قد انتقلا نهائيا إلى اعتماد الخيار العسكري المبني على مذهب الحرب الاستباقية..
بينما بقينا نحن كعرب في مكاننا نتحاور ونتفاوض مع أنفسنا مقتنعين بسلام موعود مع طرف وهمي يحضر نفسه يوميا من أجل عدوانه القادم على المواطنين العرب.
هذا الموضوع.. موضوع المقاومة وضرورتها كان محل نقاش طويل وعبر سنوات ولأكثر من عقد من الزمن مع المسؤولين الأجانب والعرب.. وفي المرحلة قبل تحرير القسم الأكبر من الأراضي اللبنانية في عام 2000 كنا نناقش هؤلاء المسؤولين العرب والأجانب.. طبعا لا نستغرب أن لا يفهم الأجنبي منطقنا..
ولكن في نقاش مع العرب.. وهو ما يهمنا.. كنا نقول لهم أن هذه المقاومة ستحرر لبنان.. كانوا يقولون طبعا البعض بأنها لا تشكل أكثر من خرمشة قط..وفي عام 2000 تحرر لبنان بفضل المقاومة وثبت بأنهم كانوا على خطأ وبأننا كنا على حق..بعد العام 2000 تكرر هذا النقاش.. بما أننا نحن العرب نحب أن نكرر التاريخ بتفاصيله بدون تطوير أحيانا.. تكرر نفس النقاش من خلال الضغوط على سورية في نفس الشأن.. فكان جوابنا بأن المقاومة هي قوة رادعة لأي عدوان إسرائيلي.. فكان أيضا جوابهم الرفض لهذا المنطق..الآن المعارك الأخيرة تثبت نفس الشيء..كانوا على خطأ وكنا على حق..يعني خطأ مربعا بالرياضيات.. ولو أردنا أن نحسب نفس النقاشات السابقة بالنسبة لمواضيع أخرى ابتداء من موضوع الإرهاب.. مرورا بالحرب في العراق وإيران.. لوضعنا رقما كبيرا.
ولقد أثبتت الأحداث الأخيرة في لبنان صحة ذلك..فالعدوان على لبنان ليس مرتبطا بخطف العسكريين بشكل أساسي..بل هو محضر قبل ذلك بزمن بهدف استعادة التوازن للمخطط الإسرائيلي الذي أصيب بنكسات عديدة سواء بهزيمة الجيش الإسرائيلي أمام ضربات المقاومة وانسحابه عام 2000 أو بفشل حلفائه في لبنان في القيام بالمهام التي كلفوا بها خلال الفترة القصيرة الماضية..أما الأسر فكان بالنسبة لهم مجرد عذر أمام العالم للبدء بهذا العدوان..ولكن النتيجة كانت عبارة عن مزيد من الفشل لإسرائيل ولحلفائها ولأسيادهم.. والمزيد من الرسوخ للقوى الوطنية الملتفة حول المقاومة..وتجذر فكر المقاومة في عقول وقلوب مئات الملايين في المنطقة العربية والإسلامية.
الكل يعلم الآن أن الخطة كانت محضرة وكتب الكثير عن أن هذه الخطة..أي خطة الحرب..كانت محضرة قبل ذلك بسنوات..ويقال في الإعلام الغربي والعربي بأن الإسرائيليين حضروا أنفسهم بشكل جيد لهذه المعارك..ويقال أيضا أن المخطط انتهى بشكل نهائي في شهر حزيران الماضي وكان منتظرا أن يبدأ التنفيذ في الخريف المقبل..البعض يقول حفاظا على الموسم السياحي..
طبعا من غير الممكن أن تكون إسرائيل قلقة على الموسم السياحي ولكن ربما قلقة على مصالح عملائها في لبنان في هذا المجال..هذا يذكرنا بما قلته أنا في خطابي أمام مجلس الشعب في 5 آذار من العام الماضي 2005 عندما قلت أن ما يحصل الآن هو 17 أيار والكثير من الأجيال الحالية لا تذكر ما حصل في 17 أيار الحقيقي في عام 1983 عندما كان قبل غزو لبنان في 1982 كانت هناك قوى لبنانية عميلة لإسرائيل تفشل في مخططاتها لضرب المقاومة الفلسطينية واللبنانية المشتركة في ذلك الوقت فبدأت تحرض وتدعو إسرائيل لإنقاذها من خلال الحرب..وفعلا تمت الحرب وكان الهدف منها ضرب المقاومة والحاق لبنان بالركب الإسرائيلي..وفشل 17 أيار..اليوم تتكرر نفس التداعيات.. مجموعات لبنانية تفشل في تحقيق مخططها لمصلحة إسرائيل فتحرض لمجيء إسرائيل عسكريا لإنقاذها من الورطة ولضرب المقاومة..
وبالتالي الحاق لبنان بالركب الإسرائيلي..في ذلك الوقت كان هناك غطاء عربي..وفي هذه المرة أيضا كان هناك غطاء عربي..فأنا أؤكد على فكرة 17 أيار..وكما قلت..أنا دائما أقول عن هذه المجموعات.. 17 أيار..لا يهم ما هي التسميات التي يستخدمونها..مرة يقولون شباط ومرة آذار..هذه على طريقة عالم الأعمال..في عالم الأعمال عندما يفشل المنتج يعيدون طرحه في السوق بعنوان آخر ومع بعض التبديلات الشكلية..ونحن نؤكد أن المنتج هو منتج 17 أيار وهذا المنتج هو منتج إسرائيلي..طبعا الآن ستسمعون الكثير من الهجوم على شاشات التلفزة..ولكي نقيم الخطاب إن كان مفيدا أم لا..كلما كان الهجوم شرسا أكثر.. كلما كان الخطاب جيدا أكثر..وطبعا سنضحك كثيرا لان هناك الكثير من الكوميديا السياسية الآن في الطبقة السياسية اللبنانية..فإذن الآن نستطيع أن نقوم بعملية ربط بين القرار 1559 والقرار 1680 والقرار الأخير 1701 واغتيال الحريري والحرب الأخيرة.. ودور هذه القوى اللبنانية ودور بعض القوى العربية.. أصبح الربط واضحا.
تذكرون منذ سنتين أو أقل طبعا كنا نقول أن القرار 1559 لا علاقة له بالتمديد للرئيس لحود..كان من الصعب تماما إقناع الناس..الآن الشيء نفسه يتكرر..لا علاقة للحرب بأسر الجنديين..والآن العالم يعترف بهذا الجانب..فإذن لا شيء له علاقة بشيء..هناك مخطط محضر مسبقا ومن لا يرى هذه الحقيقة لديه مشكلة بالرؤيا..بعد كل هذه الأحداث والوضوح في الأمور..الرؤيا بالألف الممدودة في العقل وليس في العين.
فإذاً..هذه المقاومة ضرورية بمقدار ما هي طبيعية وشرعية..وشرعيتها تأتي من كون الاعتداءات الإسرائيلية لم تتوقف منذ العام 2000 من خلال الخرق شبه اليومي للطيران الإسرائيلي للأجواء اللبنانية كما أن إسرائيل ما تزال تحتل جزءا من الأراضي اللبنانية..بالإضافة إلى استمرار أسر مواطنين لبنانيين في سجونها منذ زمن طويل..أما ضرورتها فلنتأمل فقط في ما حققته المعارك الأخيرة من إنجازات مباشرة على الواقع..كان أعظم ما في هذه المعارك أنها أتت ردا قوميا على الطروحات الانهزامية التي تم الترويج لها في منطقتنا وخاصة بعد غزو العراق..وزادها عظمة رد فعل الشعب العربي بشكل عام والذي أتى جوابه عروبيا خالصا ردا على الطروحات البغيضة المثيرة للفتنة التي سمعناها مؤخرا وعلى من يقف خلفها..وكأنه يقول لهؤلاء نحن عرب وهذه مقاومتنا ومن لا يقف معها ليس منا..هذا يعني أن الشعور القومي بخير وهو لم يتراجع كما يدعي البعض..بل هو في أوج اندفاعه متجاوزا كل الأفكار الهدامة التي تحاول أطراف مشبوهة لا تخفى غاياتها..تسويقها بين المواطنين العرب.
لقد أثبتت المعارك المجيدة التي خاضتها المقاومة بإيمان وكفاءة نادرة عددا من الحقائق..الحقيقة الأولى أن القوة العسكرية مهما عظمت عندما لا تمتلك عقيدة وأخلاقا ولا تستند إلى حقوق مشروعة ولا تبنى على سياسة مبدئية تنتج الهزيمة.
الحقيقة الثانية أن المقاومة التي تمتلك الإيمان والعزيمة والصمود وتحتضن رؤية ومبادىء وأهداف الشعب..ويحتضنها الشعب ويتبناها..تنتج الانتصار..وفي هذه الحالة لا يتعدى انتصار العدو المدجج بالسلاح كونه تدميرا للحجارة وقتلا للمدنيين..وبما أن كل احتلال هو عمل غير أخلاقي فلابد له..بل يجب أن يفشل ويهزم..وإسرائيل هي النموذج..فالقوة العسكرية ليست كل شيء..والقوة التدميرية للسلاح ليست كل شيء..وإسرائيل لا تمتلك سوى القوة التدميرية على المستوى العسكري وبعض العناصر الأخرى على المستوى الدولي..ولكنها بالمقابل تمتلك نقطة قوة كبيرة هي ضعف العرب المعنوي قبل المادي..وعندما نقرر..والقرار بيدنا..أن نتلافى هذه الثغرة فلا شك أن التوازن هو في مصلحتنا.
وهنا تكمن الحقيقة الثالثة التي تؤكد محدودية القوة الإسرائيلية رغم تفوقها..وتحددها بقوة إيماننا وثباتنا وإرادة القتال لدينا..وهذا الأمر يجب أن يعزز الثقة في نفوسنا ويمحو كل أثر للهزيمة النفسية التي عززتها الدعاية المعادية والتي يرى أصحابها أن المعركة محسومة مسبقا لصالح إسرائيل..أو أن الهزيمة قدر محتوم على العرب..كما يجب أن يدفع إسرائيل إلى التفكير في عواقب سياستها الإرهابية تجاه العرب في المستقبل.
هنا نستطيع أن نجري مقارنة ما بين حرب 1982 منذ 24 عاما والحرب الأخيرة في لبنان منذ أيام..في عام 1982 بدأت إسرائيل حربها أو دخولها إلى لبنان البري في 6 حزيران..وصلت إلى بعبدا المشرفة على بيروت في 13 حزيران..أي في اليوم السابع كانت إسرائيل على مشارف بيروت..ومن ثم تابعت عملية تطويق بيروت واحتلالها..اليوم بعد خمسة أسابيع تقريبا..إسرائيل تجاهد وتعاني لكي تحتل بضع مئات من الأمتار هنا...وبضع مئات من الأمتار هناك..وتحاول أن تصل إلى أقرب نقطة من الليطاني وهى ستة كيلومترات ولا تتمكن..وأنا متأكد أنه لو كان هناك نبع لليطاني على الحدود الفلسطينية اللبنانية..أو كان هناك جدول..لوضعوا أقدامهم في الماء وقالوا لقد وصلنا إلى الليطاني..أصبحوا محل سخرية وفقدوا مصداقيتهم..وبالأساس لا توجد لديهم هذه المصداقية..يقولون احتللنا موقعا..ثم يقولون قصفنا الموقع..المفروض بالعكس هذه بديهية أن نقصف بداية ومن ثم نحتل..على كل الأحوال..ما هو الفرق بين الحرب الأولى والثانية..أو لماذا..حقيقة في عام 1982 كانت الفجوة التقنية بين إسرائيل وبين الطرف المقابل الفلسطيني اللبناني..كانت اقل من الفجوة اليوم..إسرائيل تضاعفت قوتها في هذه المراحل عدة مرات والفرق كبير بينها وبين المقاومة اليوم..لكن الفرق هو إرادة القتال..الحقيقة في عام 1982 كان هناك مقاتلون فلسطينيون ولبنانيون أشداء وقاتلوا فعلا ولكن هذا لا يكفي.
إرادة القتال لدى بعض القيادات في 1982 لم تكن موجودة على الاطلاق..أما الآن فهناك إرادة قتال موجودة لدى القاعدة ولدى القمة وهناك احتضان شعبي ساعد هذه المقاومة على هذا النجاح..هذا فرق أساسي يجب أن نعرفه عن الحربين..من الجوانب الأخرى الإيجابية أيضا لهذه الحرب أنها عرت الوضع العربي بشكل كامل..طبعا لو سألنا أي مواطن عربي قبل هذه الحرب عن الوضع العربي سيقول الوضع العربي سيء وهذا الكلام صحيح.. ولكن كان المواطن يرى الوضع العربي مع مساحيق تجميلية..الآن يراه صافيا بدون هذه المساحيق كما هو تماما..هذه الحرب منعت استخدام هذه المساحيق لأنها فرزت المواقف بشكل كامل..لم يكن هناك من إمكان لحلول وسط في مثل هذه الحرب..أسقطت أصحاب أنصاف المواقف أو أنصاف الرجال..وأسقطت كل المواقف المتأخرة..أي من كان ينتظر ميزان القوى ليرى أين تميل الكفة أو أين ترجح سقط وسقطت معه مواقفه..فهذه من الميزات الهامة جدا الآن بالنسبة لهذه المعركة.
لكل ما سبق.. اعتبرت هذه المعركة بالنسبة لإسرائيل معركة حياة أو موت لأنها تفقد إسرائيل هيبتها وتأثيرها المعنوي علينا.. وبالتالي تفقد دورها التاريخي الذي أنشئت من أجله ووظيفتها بالنسبة للغرب.. لذلك بدأ العمل الحثيث من أجل التعويض عن هزيمتها العسكرية وفشلها في تحقيق أهدافها على الأرض بأي إنجاز سياسي دولي يبرر بقاء إسرائيل ودورها أمام مواطنيها وقيادتها وحلفائها.. وكما هي العادة لم يجدوا سوى مجلس الأمن الذي حولته الولايات المتحدة من مجلس لحفظ الأمن.. إلى مجلس لتقويضه من خلال قيامه بإصدار قرار يلبي مطالب إسرائيل وينقذها من ورطتها على حساب لبنان مهيئا المناخ للمزيد من الانقسام وعدم الاستقرار.
