كتب ..اسرائيل وميلاد المستوطنات 1
#1
أول مستوطن يصل بعد خمسة أسابيع من انتهاء حرب 1967

يستمد هذا الكتاب أهميته من ارتباط طروحاته بالتحولات السياسية الكبرى التي تشهدها المنطقة من ناحية، ومن نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة من ناحية أخرى، حيث فقد مشروع الاستيطان والتوسع فيه تأييد أغلب الناخبين الإسرائيليين، بل إن إيهود أولمرت رئيس الوزراء الإسرائيلي كشف عن خطط للتخلي من جانب واحد عن المزيد من المستوطنات في الضفة الغربية.
وصرح بأنه سيوقف عقود التوظيفات المالية لإكمال البنى التحتية لهذه المستوطنات، ولا تعكس هذه التصريحات التغيرات لدى أولمرت وحده، بل تعكس التطورات آراء معظم الإسرائيليين أيضاً، حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن الناخبين الإسرائيليين يدعمون الأحزاب التي لديها الاستعداد للتخلي عن المستوطنات.
مؤلف هذا الكتاب هو غيرشوم غورنبرغ الصحافي الإسرائيلي، أميركي الأصل، الذي قدم من قبل كتابه «التشدد والعمل من أجل جيل الهيكل» كما شارك في تأليف كتاب عن حياة إسحاق رابين، وعمل لسنوات عديدة كاتب عمود بصحيفة «جروزاليم ريبورت»، كما كتب أيضاً العديد من المقالات في «نيويورك تايمز ماغازين»، وصحيفة «واشنطن بوست»، بالإضافة إلى صحيفتي «هآرتس» و«معاريف» الإسرائيليتين.
ويقع هذا الكتاب والذي أصدرته أخيراً دار «تايم بوكس» الأميركية للنشر في 454 صفحة من القطع المتوسط.
بداية دراما سياسية
يشير المؤلف إلى أنه بعد أن هزمت القوات الإسرائيلية جيوش مصر وسوريا والأردن في يونيو 1967، بدا أن إسرائيل وصلت إلى قمة النجاح، ولكن بدلاً من أن تكون هناك نهاية سعيدة، برهنت الحرب على أنها مجرد بداية لدراما سياسية غاية في التعقيد لتطفو على السطح قضية محورية يلخصها سؤال محدد: هل يتعين على اليهود بناء مستوطنات في الأراضي التي تم الاستيلاء عليها خلال تلك الحرب؟ .
يروي غيرشوم غورنبرغ تفاصيل الولادة الغريبة لحركة الاستيطان، التي كانت من بنات أفكار النزعة الاشتراكية، كما يتبناها حزب العمل والتطرف الديني، ويقول إنها قصة درامية يتورط فيها قادة إسرائيل ـ موشي ديان، غولدا مائير، ليفي اشكول، إيغال آلون.
كما يوضح المؤلف أن إدارات جونسون ونيكسون وفورد أغمضت عينيها تماماً عما يدور من تطورات في الأراضي المحتلة، وذلك في الوقت الذي كانت متورطة حتى الآذان في مستنقع فيتنام والصراع العالمي مع الاتحاد السوفييتي.
ويفتح غورنبرغ في كتابه المهم نافذة على التاريخ السري للمستوطنات، ويروي قصة أول مستوطن إسرائيلي في الأراضي المحتلة، وصل بعد خمسة أسابيع فقط من انتهاء حرب يونيو، كما يكشف النقاب عن رأي المستشار القانوني لوزارة الخارجية الإسرائيلية في ذلك الوقت عندما قال إن الاستيطان في الضفة الغربية سيمثل انتهاكاً لاتفاقية جنيف الرابعة.
كما يكشف المؤلف النقاب عن المطالب الأميركية بأن توقف إسرائيل التغطية الصحافية لعمليات إقامة المستوطنات الجديدة، كما يشير إلى التأييد غير المتوقع لقرار الأمم المتحدة في عام 1957 بأن الصهيونية هي حركة عنصرية على زيادة نشاط الاستيطان في الضفة الغربية.
وتعتمد الخلاصات التي توصل إليها غورنبرغ في كتابه الجديد على ملفات أرشيفية تم الإفراج عنها مؤخراً، وعلى مقابلات عديدة مع مسؤولين ومستوطنين ليلقي ضوءًا جديداً ومغايراً لقضية لا تزال تهيمن على تطورات الأحداث بالشرق الأوسط.
ويقول الكاتب الإسرائيلي المعروف عاموس إلون في تحليل مطول للكتاب نشرته مؤخراً دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس» الأميركية المرموقة إنه بعد أسابيع من المفاوضات الصعبة مع الأحزاب الصغيرة نجح إيهود أولمرت زعيم حزم كاديما الجديد في تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة. ورغم غياب إرييل شارون، الذي دخل آنذاك الشهر الرابع من الغيبوبة، عن الساحة السياسية خاصة خلال الحملة الانتخابية، فقد تعهد الصقور والحمائم على السواء على مواصلة نهجه مهما كان هذا النهج.
ويضيف إن شارون كان رجلاً متهوراً ومثيراً للكثير من الجدل، ولم يكن أبداً رجل سلام، كما وصفه الرئيس الأميركي بوش ذات مرة، لكنه كان دوماً يغرد بمفرده خارج السرب.
ففي عصر تراجع الاستعمار التقليدي وانتهائه مع مطلع الستينات من القرن العشرين، أبدى شارون حماساً شديداً لتدشين «مشروع استيطاني» كبير في الأراضي المحتلة، وهو المشروع الذي يوصف الآن بأنه الخطأ التاريخي الكبير لعام 1967. ولاتزال الأراضي المحتلة تمثل «قيحاً» بالحياة الإسرائيلية، كما لو كانت مرضاً خبيثاً.
ويواصل عاموس إلون مناقشته لكتاب غورنبرغ قائلاً ان المستوطنات في الأراضي المحتلة حوَّلت إسرائيل إلى إمبراطورية صغيرة وضيعة مخالفة للخطوط الآمنة التي سار عليها المستوطنون الأوائل الذين حرصوا على تطوير المجتمعات التي احتلوها وسمحوا بوجود طبقة محلية من النخبة وبحدوث تزاوج بين الجانبين وشيدوا الجامعات وقاموا بتطوير البنى التحتية. إلا أن إسرائيل لم تقم إلا بالنذر القليل من ذلك.

ففي عام 2001 لم تكن هناك إشارة مرور واحدة في الأراضي المحتلة التي تحولت إلى مجرد سوق للعمالة الرخيصة. ويرى البعض ان مشروع الاستيطان يظل العقبة الكؤود الرئيسية أمام تحقيق تسوية تاريخية لإنهاء حرب المئة عام بين حركتين قوميتين على قطعة واحدة من الأرض.
في عيني أشكول
يوضح غورنبرغ أنه بعد حرب 1967 حلق رئيس الوزراء الإسرائيلي ليفي أشكول على متن طائرة مروحية فوق أراضي الضفة الغربية. وعندما كان ينظر إلى الأراضي التي احتلت في الحرب قال: المهر جميل، لكن ماذا سنفعل بالعروس؟ والمهر كان الأرض الرائعة والغنية اما العروس فكان الشعب الفلسطيني الذي كان تعداده في الضفة الغربية يبلع نحو مليون نسمة.
وقد لازمت هذه الازدواجية المتناقضة إسرائيل منذ ذلك الحين. فهذا التوتر بين الجغرافيا والديموغرافيا كان ملازماً للمسار السياسي الإسرائيلي طوال العقود الأربعة الماضية.
وفي هذا الصدد فإن الأطروحة التي يدافع عنها غورنبرغ في كتابه هي أطروحة بسيطة، مفادها ان سياسة إسرائيل الاستيطانية في أعقاب حرب 1967 لم تكن نتاج استراتيجية تم التخطيط لها أو التفكير بشأنها، بل إن اسرائيل لم تكن في الواقع على استعداد للتعامل مع الأراضي التي احتلتها.
ومثل أية حكومة أخرى تعيش في أزمات، فإن أشكول ورؤساء الوزراء اللاحقين كانوا يلعبون بالوقت ويصدرون القرارات الصعبة. ومع وجود جماعة صغيرة ولكنها مؤثرة هي جماعة غوش أيمونيم، فقد تم ارغام الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على البدء في استيطان الأراضي المحتلة، مما أوجد وضعاً معقداً في الضفة الغربية ورثته الحكومات المتعاقبة وصولاً إلى حكومة أولمرت الجديدة.
ويشير المؤلف إلى أنه في الثالث عشر من يونيو 1967 كانت جماعة صغيرة من الإسرائيليين تتجول في منطقة تقع إلى الجنوب من القدس. كانت الأراضي الواقعة في الضفة الغربية من نهر الأردن قد تم الاستيلاء عليها حديثاً من قبل الجيش الإسرائيلي، كما تم الاستيلاء على القدس الشرقية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان.
كانت الجماعة تبحث عن مجموعة من القرى اليهودية المعروفة باسم «غوش صهيون» كان العرب قد دمروها خلال حرب عام 1948.
وكانت الضفة الغربية قد خضعت للسيطرة الأردنية خلال السنوات الـ 19 الممتدة ما بين 1948 ـ 1967، لكن الذين ظلوا على قيد الحياة من سكان «غوش صهيون» السابقين لم يقطعوا الأمل في العودة، وقد سنحت لهم الفرصة مع انتهاء الحرب للعودة وفي نيتهم البقاء. وهي نية شاركهم فيها الإسرائيليون الذين انتقلوا في الوقت نفسه تقريباً إلى المناطق المحتلة حديثاً في مرتفعات الجولان والمدينة القديمة في القدس طاردين منها المئات من العائلات العربية.
واليوم، وبعد أكثر من 40 عاماً من ذلك التاريخ، يعيش نحو 250 ألف إسرائيلي في نحو 125 مستوطنة إسرائيلية معترف بها في الضفة الغربية. وهناك 180 ألفاً غيرهم يعيشون في المناطق التي تم ضمّها من القدس الشرقية، ونحو 16 ألفاً يعيشون في الجولان.
ضغوط المستوطنين
يرى المؤلف أن كتاب «سادة الأرض» من تأليف الصحافية «عكيف الدار» والمؤرخة «أديث زرتال» والذي نُشر باللغة العبرية عام 2005 هو أهم الكتب التي وُضعت عن أولئك المستوطنين وأكثرها شمولية. ويصف ذلك الكتاب الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي المحتلة بأنه محصلة للضغوط السياسية والانفعالية التي مارسها المستوطنون ببراعة على الحكومة الإسرائيلية التي كانت غير متحمسة لتلك السياسة.

إلا أن غيرشوم غورنبرغ لا يرى في كتابه الذي بين أيدينا الآن، المستوطنات مجرد نتاج للمناورة السياسية، وهو يعتبرها أيضاً تعبيراً عن هوية إسرائيل نفسها. ويقول إن الاستيطان على الأرض كان على الدوام جزءاً جوهرياً من التجربة الصهيونية، لكن الكثير من الإسرائيليين كانوا قد فقدوا ثقتهم بالحلم الصهيوني القديم بحلول عام 1967.

ثم جاء الانتصار الإسرائيلي الساحق في ساحة المعركة ليعكس هذا التوجه، مما شجع الكثير من الإسرائيليين على الانضواء تحت العباءة الصهيونية من جديد وبدء حياة جديدة في الأراضي المحتلة حديثاً.

ويقول المؤلف إنه على الرغم من أن حرب يونيو 1967 انتهت باحتلال غزة والجولان والضفة الغربية، فإن الاستحواذ على الضفة الغربية لم يكن من بين أولويات إسرائيل عند بدء الحرب، إذ إن معظم الإسرائيليين كانوا سيرضون بالحصول على السلام وحده وفقاً لخط الهدنة في عام 1949. إلا أن عدداً آخر من الإسرائيليين لم يكف أبداً عن مواصلة الحلم بإسرائيل الكبرى.

وكان البعض يبرر رغبته في الحصول على المزيد من الأرض بأسباب استراتيجية، في حين كان البعض الآخر مدفوعاً بالمشاعر الدينية والقومية، وعلى الرغم من أن هذين الفريقين ظلا خارج نطاق الأغلبية السائدة، فإنهما مارسا تأثيراً معنوياً وسياسياً كبيراً خلال السنوات العشرين الأولى من عمر إسرائيل.

وفي رصد تلك القوى يتحدث غورنبرغ عمّن يصفهم بـ «الراديكاليين» داخل حركة حزب العمل الذين عارضوا فكرة التقسيم منذ عشرينات القرن الماضي، واستمروا في معارضتهم لها بعد قيام دولة إسرائيل. كما يشير المؤلف إلى قوة مهمة أخرى هي حزب حيروت اليميني بزعامة مناحيم بيغن الذي فاق جميع الفئات والأحزاب الأخرى في مواصلة الأمل بإقامة إسرائيل الكبرى وإدراجه ضمن الأجندة السياسية الإسرائيلية بعد عام 1949.

وبوصفه عضواً في حكومة الحرب التي تم تشكيلها على عجل في يونيو 1967، لعب بيغن دوراً رئيسياً في التوصل إلى القرار المصيري باحتلال القدس الشرقية والضفة الغربية وقطاع غزة.
تحذيرات ذهبت هدراً
يقول المؤلف إنه قبل نشوب حرب 1967 بستة أشهر فقط، حذر خبراء الاستخبارات الإسرائيلية الحكومة من مغبّة الاستيلاء على الضفة الغربية، لأن ذلك يتطلب من إسرائيل السيطرة على شريحة كبيرة من السكان الفلسطينيين المعادين. إلا أن الحكومة الإسرائيلية تجاهلت تلك النصيحة.

ويرى المؤلف أن تطورات الأمور لم تكن تستدعي احتلال الضفة الغربية خاصة بعد أن تأكدت إسرائيل من إبطال مفعول الخطر العسكري الأكبر الذي كان يتهدد إسرائيل والمتمثل في مصر بعد أن أجهز سلاح الجو الإسرائيلي على جميع الطائرات الحربية المصرية تقريباً، حتى قبل أن يتسنى لتلك الطائرات الإقلاع من مدارجها.

ورغم أن الجيش الأردني استفز إسرائيل بتجاهله تحذيراتها من القيام بقصف القطاعات الإسرائيلية من مدينة القدس، إلا أن رد الهجمات الأردنية ما كان يستدعي أبداً احتلال الضفة الغربية.

ويرى المؤلف أن الاستيلاء على الأرض كان عملاً غير عقلاني، ويتعارض مع المصلحة الوطنية الإسرائيلية، ويقول في هذا الصدد إن حالة النشوة التي استبدت بأعضاء حكومة الحرب الإسرائيلية في أعقاب الانتصار العسكري السريع على الجبهة المصرية، أدت إلى تناسيهم للمنطق والاستراتيجية.

ولم يكلف أحد من الوزراء الإسرائيليين نفسه بالسؤال عما إذا كان الاستيلاء على الضفة الغربية والمدينة القديمة في القدس يخدم حقاً مصلحة إسرائيل. ولكن يبدو أن النصر قد ساق إسرائيل بكاملها إلى حالة جنونية، وراح الكثير من الإسرائيليين يتصرفون كما لو أنهم قد أنقذوا بمعجزة من الإبادة وأنهم قد وصلوا إلى عصر الخلاص، بل إن البعض ومن بينهم شلومو غورين كبير حاخامات الجيش الإسرائيلي طالب بنسف المسجد الأقصى وقبة الصخرة.

فيما طالب ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء في إسرائيل بتدمير جدران المدينة القديمة في القدس، بينما بحث رئيس الوزراء في ذلك الوقت ليفي أشكول بجدية في ترحيل مئات الآلاف من الفلسطينيين من المناطق المحتلة إلى العراق

وبعد الحرب انقسمت الحكومة الإسرائيلية على نفسها حول كيفية التصرف في الأراضي، حيث وقف «الحمائم» الذين يفضلون إعادة معظم الأراضي ومقايضتها بالسلام من جانب بزعامة وزير المالية بنحاس شامير، في حين وقف «الصقور» على الجانب الآخر ومن بينهم بيغن وايغال آلون وديان وكانوا يرغبون في الاحتفاظ بمعظم الأراضي.

دعم متواصل للاستيطان
يقول غورنبرغ إن مشروع الاستيطان لقي دعماً من الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة سواء التي تمثل اليسار أو اليمين، رغم أنه كانت هناك اعتراضات في أوقات مختلفة من جانب أقلية بمجلس الوزراء وحفنة من المعارضين لسياسات الحكومة يتركز معظمهم بين الأكاديميين والصحافيين.

وكان مشروع الاستيطان يهدف في الأساس إلى إرخاء إسرائيل بحدود آمنة كما كان يدعو قرار مجلس الأمن رقم 242 الذي صدر بعد حرب 1967. إلا أن هذا المشروع لم يتوقف وأخذ في الامتداد والتوسع عاماً بعد عام. وكان أول المروجين لهذا المشروع عدد من القيادات العلمانية على رأسهم شيمون بيريز وموشي ديان وايغال آلون. وقد أطلق على المستوطنات في بداية الأمر وصفاً متواضعاً حيث كانت تسمى نقاطاً أمامية.

وعندما سأل أحد الزائرين لإسرائيل ليفي أشكول رئيس الوزراء في ذلك الوقت عما إذا كان يشعر بالقلق من إمكانية حدوث «تمرد» من جانب العرب، رد أشكول قائلاً «بإمكاننا خنق أي إرهاب في الأراضي المحتلة».

وبعد أشكول، مضى رؤساء وزارات اخرون من بينهم غولدا مائير واسحاق رابين قدما في مشروع الاستيطان ولكن لم يكن هناك مسؤول تحمس باندفاع وتهور لمفهوم الاستيطان مثل ارييل شارون الذي تولى وزارة الاسكان ثم وزارة البنية التحتية «مثل الطرق» ثم الدفاع واخيرا رئاسة الوزراء..

ورغم ان شارون قد زعم انه كان يحتفظ دوما في غرفة نومه بكتاب «حرب مريرة من اجل السلام» الذي يتناول الحرب الجزائرية فإنه لابد وانه لم يفهم مضمون الكتاب. واذا كان هذا الكتاب لم ينصحه بما ينبغي عليه ان يقوم به فإنه قد نصحه بما ينبغي الا يقوم به.

لقد اطلق على شارون وصف «البلدوزر الكبير» الذي قام بنشر وتوسيع نطاق المستوطنات بصورة هائلة من دون ان يفكر للحظة في عواقب هذا المشروع الانسانية والسياسية. والامر الذي يدعو إلى السخرية هو انه اصيب بسكتة دماغية عندما حاول في مواجهة موجات العنف المتصاعدة تصحيح الاخطاء الجسيمة التي ارتكبها في سنوات شبابه ولكن هذه المحاولة جاءت متأخرة للغاية وربما كما يقول المؤلف، جاءت بعد فوات الآوان.

وفي الوقت ذاته يتواصل العنف، ووفقا لاحصاءات الجيش الإسرائيلي فقد تم رصد نحو 70 محاولة انتحارية خلال هذا العام حتى الآن رغم ان احدى هذه المحاولات قد نجحت عندما نسف احد الفلسطينيين نفسه داخل مطعم مزدحم في تل ابيب. ولن تكون هذه المحاولة الاخيرة.

مغامرات البلدوزر

يقول المؤلف ان شارون كان رجلا تكتيكيا من الطراز الاول لكنه كان يفتقر إلى التفكير الاستراتيجي لقد اشعل شارون حربا كارثية في لبنان كان يأمل ان تؤدي إلى القضاء على وجود منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان.

وكان شارون مؤمناً بفكرة ضم الاراضي المحتلة منذ البداية، ففي اعقاب حرب 1967 عقد شارون الذي كان مازال جنرالا بالجيش اول اجتماع له مع صحافيين من جريدة «هآرتس» حاول شارون خلال هذا الاجتماع اقناع المحررين بضرورة ان تقوم إسرائيل بضم كل الاراضي التي تم غزوها واحتلالها - أي شبه جزيرة سيناء وقطاع غزة والضفة الغربية ومرتفعات الجولان، وقال للصحافيين «اذا كان الفلسطينيون يريدون دولة فبامكانهم الاطاحة بالملك حسين حيث ينبغي ان يكون الاردن المكان لاقامة الدولة الفلسطينية خاصة وان مئات الآلاف من الفلسطينيين يقيمون هناك بالفعل».

إلا ان قلة من الحاضرين لذلك الاجتماع ابدوا تأييدا لتلك الافكار المجنونة التي تدور في رأس جنرال مازال في سن الاربعين.

ونعود مرة اخرى إلى تعليق عاموس الون على الكتاب الذي بين ايدينا حيث يقول ان الحملة الانتخابية الإسرائيلية الأخيرة كانت حملة هادئة ومملة على غير العادة ولم تشهد أي ضجيج او مناقشات تلفزيونية. كان الناخبون يعرفون ان اولمرت ليس بشارون ومع ذلك فإنهم لم يعرفوا الكثير عنه.

وفي دولة تكون فيها النسبة المتوسطة للتصويت 80% في العادة فقد وصل تغيب الناخبين لأعلى معدل على الإطلاق في تلك الانتخابات حيث بلغ نحو 40%، ويعتقد الكثير من المحللين ان معظم الذين امتنعوا عن الإدلاء بأصواتهم كانوا من الشباب الذين يشعرون بالاستياء والضيق من حالة الفساد للعديد من السياسيين ومن جوانب القصور الواضحة بالنظام الانتخابي. وبالتالي فقد اثارت نتائج الانتخابات خيبة امل جميع الاحزاب دون استثناء.

كما فاز حزب كاديما الجديد الذي يمثل الوسط والذي اسسه شارون قبل ان يترك الليكود وتزعمه من بعده اولمرت بعدد من الأصوات اقل مما كان متوقعا حيث حصل على 29 مقعدا فقط بدلا من 41 مقعدا كان من المتوقع ان يحصل عليها الحزب قبل اصابة شارون بسكتة دماغية. واضطرت هذه النتيجة اولمرت إلى اللجوء للأحزاب الدينية وأحزاب صغيرة اخرى لا تشاركه بالضرورة اهدافه خاصة خطته «لفك الارتباط» عن الفلسطينيين
رد
#2
تتمة2

3 عقبات تواجه خطة أولمرت لفك الارتباط عن الفلسطينيين


يركز المؤلف في هذه الحلقة على فكرة «العودة»، التي تعد فكرة محورية في التراث اليهودي والصهيوني والتي قامت على أساسها دولة إسرائيل انطلاقاً من مقولة إن فلسطين هي الأرض الموعودة لليهود وهي أرض أسلافهم التوراتيين، وبالتالي اعتبروا أن من حقهم العودة إليها والاستيطان على أرضها ولو كان ذلك على حساب أصحاب الأرض الأصليين والحقيقيين.

ويشير المؤلف كذلك إلى أن المشروع الاستيطاني الإسرائيلي الذي بدأ كمحاولة لتطبيق ما يسميه الإسرائيليون «حق العودة» قد تحول إلى هم ومعضلة بالنسبة للحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وبخاصة فيما يتعلق بمستقبل إسرائيل في ظل توسع الاستيطان داخل الكتل الديموغرافية الفلسطينية التي تتوسع بوتيرة سريعة جداً تقلق السياسيين الإسرائيليين.

يقول غيرشوم غورنبيرغ إن فكرة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية تتأصل بعمق في العقيدة الصهيونية، حيث تعتبر العودة «شيفا» فكرة محورية في التراث اليهودي والصهيوني. فدولة إسرائيل، وفقاً للرؤية الصهيونية ولدت عندما عاد اليهود من الشتات إلى أرض أسلافهم التوراتيين. ويعتقد الكثير من الإسرائيليين أن لهم كل الحق في الأرض، كل الأرض. كما أن النزعة الاستيطانية شكلت حجر الزاوية في الحركة الصهيونية منذ قدوم الجيل الأول للإقامة في المنطقة.

ويشتمل كتاب « إسرائيل وميلاد المستوطنات» الذي نستعرض فصوله على هذه الصفحة على حوارات ومقابلات أجراها المؤلف غيرشوم غورنبيرغ مع العديد من المستوطنين اليهود، حيث يربط الكاتب بين تجربتهم وبين حالة عدم الاستقرار التي ميزت فترة نهاية الستينات من القرن الماضي في أوروبا والولايات المتحدة.

ويقول غورنبيرغ إن الشباب الذين عملوا على تأسيس حركة «اليسار الجديد» كانوا يعانون من عقدة اللاشرعية، حيث شعر أولئك الشباب المعتمدين على دعائم من البطولات اليسارية التي حققها آباؤهم بأنهم قد خذلوا ذلك الجيل الرائد بكل ما ينعمون به من حياة مرفهة، وكان تلاميذ المدارس في إسرائيل قد تربوا على حكايات رواد ما قبل قيام الدولة ممن تصدوا للعداء العربي والبريطاني.

وصارت حياتهم تبدو لهم غاية في الرفاهية بالمقارنة مع حياة أولئك الرواد. وبحلول ستينيات القرن الماضي، كان أبناء الجيل الجديد قد بلغوا سن الرشد، وكانت التحديات الأولى التي واجهت إسرائيل قد بدأت تتراجع وتخفت، وحل الروتين الإسرائيلي محل الدراما الصهيونية.

عندئذ بدأ الكثير من الشباب الإسرائيليين يشعرون بأن بلادهم قد كفت عن إعطائهم ذلك الإحساس الأسطوري بالمغامرة، ولم يقف الأمر عند حدود توقف الهجرة إلى إسرائيل في ذلك الوقت، بل إن الأمر تعداه إلى مغادرة الآلاف من الشبان الإسرائيليين البلاد بلا عودة، والبحث عن الاستقرار في الولايات المتحدة الأميركية.


حلم رومانسي

يقول مؤلفنا إن الغزو الإسرائيلي للضفة الغربية عام 67 أدى إلى مولد حلم رومانسي لدى الإسرائيليين الذين راحوا ينظرون إلى هذه الأراضي على أنها تمثل قلب أرضهم «المزعومة»، بل إن موشي دايان وزير الدفاع الإسرائيلي كان يحلو له وصف الضفة الغربية على أنها «جزء من اللحم والعظم للإسرائيليين» وراح يربط بين معالمها وبين روايات وردت بالكتاب المقدس، بل إن التقارير الرسمية الإسرائيلية استبدلت كلمة الضفة الغربية بمصطلح «يهودا والسامرة».

والآن يبدو أن حلم الضفة الغربية واحتفاظ إسرائيل بمستوطنات فيها قد بدأ في الخفوت مع ظهور تطورات جديدة وتزايد أعمال العنف، وحدوث تغيرات في المفاهيم السياسية الإسرائيلية، إلا أن الكاتب يرى أن الكتاب المقدس لم يكن هو الباعث الوحيد وراء حمى بناء المستوطنات بعد عام 1967.

فقد كشفت تلك الحرب ان المسألة الأمنية تأتي في المقام الأول لدى الكثير من السياسيين الإسرائيليين، الذين بحوزة كل منهم خريطة للأجزاء التي يعتقد أن إسرائيل يجب أن تحتفظ بها لتوفير عمق استراتيجي لها، فيما كان الجيل السابق من الإسرائيليين يرى أن تلك المستوطنات تمثل قوة عقائدية كونها تعبر عن عودة اليهود إلى أرضهم الموعودة «وفقاً لمزاعمهم».

وقد ظهرت منذ البداية أصوات تعارض بشدة هذا الحلم، ففي اجتماع وزاري إسرائيلي عقد في أعقاب حرب يونيو 67، أطلق أحد الوزراء تحذيراً بأن الاحتفاظ بالضفة الغربية وسكانها العرب سوف يؤدي إلى قيام دولة مزدوجة القومية، وهو ما يعيق، من وجهة نظر الوزير، إقامة المشروع الصهيوني المتمثل في الكيان الإسرائيلي.

وعندما سعى رئيس الوزراء ليفي أشكول إلى إنشاء مستوطنات في الخليل، عاتبه رئيس تحرير الصحيفة الناطقة باسم حزبه قائلاً إن تلك المستوطنات سوف تطيل مدة خدمة أبنائهم ثلاثة أشهر، كما ستكون عبئاً عسكرياً وليس رصيداً إضافياً.

ويقول المؤلف إن السنوات الأخيرة أثبتت صحة الكثير من المخاوف التي أعرب عنها بعض الأكاديميين والصحافيين والمثقفين الإسرائيليين، حيث أصبح السكان العرب في إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة مساوين لعدد السكان الإسرائيليين.

وقبل عامين ونصف العام أعلن إيهود أولمرت الذي كان نائباً لرئيس الوزراء في ذلك الوقت أن إسرائيل عليها أن تنسحب من معظم الأراضي المحتلة كي تحافظ على كيانها.

كما وعد أولمرت بإقامة حدود لضمان وجود أغلبية يهودية في إسرائيل وإنهاء خضوع فلسطين للحكم الإسرائيلي. وذلك يعني بالضرورة الانسحاب من أجزاء كبيرة من الضفة الغربية وإخلاء الكثير من المستوطنات.

ولا تزال خطة أولمرت تثير إلى اليوم معارضة الكثيرين خاصة المستوطنين الذين يتزايد غضبهم واستعدادهم للمواجهة ومنهم 32 ألفاً في مستوطنة «معاليه أودميم» و18 ألفاً في مستوطنة «أرييل».

وفي معرض تعليقه المطول على كتاب «إسرائيل وميلاد المستوطنات» يقول المحلل عاموس إتون إن إيهود أولمرت كان حتى وقت قريب شخصية هامشية بشكل نسبي في الهرم السياسي الإسرائيلي.

ولم يكن كثيرون يتوقعون أن يكون أولمرت هو الخليفة المحتمل لشارون. ولو أن شارون قد أصيب بالسكتة الدماغية قبل ذلك لكان حزب الليكود الحاكم قد انقسم إلى حزبين، وكان بنيامين نتانياهو سيصبح رئيساً للوزراء. أما الآن فإن مستقبل نتانياهو السياسي بات غامضاً خاصة وأن شعاره الانتخابي «أولمرت سوف يقسم القدس، ونتانياهو سيحافظ على وحدتها» أتى بنتائج عكسية.

فقد خسر حزب الليكود الذي يتزعمه ثلثي ناخبيه ومعظمهم ذهب إلى كاديما، كما فقدت عبارات مثل «القدس في قلوب الشعب اليهودي» و«صخرة وجودنا» الكثير من توهجها، بل أصبح هناك المزيد من التأييد لإعادة تقسيم القدس بصورة أكبر من أي وقت مضى.

ورغم ذلك فإن أولمرت نفسه يعد واحداً من صقور السياسيين الإسرائيليين، فهو ينحدر من عائلة أيدت إرهابيي حركة «أرغون» اليمينية المتطرفة خلال الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، وخلال الأشهر التي تلت حرب 67 كان عضواً في عدة مجموعات يمينية منشقة ويقال إنه صانع أحد شعاراتها «الأرض المحررة ستظل إلى» الأبد في قبضتنا» وهو شعار رديء الصياغة باللغة العبرية.

كما هو الحال باللغة الانجليزية. وفي عام 1973 كان أصغر عضو يتم انتخابه في الكنيست. وعندما أصبح عمدة القدس في أواخر التسعينات حظي بشعبية كبيرة لكنه تسبب في كارثة عندما أصدر أمراً مقهوراً وطائشاً بفتح نفق قديم قريب من المسجد الأقصى .

مما تسبب في معارك استمرت ثلاثة أيام بين المتظاهرين من المسلمين والشرطة الإسرائيلية، مما أدى إلى مقتل 79 فلسطينياً وإصابة المئات. وفي اليوم الثاني عندما تم استدعاء الجيش قتل 14 جندياً إسرائيلياً. وقد ارتاب الفلسطينيون في أن اليهود يخططون لتدمير المساجد وإعادة بناء الهيكل اليهودي.

ويقول غاموس إن هذه كانت أسوأ مذبحة من نوعها في القدس الشرقية منذ أن احتلتها إسرائيل في حرب 67. وتم تشكيل حكومة أولمرت في أوائل مايو الماضي. جدير بالذكر أن إسرائيل تظل دائماً دولة صغيرة بحكومة كبيرة العدد. وربما يكون مجلس الوزراء الجديد هو الأكبر في تاريخ إسرائيل، وربما يكون في حجم مجلس الوزراء الصيني!. والرجلان القويان في الحكومة هما أولمرت وزعيم حزب العمل عمير بدريتس وزير الدفاع الجديد.


خطة أولمرت

تقضي خطة أولمرت بفك الارتباط عن الفلسطينيين، حتى لو كان ذلك من جانب واحد بالانسحاب من أجزاء من الأراضي المحتلة إلى حدود لم يتم تحديدها حتى الآن، ولكن ليس إلى حدود ما قبل يونيو 67 كما يصر الفلسطينيون.

ووعد أولمرت بالسعي للحصول على موافقة المستوطنين والاتفاق مع الفلسطينيين على حدود جديدة يتم وضعها وفقاً للجدار الذي يتم بناؤه بالضفة الغربية، ولكن إذا لم يتم التوصل إلى مثل هذا الاتفاق، وهو الأمر الأكثر ترجيحاً، فإنه سيسعى إلى الحصول على موافقة الحكومات الصديقة في أوروبا وكذلك الولايات المتحدة. ويقول عاموسى إن هذه الفكرة هي في الأصل فكرة شارون، رغم أن البعض يقول إنه تمت صياغتها بإلحاح من أولمرت.

وفي الوقت الحالي هناك ثلاث عقبات واضحة في طريق تنفيذ خطة أولمرت. العقبة الأولى برلمانية، فنظراً لافتقار حزب كاديما الذي يتزعمه لأغلبية واضحة، فإن أولمرت يتردد في الاعتماد بصورة أساسية على الأعضاء القليلين من العرب واليساريين بالكنيست الذين سيمنحونه، في أي الأحوال، هامشاً ضئيلاً للغاية. ومع ذلك فإنه لا يزال يأمل في الحصول على أغلبية معقولة تحقق قوة دفع لشعار «التقارب» الذي يرفعه.

ولتحقيق ذلك فإنه يحتاج إلى شركاء ائتلاف من الدينيين والأحزاب الأخرى لا يؤيدون مشروعه، أو يؤيدونه جزئياً. أما العقبة الثانية فهي دولية. فأولمرت يخطط لإجلاء نحو 70 ألف مستوطن من مستوطنات نائية أو معزولة خلال عامين أو ثلاثة أعوام، فيما سيترك الآخرون، ما يزيد على 400 ألف مستوطن، في أماكنهم.

ويقول عاموسى إن تحقيق هذه الخطة لن يكون سهلاً، خاصة إذا أدت العقوبات الاقتصادية على الفلسطينيين بسبب موقف حركة حماس في ظهور موجات جديدة من العنف.

ووفقاً لخطة أولمرت فإنه سيتم إعادة توطين المستوطنين، الذين سيتم إجلاؤهم من المستوطنات النائية، في أماكن أخرى بالضفة الغربية المحتلة، في أماكن خلف الجدار الذي يبلغ ارتفاعه خمسة أمتار ويشتمل على صفوف من الأسلاك الشائكة والأضواء الكاشفة ومناطق الموت وأجهزة الإنذار الالكترونية والكاميرات الرقمية. وقد يقيم البعض منهم بالقرب من مستوطنات كبيرة قائمة سيكون من غير الواقعي أن يتم إخلاؤها.

لكن المشكلة تكمن، وفقاً لما يقوله عاموسى، في أن هذه الحدود الجديدة ستحتاج إلى الصفة الشرعية، لتصبح دائمة. ولذلك فإنه يجب أن يعتمدها ويؤكدها الطرف الآخر. فالخطوات الأحادية لا تؤدي إلى تحقيق الشرعية أو الأمن. وقد ظهر ذلك بوضوح قبل عدة سنوات بعد أن انسحبت إسرائيل من جنوب لبنان. وكان الانسحاب ناجحاً لأن إسرائيل انسحبت إلى الحدود المعترف بها دولياً على حد قوله.

يقول عاموسى إن الحكومة الإسرائيلية قد وجهت الدعوة لمقاولين لتقديم مناقصات لبناء منازل جديدة لإسكان المستوطنين في مواقع جديدة بأماكن في الضفة الغربية، وسيوفر لهم الجدار الجديد الحماية وعندما يستكمل البناء، سيصل طول الجدار 759 كيلومتراً أي سيكون أطول ثلاث مرات من الحدود الإسرائيلية الأردنية قبل حرب 1967 ليضم الدولة اليهودية داخل حصن هائل.

والعقبة الثالثة تكمن في أن الجدار الجديد سوف يؤدي الى عزل نحو 200 ألف فلسطيني في القدس الكبرى عن أقاربهم وبيئتهم الطبيعية وجامعاتهم ومؤسساتهم العامة وأعمالهم والأراضي التي يمتلكونها في الضفة الغربية. كما سيتم عزل عشرات الآلاف من فلسطينيين آخرين على الجانب الآخر من الجدار عن مزارعهم وبساتينهم.

ويواصل عاموسى تعليقه على كتاب غورنبيرغ قائلاً إن أولمرت واصل، في الخطاب الذي ألقاه في مستهل توليه منصب رئاسة الوزراء، إصراره على أن لإسرائيل حقوقاً تاريخية ثابتة على كل الأراضي الواقعة غرب نهر الأردن، وعليه فقد أوضح أن إعادة تقسيم البلاد أمر لا مفر منه في ضوء ما يوصف بعبارة «القنبلة الزمنية الديمغرافية».

فبحلول عام 2030، وربما قبل ذلك، ستكون هناك أغلبية فلسطينية غرب الأردن، وبدون التقسيم سيتعرض وجود إسرائيل كدولة يهودية للخطر، وقال إن المستوطنات المنتشرة في كل مكان في الوقت الحالي تهدد وجود الدولة».

وعندما سُئل عن سبب عدم إدراكه بإمكانية حدوث أغلبية فلسطينية خاصة وأن ذلك كان واضحاً منذ سنوات، أجاب قائلاً: إنه كان يتوقع قدوم المزيد من المهاجرين اليهود إلى إسرائيل، خاصة من الاتحاد السوفييتي السابق، إلا أنه لم يأت سوى مليون مهاجر فقط، وقال إنه يريد أن تصبح إسرائيل في نهاية المطاف دولة طبيعية يمكن العيش فيها دون أن يهدد سيف الأغلبية الفلسطينية بحلول عام 2030 هويتها.

ووعد بعدم ترك أي إسرائيلي على الجانب الآخر من الجدار، وتقضي الخطط بأن يشمل الجدار القدس الكبرى ومعظم كتل المستوطنات الرئيسية في الضفة الغربية. كما سيمتد في عمق الضفة الغربية حتى معاليه أوديم وهي مستوطنة يقطنها 32 ألف شخص.

وجدار بهذا الشكل لن يؤدي فقط إلى تقسيم المقيمين الفلسطينيين في القدس وعزلهم عن عائلاتهم وأعمالهم خارج المدينة، بل سيؤدي في الواقع إلى تقسيم الضفة الغربية إلى جيبين على الأقل. كما يريد أولمرت أيضاً الاحتفاظ بحرية الحركة في بقية مناطق الضفة الغربية في مواجهة «الأعمال الإرهابية» والإبقاء على «وجود عسكري» في وادي الأردن.

وستقيم إسرائيل بالتالي منطقة أمنية على طول النهر، سوف تقطع المزيد من أراضي الضفة الغربية.


نصف مليون مستوطن

وعودة إلى كتابنا حيث يقول الكاتب غيرشوم غورنبيرغ إنه يوجد الآن ما يقرب من نصف مليون مستوطن إسرائيلي في الأراضي المحتلة، من بينها القدس، وقد اجتذبتهم الحياة في المستوطنات انطلاقاً من إيمان عميق بالقومية الدينية، أو بالإعفاءات الضريبية التي تم منحها لهم، أو بالإسكان الرخيص، أو هذه الأسباب الثلاثة مجتمعة، ويتوجه معظم المستوطنين إلى أعمالهم بإسرائيل في راحة، ويقيم نحو نصف هؤلاء المستوطنين في القدس الشرقية سابقاً وفي ضواحيها، والتي تم ضمها في عام 1967 بمقتضى قانون برلماني.

وتشمل القدس الكبرى الآن منطقة هائلة وهي مدينة «موحدة» اليوم تضم كلاً من الإسرائيليين والفلسطينيين، ويواصل الفلسطينيون مقاطعتهم لانتخابات البلدية «الموحدة»، والضواحي الإسرائيلية الجديدة التي تم بناؤها بعد حرب 1967 في الأحياء العربية ضمن خط التقسيم القديم وخارجه، هي ضواحي فخمة ونظيفة ويتم الاعتناء بها بصورة جيدة، ونظراً لأن مساكنها تحظى بدعم كبير وجرى تشييدها فوق أرض خاصة مصادرة وأرض عامة، فإنها أرخص بمعدل الثلث عن المساكن في القدس الغربية سابقاً، وعلى النقيض من ذلك.

وبعد أن كانت إسرائيل تشجع الفلسطينيين على الهجرة إلى هناك، ثم منعهم في وقت لاحق من شراء شقق في الضواحي الإسرائيلية الجديدة، ولا تزال الحكومة البلدية تهمل الأحياء الفلسطينية المتبقية التي تبدو كالأحياء الفقيرة حيث تكون أكوام القمامة ملقاة في الشوارع وتنتشر الحفر في كل مكان ولا توجد أرصفة بالشوارع ولا أعمدة إنارة ولا مواقف سيارات كما هو الحال على الجانب اليهودي، وكثيراً ما تطفح البالوعات وتغرق الشوارع.

وتصل الآن الضواحي الإسرائيلية الجديدة على الجانب الفلسطيني من خط التقسيم القديم إلى معظم ضواحي مدينة رام الله في الشمال وبيت لحم في الجنوب. وتحيط أحياء سكنية فلسطينية ضخمة بجيوب كبيرة لضواحٍ إسرائيلية أو العكس. ويصعب على أي مراقب أن يرى إمكانية في فصل هذه المناطق وإعادة تقسيمها.

لقد كان ميرون بنفنيستي نائب عمدة القدس السابق محقاً عندما حذر قبل عشرين عاماً من أن مشروع الاستيطان سوف يكون من الصعب الرجوع عنه في وقت قريب. وقد خسر العديد من الحمائم الإسرائيليين في ذلك الوقت من وجهة نظره المتشائمة. وقد ألف أبا إيبان كتيباً ينتقد فيه وجهة نظر بنفنيستي، ونشر الكتيب مركز السلام في الشرق الأوسط.

لكن بنفنيستي كان على حق. لقد تم تحذير إسرائيل في وقت مبكر من أن المستوطنات تمثل انتهاكاً للقانون، وكانت الولايات المتحدة من بين كثيرين حذروها بذلك، كما شارك في التحذير في خريف 1967 المستشار القانوني بوزارة الخارجية الإسرائيلية، الذي أصبح فيما بعد قاضياً بالمحكمة الدولية في لاهاي.

ورغم أن هذا التحذير قد جاء من داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية، إلا أنه قد تم تجاهل هذا التحذير مثل غيره من التحذيرات، وراحت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة تتوسع في إقامة المستوطنات، إلا أن الصورة قد تغيرت كثيراً الآن، فبعد أن كان الاستيطان يمثل هدفاً قومياً أصبح اليوم أزمة وطنية لإسرائيل. ورغم تراجع اهتمام الإسرائيليين بالضفة الغربية التي باتت تمثل عبئاً عليهم، فإن الخروج منها صعب للغاية
رد
#3
تتمة 3

المستوطنون يمثلون قوة الدفع الرئيسية لفكرة إسرائيل الكبرى



تتحدث هذه الحلقة عن بدايات الاستيطان في الضفة الغربية وهضبة الجولان بُعيد حرب يونيو 1967، وكيف نجحت إسرائيل بخداع الولايات المتحدة من خلال الادعاء بأن المستوطنات الأولى ما هي إلا نقاط عسكرية وليست استيطاناً مدنياً.

ولكن هذه الخدعة سرعان ما انكشفت، حيث اتضحت حقيقة الحركة الاستيطانية المنظمة التي تستهدف تغيير الواقع على الأرض تحقيقاً للأهداف الصهيونية المبيتة.

وعلى الرغم من الإدانة الأميركية المبكرة لبناء المستوطنات، التي أصبحت فيما بعد عقبة حقيقية على طريق تحقيق السلام، إلا أن حركة الاستيطان استمرت بقوة طوال السنوات الماضية، وتحولت إلى كابوس ينغص حياة الفلسطينيين ويقضي على الأمل بتحقيق أية تسوية سلمية.

يقول المؤلف إن معظم المستوطنين اليهود يقيمون في المئة وتسعين مستوطنة المصرّح بها والتي تم بناؤها فوق أراضٍ تمت مصادرتها من ملاك عرب أفراد أو مما يُطلق عليه أرض عامة (أي أرض غير مملوكة لأحد)، رغم أنه من الصعوبة بمكان التمييز بين الأرض الخاصة والأرض العامة في منطقة لا تتوافر بها سجلات رسمية عن ملكية الأرض، وعادة ما تقوم ملكية الأرض على أساس الأعراف والتقاليد القديمة الخاصة بوضع اليد. وبعد حرب 1967 قامت الحكومة العسكرية الإسرائيلية بتفسير الوضع القانوني للأراضي بطريقة تخدم مصالحها.

وقامت بالاستيلاء على مناطق شاسعة تحت ذريعة «الأسباب الأمنية» لتصبح هذه المناطق في نهاية المطاف مستوطنات مدنية إسرائيلية. وعادة ما يفسر الغزاة القوانين بما يخدم مصالحهم، كما كان الحال في أميركا حيث يقول ستيوارت بانر، وهو بروفيسور في جامعة أوكلا إن الهنود فقدوا الكثير من أراضيهم نظراً للتناقض المستمر بين القانون وتطبيقه.

ويضيف المؤلف قائلاً إن المستوطنات الإسرائيلية «المرخصة» الجديدة تشتمل على كل وسائل الحياة العصرية المريحة من فيلات على أحدث طراز ومراكز تسوق ذات تصميمات حديثة تحيط بها الحدائق، بينما تنتشر برك السباحة الخاصة التي تطل على القرى الفلسطينية، حيث لا تزال الصهاريج تجلب لها المياه مرتين في الأسبوع.

وبمرور السنين أصبح واضحاً للزائر أن سكان معظم هذه المستوطنات يشعرون بالاقتناع بأنهم وأحفادهم سوف يبقون بها إلى الأبد. أما في المستوطنات النائية التي من المقرر الآن تفكيكها، وفي المستوطنات «غير المرخصة» فإن أحاديث المستوطنين تكون أكثر مرارة حيث يقول بعضهم: «لقد ألقى بنا النازيون في هذه الأماكن البعيدة، لكنهم لن يستطيعوا اقتلاعنا منها».

وعن أوضاع الضفة الغربية، يقول المؤلف إن معظم مناطقها لا تزال مناطق حرب. فالوجود العسكري الإسرائيلي ملحوظ في كل مكان مع وجود العديد من نقاط التفتيش والأبراج ذات الجدران المضادة للرصاص والتي تطل على القرى الفلسطينية الرئيسية. ولهذه الأبراج فتحات للمراقبة أو لإطلاق النار، وفي أعلاها العديد من الهوائيات الطويلة، وترفرف فوقها أعلام إسرائيلية كبيرة مرفوعة فوق صواري طويلة. وتقبع أمام هذه الأبراج سيارات مصفحة على أهبة الاستعداد لأي تدخل سريع. كما يوجد خلف الجدار الكبير العديد من الجدران الجديدة الأقل ارتفاعاً والتي قام الجيش ببنائها وتمتد بمحاذاة الطرق المحلية، ويمكن استخدامها لإغلاق أي طرق هروب سهلة لسيارات مقاومين محتملين.


مغزى الأعلام الإسرائيلية

ويقول المؤلف إنه في كل مكان على الطريق بين القدس والخليل، وبين القدس ونابلس، يمكن لأي شخص رؤية أعداد كبيرة من الأعلام الإسرائيلية الضخمة، في محاولة لتأكيد السيادة وسط سكان معادين. ويضيف الكاتب: «لم أر مطلقاً مثل هذا العدد من الأعلام في السنوات الماضية. إنها في كل مكان على الطرقات وفي تقاطع الطرق وحول كل مستوطنة، وفوق كل عمود إنارة، وفوق أسوار الأسلاك الشائكة».

وفي كل مكان تقريباً هناك شبكات طرق منفصلة تماماً، شبكة طرق للإسرائيليين فقط، وأخرى للفلسطينيين، مع وجود أنفاق، وطرق علوية تمكِّن الإسرائيليين من قيادة سياراتهم للوصول إلى القدس أو تل أبيب من دون أن يلتقوا أو تقع حتى أعينهم على فلسطيني واحد.

وتعتبر شبكة الطرق المخصصة للإسرائيليين شبكة جديدة وعصرية كما ان الطرق التي يستخدمها المستوطنون تمتاز بأنها طرق رائعة وعريضة وجيدة الإضاءة أثناء الليل. أما الطرق المخصصة للفلسطينيين فهي عادة ما تكون قديمة ومليئة بالحفر.

كما توجد عليها نقاط تفتيش كل عشرين أو ثلاثين كيلومتراً. وعند ساعات الذروة يمكن أن تتعرض السيارات الفلسطينية، ومن بينها سيارات الإسعاف، للانتظار لساعات عند نقاط التفتيش. وقام الإسرائيليون مؤخراً بإنشاء نقاط تفتيش جديدة مصممة بحيث لا يكون هناك أي اتصال مباشر بين الفلسطينيين والإسرائيليين الذين يفحصون أوراق الفلسطينيين من خلال وجود فتحات في أبواب من الفولاذ مستخدمين ماسحات ضوئية مرتبطة بقوائم «المطلوبين».

ويقول المؤلف إنه بالإضافة إلى المستوطنات الـ 190 المرخصة، هناك أكثر من مئة مستوطنة «غير مرخصة» ومع ذلك فإن الحكومة الإسرائيلية تزوّد هذه المستوطنات الأخيرة بكل ما تحتاج إليه من شبكات مياه وخطوط كهرباء وطرق أسفلت للوصول إليها. وتظل كيفية حدوث كل ذلك مسألة يكتنفها الغموض. ولكن لا بد وأن مجموعة من السياسيين والمسؤولين وشركات العقارات والحكام العسكريين المتعاطفين، والعديد منهم مستوطنون يقيمون في مستوطنات قريبة، قدموا يد المساعدة لهذه المستوطنات غير المرخصة.

كما تقوم الدولة بدور مساعد أيضاً، حيث تخصص مجموعة من أربعة أو خمسة جنود لحماية كل مستوطنة، سواء كانت مرخصة أو غير مرخصة، وتُحاط كل هذه المستوطنات بثلاثة أسوار عالية من الأسلاك الشائكة مجهزة بأضواء كاشفة قوية وأجهزة إنذار الكترونية. وفضلاً عن ذلك، فإن كل شيء في دائرة يبلغ نصف قطرها 300 أو 400 متر من المستوطنة يُعتبر «منطقة أمنية خاصة» ويتم تحذير الفلسطينيين بعدم الاقتراب منها أو دخولها.


تحرشات متكرِّرة

ثم هناك بعد ذلك المستوطنات الأصغر، أو ما يُطلق عليها تعبير «النقاط المتقدمة» وعادة ما يقيم فيها شباب على درجة كبيرة من العنف ومسلحين تسليحاً كاملاً، يتحرشون في أغلب الأحيان بالمزارعين الفلسطينيين المجاورين لهم بهدف إرغامهم على الابتعاد والرحيل. وفي حالات عدة يتعرض المزارعون للضرب ويتم حرق خيامهم وأكواخهم.

وقال مزارع فلسطيني يقيم في أحد التلال جنوب الخليل للمؤلف إن المستوطنين رشوا سم فئران في حظيرة للأغنام والماعز، كما قاموا بتخريب أرضه بالبلدوزر لإتلاف محصوله من الخضروات والعلف. كما يتعرض الأطفال الذين يتوجهون إلى مدارسهم في قرية مجاورة سيراً على الأقدام إلى مضايقات يومية.

وأكد متطوعون من جماعات حقوق الإنسان من السويد وولاية شيكاغو الأميركية للمؤلف الرواية التي حكاها المزارع. كما قالوا له إنهم يرافقون الأطفال في رحلتهم اليومية إلى مدارسهم.

وقد ذكرت مجموعة «بيتسيلم» الإسرائيلية لحقوق الإنسان العديد من الحالات المماثلة في تقريرها لعام 2005. وتم إبلاغ الشرطة، إلا أنه لم يتم توجيه أي اتهامات لهؤلاء المستوطنين.

كما انتقد تحقيق رسمي أجرته وزارة العدل الإسرائيلية السلوك العدواني لهؤلاء المستوطنين، وطالب بتفكيك المستوطنات غير المرخصة والنقاط المتقدمة، ولكن لم يتم اتخاذ أي إجراء بهذا الشأن.


تكلفة إخلاء باهظة

يرى المؤلف أن إقناع 70 ألف مستوطن يقيمون في مستوطنات معزولة أو «غير مرخصة» بالانتقال إلى أماكن أخرى سوف يكون أمراً صعباً، إلا أن الكثيرين يرون أنه أمر ممكن. وقد تزيد تكلفة الإخلاء عشر مرات عن تكلفة إجلاء سبعة آلاف مستوطن من غزة أو ما يتراوح بين 15 ـ 20 مليار دولار. ومن المتوقع حدوث تظاهرات عاصفة للمستوطنين، ولكن إذا ما حدث الإخلاء، فإنه سيصبح قابلاً للتطبيق سياسياً ويرجع ذلك إلى الموقف الأخير لشارون الذي أصبح شعاره «هتكانسوت» (التقارب) قبل أن يُصاب بسكتة دماغية، جزءاً من إجماع أكبر من أي وقت مضى منذ عام 1967. وحتى في مستوطنة «بيت ـ آري» على تلال نابلس المطلة على الشريط الساحلي الإسرائيلي الضيق، سوف يتم إخلاؤها، وفقاً لمصادر إسرائيلية أحاطت مؤلف هذا الكتاب علماً بذلك.

وقبل ذلك ظل شارون لسنوات مدافعاً شرساً عن مشروع الاستيطان، واعتاد على مرافقة كبار الشخصيات من الأجانب إلى الضفة الغربية ليشرح لهم أسباب استحالة تخلي إسرائيل عنها. ومن بين هؤلاء كان جورج دبليو بوش، عندما كان لا يزال حاكماً لولاية تكساس، الذي أخذه شارون في جولة بمروحية فوق العديد من المستوطنات واستمع إلى حجج شارون بعدم إمكانية إزالة المستوطنات، وقيل إنه رد على شارون قائلاً: «إنني أتفهم ذلك. إن إزالة هذه المستوطنات سيكون عملاً جنونياً».

ونتيجة لتطور أفكار شارون، والتغير الذي طرأ على سياسته تجاه المستوطنات، تراجع الفكر القديم لليمينيين المتشددين، بل إن الليكود القديم الذي انفصل عن شارون، قبل أسابيع قليلة من إصابته بسكتة دماغية، عانى من ضعف حاد وتراجعت شعبيته في الانتخابات الأخيرة ليصبح مجرد حزب هامشي لديه تسعة نواب فقط في الكنيست.

ويرى المؤلف أن إسرائيل تبدو الآن وقد أصبحت تنتهج أسلوب الوسط، لا يمين ولا يسار. وأصبح من النادر الآن سماع أصوات المؤيدين العلمانيين لإسرائيل الكبرى، بعد أن كانت أصواتهم هي السائدة قبل ذلك.

أما المتظاهرون الذين خرجوا للشوارع احتجاجاً على الجلاء من غزة قبل أشهر عدة، فقد كانوا جميعاً تقريباً من المستوطنين والمتشددين الدينيين.

ويرى عدد من المحللين الإسرائيليين أن قوة الدفع الأيديولوجية لفكرة إسرائيل الكبرى أصبحت تأتي الآن بصورة أساسية من المتشددين الدينيين المقيمين في المستوطنات، رجال مهووسون بمعتقدات دينية تعود إلى العصر البرونزي، وتعني الحدود بين الرؤية الدينية وبين الواقع السياسي بالنسبة لهم حدوداً غير منطقية ولا مقبولة، وهذه الرؤية هي التي جعلتهم يفوزون بتسعة مقاعد فقط. وكل هذه التطورات تعكس تحولاً سياسياً واضحاً. فقد فقدت مشاريع الاستيطان تأييد أغلب الناخبين الذين باتوا يؤيدون الأحزاب التي لديها الاستعداد للتخلي عن المستوطنات.

ويقول المؤلف إن جهوداً كهذه كانت توصف في الماضي بأنها ستقود إلى مستنقع من المشكلات، إلا أن الاعتدال حل الآن محل التهور والاندفاع، والحجج والبراهين التي جعلت من المعارضين لهذه الأفكار يبدون كالمنبوذين أصبحت الآن واضحة ويتم التعبير عنها بصوت مرتفع، بعد أن كان يتم التعبير عنها، في بعض الأحيان، همساً. ويرى هؤلاء أنه في حالة الإبقاء على الضفة الغربية، فإن على إسرائيل إما أن تكف عن أن تكون دولة ديمقراطية، أو ألا تبقى دولة يهودية.


خداع النفس

ويقول المؤلف إن القادة الإسرائيليين خدعوا أنفسهم قبل أن يخدعوا مواطنيهم عندما تجاهلوا تحذيرات منذ البداية من خطورة إطلاق مشروع الاستيطان. والمثال على ذلك أنه في بداية شهر سبتمبر 1967، أي بعد ثلاثة أشهر من حرب يونيو، اهتم رئيس الوزراء الإسرائيلي في ذلك الوقت ليفي أشكول بمنح موافقته الأولى لبناء المستوطنات في الضفة الغربية ومرتفعات الجولان.

وقد سُئل المستشار القانوني لوزارة الخارجية ثيودور ميرون «هل يسمح القانون الدولي بإنشاء مستوطنات في الأراضي المحتلة الجديدة؟» رد ميرون بصورة لا تقبل الالتباس: «إن رأيي بإنشاء مستوطنات سكانية في الأراضي التي تحت الإدارة الإسرائيلية يتناقض تناقضاً بيِّناً مع ما نصّت عليه اتفاقية جنيف الرابعة».

ومن خلال الآراء التفصيلية التي أرفقت بهذه الملاحظة، أوضح ميرون أن هذه الاتفاقية التي كانت إسرائيل أحد الموقعين عليها، تمنع إدارة الاحتلال من تهجير أي جزء من سكانها. كما أبدى ميرون ملاحظاته على الحجة السياسية الإسرائيلية القائلة إن الضفة الغربية لا تنطبق عليها صفة الاحتلال لأن وضعها لم يكن مؤكداً، فحدودها مع إسرائيل كانت أحد خطوط النار، وقد قام الأردن بإلحاقها به بصورة منفردة.

ورفض ميرون هذه الحجة لسببين: أولهما سبب دبلوماسي، فالمجتمع الدولي لن يقبل بهذه الحجة، وسيعتبر الاستيطان بمثابة النية الإسرائيلية لإلحاق الضفة الغربية بها، والثاني سبب قانوني حيث إن إجراءات إسرائيل هذه لا تتماشى مع ادّعائها بأن الضفة الغربية هي ليست منطقة احتلال.. والدليل على ذلك القرار العسكري الإسرائيلي الذي صدر في اليوم الثالث لحرب يونيو والذي يدعو المحاكم العسكرية في الضفة الغربية إلى الالتزام باتفاقية جنيف.

فإذا كانت إسرائيل تتعامل مع الضفة الغربية على أنها منطقة احتلال، تكون إسرائيل قد اعترفت بواقع الحال، وهو أمر له أهمية العملية، فإذا كانت الأرض محتلة، فإن العرب الذين يعيشون فيها ليسوا ملزمين بالاندماج في النظام الإسرائيلي، وذلك على النقيض من العرب في إسرائيل الذين أصبحوا مواطنين.

ويقول المؤلف إن ليفي أشكول وقادة إسرائيليين آخرين أدركوا أن منح الجنسية لسكان الضفة الغربية وقطاع غزة سوف يحول إسرائيل وبإيقاع سريع إلى دولة ثنائية الهوية. وفي الحقيقة فإن مذكرة ميرون كانت تهدف إلى إبلاغ أشكول بأنه لا يستطيع تحقيق كل من النتيجتين، فإن كانت الضفة الغربية لسكانها العرب عندئذٍ لا يسمح القانون الدولي أو العرف الديمقراطي لإسرائيل باستيطان اليهود فيها، ومع ذلك فقد أشارت المذكرة إلى السماح بالاستيطان العسكري الذي يُعتبر مؤقتاً، وليس مدنياً.

وقد استغل أشكول هذه الملاحظة، حيث أبلغ بعد أسبوع من تسلّمه المذكرة مجلس الوزراء بأن مستوطنة «كفار عتسيون» سيُعاد بناؤها في جانب أحد فروع الجيش المسمى «ناحال» الذي أقام نقاطاً أمامية شبه عسكرية. وبنهاية سبتمبر وصل المستوطنون إلى «كفار عتسيون» وكانوا يوصفون في الظاهر بأنهم من الناحال، وفي الواقع كانوا من المدنيين. وبذلك استخدم أشكول الحيلة والخديعة لتفسير مذكرة ميرون. إلا أن ذلك عكس مدى الثقة الخاطئة بإمكانية تجنب الإشكالات الدبلوماسية القانونية والعرقية لقضية المستوطنات.

وبعد ذلك، وبعد مرور وقت ليس بالطويل، تم إنشاء مستوطنات على أراضٍ احتلت بعد عام 1967، ومرة أخرى عاد القانونيون الإسرائيليون ومناصروهم إلى التحذير من عواقب ذلك. وبمرور السنين أصبح هناك نحو ربع مليون إسرائيلي يقيمون في الضفة الغربية.

ويقول المؤلف إنه مع سماح السلطات الإسرائيلية باستمرار الاستيطان، بدا واضحاً التناقض بين إبقاء الفلسطينيين تحت الاحتلال العسكري، وتمتع المستوطنين بحقوق المواطنة الإسرائيلية حتى لمجموعات يمين الوسط. ومن هنا سيبدأ التحوُّل في السياسة الإسرائيلية.


المستوطنات والموقف الأميركي

ويعود الكاتب بنا إلى سبتمبر 1967 عندما سمعت الولايات المتحدة عن موافقة إسرائيل على بناء أول مستوطنة في الضفة الغربية. حينئذٍ انتقد المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية مثل تلك الخطوة وقال إنها تتعارض مع جهود التفاوض بشأن مستقبل الأراضي. وباللغة الدبلوماسية، كان ذلك يعني توبيخاً قاسياً. ورداً على ذلك زعمت إسرائيل أن المكان هو مجرد نقطة مراقبة عسكرية مؤقتة.

وفي الربيع التالي، ومع انكشاف هذه المزاعم، طلبت وزارة الخارجية الأميركية من سفارتها في تل أبيب تذكير المسؤولين الإسرائيليين بأن واشنطن «تعارض معارضة دائمة بناء أية مستوطنات» وبأن هذه المستوطنات، من وجهة النظر الأميركية، تمثل انتهاكاً للقانون الدولي. وتم إرسال رسالة بهذا الخصوص بالبريد وليس بالبرق، كما لو أنها رسالة عادية وغير عاجلة. وفي وقت وصول الرسالة، كان المستوطنون قد انتقلوا بالفعل داخل مدينة الخليل بالضفة الغربية.

ويطرح المؤلف السؤال التالي: لماذا لم تواصل واشنطن قوة الدفع تجاه هذه القضية؟ أحد الأسباب، على حد قول مسؤول أميركي فيما بعد، هو أن الولايات المتحدة كانت تواجه مشكلات أخرى على الجانب الآخر من الكرة الأرضية. وتكمن هذه المشكلات في المستنقع الفيتنامي الذي أحدث ورطة عسكرية راحت تستنزف طاقة الإدارة الأميركية تجاه أية قضايا أخرى تتعلق بالشؤون الخارجية.

وكان هناك سبب آخر ـ خاصة خلال أعوام نيسكون ـ كيسنجر ـ وهو أن واشنطن صنفت الصراع الإسرائيلي ـ العربي على أنه يأتي ضمن إطار الحرب الباردة.

وبعد سنوات لاحقة، وبعد انتهاء الحرب الباردة، تصدى جورج بوش الأب للقضية، حيث ربط ضمانات القروض لإسرائيل بتجميد الاستيطان. ونظراً لأن بوش تناول القضية بطريقة خرقاء، فإن هذا التصدي أضرّ به داخلياً. وبعد ذلك جاء بيل كلينتون الذي اقتنع بترك القضية تتقدم في عملية أوسلو، من خلال التركيز من جديد على المفاوضات، إلا أنه خلال فترة رئاسته وصل عدد المستوطنين إلى الضعف تقريباً.

ومع وصول جورج بوش الابن إلى السلطة، عادت قضية المستوطنات إلى نقطة البداية مرة أخرى، حيث سرعان ما تورط بوش في الحرب على الإرهاب التي حلّت محل الحرب الباردة كمفهوم تنظيمي يعفي الإدارة الأميركية من التصدي لقضايا الشؤون الخارجية الملحة، ثم تورط بعد ذلك في المستنقع العراقي الذي يستنزف الطاقات الأميركية
رد
#4
تتمة 4

حرب 67 تفرز نوعية من المستوطنين المتطرفين والمتعصبين دينياً



يتحدث مؤلف الكتاب في هذه الحلقة عن المستوطنين الجدد من اليهود بعيد عام 1967 الذين حاولوا تقليد الرواد الأوائل من المستوطنين ولكن بحماسة أقل نظراً لأن الشباب اليهود بدأوا يشعرون بأن المشروع الاستيطاني فقد بريقه وروح المغامرة اللذين كانا يستقطبان هذه الشريحة من المهاجرين إلى إسرائيل.

ويشير المؤلف إلى أن المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية وجد تشجيعاً من جميع الحكومات الإسرائيلية وحتى من الجمهور الإسرائيلي الذي لم يكن يصوّت للأحزاب السياسية التي تطرح برامج مناهضة لذلك المشروع. وعلى الرغم من أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كانت تضع قيوداً شكلية على الاستيطان إلا أنها كانت تتجاهل تطبيقها وتدعم في الخفاء بناء المستوطنات ومصادرة الأراضي الفلسطينية بذرائع واهية.

يقول غورنبرغ إن العالم شهد بمختلف مناطقه خلال فترة ما بعد عام 1967 معاناة الشباب الذين ساهموا في تأسيس اليسار الجديد من عقدة عدم الشرعية وانتاب شعور بخيبة الأمل هؤلاء الشباب الذين نشأوا في أجواء مضطربة على حكايات آبائهم حول بطولات اليسار القديم.

وبالمثل نشأ طلاب المدارس في إسرائيل على حكايات بطولات المؤسسين الأوائل لإسرائيل بينما كانت حياتهم الشخصية تتسم بالنعومة.

ومع حلول الستينات كان هؤلاء قد كبروا وانطفأ وهج التحديات الباكرة وحل محل الدراما الصهيونية أخبار إسرائيل العادية ما أدى الى شعور في أوساط الشباب بان إسرائيل لم تعد تقدم لهم مغامرات الآباء الأسطورية.

وفي الحقيقة كما يقول مؤلف الكتاب فان الهجرة لم تتوقف إلى إسرائيل خلال تلك الفترة لكن الآلاف من الشباب الإسرائيليين بدأوا في ترك إسرائيل لمستقبل أفضل في دول أخرى وبصفة خاصة في الولايات المتحدة الأميركية.

يقول غيرشوم غورنبرغ انه بعد حرب يونيو 1967 اكتشف الكثير من الشباب الإسرائيلي «الصهيونية الجديدة» بنفس القدر الذي اكتشف فيه الشباب في أماكن أخرى «اليسار الجديد» إلا أن أنصار الصهيونية الجديدة في إسرائيل لم يتحلوا بالثورية بل كانوا راديكاليين، واعتبروا أنفسهم أتباعا للرواد الصهاينة الأوائل وعلى خطى نموذجهم الأعلى اختار معظمهم زراعة الأراضي الجديدة حيث لم تكن الزراعة مجرد وسيلة للعيش فحسب بل رسالة قومية.

ويرى غورنبرغ أن حرب يونيو 67 أوجدت تلاحما جديدا بين الوطنية الإسرائيلية والتعصب الديني مما افرز في النهاية عصبة من المستوطنين الذين يتميزون بالتعصب الحاد إلا أن المتعصبين الدينيين لم يكونوا وحدهم الذين أقاموا المستوطنات في الأراضي التي تم احتلالها بعد حرب 67 فقد انتقل إلى تلك الأراضي الكثير من الإسرائيليين.

وكان قسم كبير من أولئك المستوطنين مهاجرين جددا جاءوا إلى إسرائيل من أماكن متفرقة وخاصة من الاتحاد السوفييتي وما كانوا يميزون بين أرض إسرائيل نفسها وبين الأراضي التي تحتلها.

ويرى الكاتب أن جميع الحكومات الإسرائيلية شجعت في الواقع الاستيطان كما شجعه معظم الإسرائيليين. وخلال جميع الانتخابات التي جرت بعد عام 67 طرحت على الإسرائيليين خيارات متعددة لبرامج أحزاب مناهضة للمشروع الاستيطاني إلا أنهم لم يصوتوا لها وقاموا بدلا من ذلك باختيار الحكومات المؤيدة له والتي تصرفت ضد مصلحة إسرائيل في النهاية.


استراتيجية الاستيطان

يقول غورنبرغ إنه على الرغم من أن الحركة الصهيونية تدعو منذ زمن طويل للاستيطان إلا أنها كانت تخشى على الدوام من رادع واحد يتمثل في كون الاستيلاء على المزيد من الأرض قد يؤدي إلى حدوث تهديدات سكانية حادة ولهذا السبب تبنت الحركة استراتيجية أساسية تقوم على أساس «الحد من الأرض مع الحد الأدنى من العرب، وكان معظم منظريها يفضلون مبدأ الاحتفاظ بأغلبية يهودية قوية في الأراضي الخاضعة للسيطرة اليهودية على حكم مساحات أكبر يقيم فيها العرب.

ورغم أن غورنبرغ لا يوضح بشكل دقيق السبب الذي جعل الكثير من الإسرائيليين يتخلون عن هذه الاستراتيجية بعد حرب الأيام الستة، فإنه من الواضح أن هناك عوامل أخرى وراء هذا التوسع الاستيطاني تتجاوز الاعتبارات الاستراتيجية، ربما من بينها الجشع الاستعماري والتطرف الديني.

إلا أن الكاتب يستطرد قائلاً: إن المستوطنات ألحقت في النهاية الضرر بالفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء، فقد ابتلعت هذه المستوطنات أموالاً هائلة كان يمكن إنفاقها على تحسين الخدمات الاجتماعية داخل إسرائيل. وكان من نتيجة هذا الإنفاق تدني مستوى الخدمات التعليمية والصحية في إسرائيل مؤخراً.

كما يرى أن انتهاكات حقوق الإنسان المستمرة في الأراضي المحتلة قد أحدثت تحولاً في المجتمع الإسرائيلي وطبعته بطابع القسوة والوحشية إضافة إلى أنها أساءت إساءة بالغة بصورة إسرائيل في العالم، كما عمقت الصدامات على نحو خطير بين اليهود والعرب، وقد نجم عن تلك الانتهاكات الانتقامية الإسرائيلية التي راح ضحيتها الألوف من الفلسطينيين والإسرائيليين معاً.


كسر المحرمات

يقول المؤلف إنه منذ عام 1967 تزايد عدد الإسرائيليين الذين باتوا يدركون مغبة الاحتلال، ولعل ذلك هو السبب الذي دفع أغلبية الإسرائيليين إلى تأييد خطوة ارييل شارون الدرامية بالانسحاب من غزة من طرف واحد، وهي الخطوة التي يمكن أن تسجل في التاريخ كمنطلق لإعادة الحياة للعملية السلمية، أو كاستراحة قبل المعركة المقبلة.

فقد كان هذا الانسحاب أحادي الجانب من قطاع غزة بمثابة إجراء يتخذه جنرال يسحب قواته تحت إطلاق النار، وليس عملية يلجأ إليها سياسي لتحقيق السلام.

إلا أن ذلك الانسحاب كان في الواقع أول عملية إخلاء لمستوطنات أقيمت فوق ما يعتبر أرض إسرائيل التوراتية، ولعل كسر ذلك التحريم المشدد سوف يسجل كإنجاز لشارون قد يكون هو الوحيد بعد سلسلة من الجرائم والأخطاء الكبرى التي اقترفها وهو في خضم اندفاعه وتهوره السياسي والعسكري.

ولكن إذا كان لتفكيك المستوطنات اليهودية في غزة من أهمية فإن ذلك يكمن في احتمال كونه الخطوة الأولى على طريق العودة إلى الواقعية التي تخلت عنها إسرائيل بعد حرب يونيو 67. وقد يتلوه انسحاب آخر من الضفة الغربية رغم أنه من غير المنظور أن تختفي بعض المستوطنات، خاصة تلك التي تقع حول القدس.

وليس من المتوقع أن تؤدي مثل هذه المستجدات إلى وضع حل للصراع، إلا أنها قد تجعل الحياة سهلة إلى حد ما بالنسبة لكل من الفلسطينيين والإسرائيليين، على حد قول الكاتب.

وعلى الإسرائيليين أن يشكروا شارون على أنه استطاع أن يقنعهم بأن الانسحاب من المستوطنات كان أقل إيلاماً مما كانوا يتوقعون.


تجميع الشتات اليهودي

وعودة إلى الفكر الاستيطاني، يقول المؤلف انه في أعقاب حرب يونيو 67 أقيمت لإسرائيل فرصة نادرة لتطبيق هذا الفكر. فما إن وضعت الحرب أوزارها، وتم لإسرائيل احتلال بقية الأراضي الفلسطينية، حتى رسمت خططاً عاجلة لتجميع شتات اليهود في مختلف أنحاء العالم واستيعاب العديد من المهاجرين في الأراضي المحتلة.

ومن هنا انطلق المشروع الاستيطاني بمختلف أنحاء الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة رغم معارضة عدد كبير من الأكاديميين والمثقفين والصحافيين الإسرائيليين. وعاماً بعد عام تزايد عدد هذه المستوطنات ليصل إلى ما يقرب من 200 مستوطنة.

لم يأت إنشاء هذه المستوطنات في مواقع معينة عبثاً، بل جاء ضمن مخططات مدروسة بعناية لتحقيق الأهداف الاستراتيجية الإسرائيلية للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، والضغط على التجمعات السكنية الفلسطينية لكي تصبح هذه التجمعات في النهاية عبارة عن جيوب صغيرة أو كانتونات مغلقة وسط المحيط الإسرائيلي المتمثل في جيوش المستوطنين الذين أقاموا في هذه المستوطنات.

وتميل هذه المستوطنات إلى الانتشار مع التركيز، أي أنها تنتشر على جميع الأراضي الفلسطينية، إلا أن هناك تركيزاً في بعض المناطق، خصوصاً بالقرب من التجمعات الفلسطينية الكبيرة. وقد أقيمت هذه المستوطنات تحت تبريرات وادعاءات مختلفة منها ادعاءات دينية وادعاءات بملكية سابقة قبل عام 1948 وادعاءات استراتيجية.

ومنذ البدايات الأولى تم التخطيط لإقامة المستوطنات بهدف خلق حاجز لمنع التواصل الجغرافي بين الفلسطينيين، وخلق جدار امني بين الفلسطينيين والشبان الإسرائيليين داخل الخط الأخضر، وتجزئة الأراضي الفلسطينية وإعاقة التواصل الجغرافي.

وقد بنيت المستوطنات الإسرائيلية بناء على خطة ألون التي تقضي بالسيطرة على منطقة غور نهر الأردن الذي يمثل الحد الشرقي للضفة الغربية.


إمبراطورية بالصدفة

يقول المؤلف إن الانتصار الكبير غير المتوقع في يوليو 67 حقق لإسرائيل مجداً مفاجئاً وإمبراطورية جاءتها بالصدفة. إلا أن هذا الانتصار فرض على إسرائيل تحديات جديدة تتلخص في الطبيعة التي سيكون عليها مستقبل الأراضي المحتلة، وعلاقة إسرائيل بالشعب الذي وجد نفسه بين عشية وضحاها يعيش تحت حكمها. كما أدت الحرب إلى خلق حالة من الشلل السياسي والجمود الدبلوماسي.

وعندما سأل ليندون جونسون «ما الطبيعة التي تريد أن تكون عليها إسرائيل»، لم يتمكن ليفي أشكول من الإجابة.

لم يحاول جونسون، الذي كان حليفاً أساسياً لأشكول، الضغط للحصول على إجابة قاطعة، حيث إن اهتمامه كان مركزاً على قضايا أخرى داخلية ودولية، ورأى أنه من الأسهل تجنب اتخاذ القرارات، ومن الأفضل الإبقاء على هذه القرارات غامضة الصيانة قدر الإمكان.

يقول المؤلف إن جيل الرواد الإسرائيليين اكتشف بعد حرب يونيو 67 أن هذه الإمبراطورية التي جاءت بمحض الصدفة قد منحتهم الفرصة للعودة إلى الأساليب التي كانوا يتبعونها أيام الشباب، عندما كان الاستقلال اليهودي مجرد حلم وليس واقعاً معقداً. فقد محت الحرب مشروع تقسيم فلسطين وضغوط الهدنة لعام 1949، أو هكذا بدا لأولئك الذين قبلوا هذه الخطوط. ومرة أخرى.

سوف يتعين رسم حدود جديدة وفقاً لمعطيات الواقع، وسوف يقوم الشباب من جديد ببناء الكيبوتسات، وسيظهر حل بقضية التعامل مع الفلسطينيين، حيث ستحافظ موجة جديدة من المهاجرين على الأغلبية اليهودية بإسرائيل، أو سيضطر لاجئو غزة إلى الهجرة، أو ربما سيؤدي تحسين مستويات المعيشة إلى إقناع الفلسطينيين بقبول العيش تحت الحكم الإسرائيلي، أو سيتم التخلي عن أجزاء مكتظة بالسكان من الأرض المحتلة مقابل السلام، بينما ستتم إقامة المستوطنات في المناطق غير المكتظة بالسكان.

إلا أن هذه الأحلام الوردية للمناصرين الأوائل لمشروع الاستيطان لم تتجسد على أرض الواقع، إذ لم ترتفع المئات من الكيبوتسات الجديدة عن سطح الأرض. ورغم مخططات إدارة الاستيطان، لم ينتقل عشرات الآلاف من الإسرائيليين إلى المنطقة المجاورة لنهر الأردن أو إلى مرتفعات الجولان.

وبحلول 17 مايو 1977، وعلى الرغم من وجود نحو ثمانين مستوطنة إسرائيلية في الأرض المحتلة، فإن عدد سكانها لم يزد كثيراً عن 11 ألف مستوطن. وكان معظم الإسرائيليين الذين يقيمون وراء الخط الأخضر ينتشرون في بلدان عديدة، وهذه الأرقام لم تتضمن القدس الشرقية التي كانت تعتبرها إسرائيل جزءا من الدولة. وقد اجتذبت الأحياء الجديدة هناك 40 ألف إسرائيلي أو أكثر عبر حدود الهدنة قبل 67.

ومع ذلك، فإن هذه الأرقام هي مجرد جزء من القصة، فقد شهد العقد الأول، تحت حكم العمل، كسراً للحدود وفتحاً للطريق أمام بناء المستوطنات، وهو الطريق الذي واصلته حكومات اليمين. ولم يكن الخط الأخضر هو الوحيد الذي تم محوه من فوق الخريطة، فقد أصبحت الحدود بين ما هو قانوني وغير قانوني غامضة.

فقد سعى ليفي أشكول إلى التمويه على بناء المستوطنات والزعم بأنها مجرد نقاط عسكرية، بينما منح إيغال آلون دعمه السياسي واللوجيستي لأول دفعة من المقيمين في مستوطنات غير مرخصة في مرتفعات الجولان والخليل، ليكون ذلك بمثابة مسابقة يسير عليها شيمون بيريز الذي قدم دعمه للمقيمين بمستوطنتي إفرات وألون موريه، ويسير عليها مسؤولون جاءوا بعد ذلك وواصلوا تقديم الدعم للمستوطنات غير المرخصة.

ويقول المؤلف إن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة كانت تضع القيود على الاستيطان ثم تتجاهل تطبيقها. فخلال الأشهر الأخيرة من حكومة رابين اندفع المسؤولون لبناء مستوطنات بالقرب من الخط الأخضر بامتداد خاصرة إسرائيل النحيلة، مقابل المدن الإسرائيلية الكبرى.

كما وعد حزب العمل بتصعيد بناء المستوطنات إذا ما احتفظ بالسلطة. وفي الوقت ذاته، حققت حركة غوش ايمونيم موطئ قدم لنفسها بالقرب من المدن الفلسطينية، وذلك بمساعدة بعض المسؤولين وتغاضي الآخرين. وكانت الحكومة مجرد جهاز واحد بين العديد من الأجهزة التي تحدد أماكن استيطان الإسرائيليين.


صدمة الهزيمة

يقول المؤلف إن الأمر الذي يدعو للاستغراب هو أن صدمة الهزيمة في أكتوبر 1973 أدت إلى ظهور حركة غوش إيمونيم على سطح الأحداث. وغوش إيمونيم هي حركة منظمة كرست نشاطها للتغلب على الشكوك التي عانى منها الإسرائيليون بعد الهزيمة وذلك من خلال الأنشطة العنيفة. واعتنق ناشطوها قضية الاستيطان كأسلوب لتنفيذ هذه الأنشطة، وراحوا يبرهنون على إنهم الورثة الشرعيون للصهيونية العلمانية.

وفي بداية الأمر حصل المستوطنون الدينيون في كفار عتصيون والخليل على دعم قادة حزب العمل، خاصة ألون. وفي وقت لاحق قدم السياسيون في اليمين مساندتهم لتمرد هذه الحركة ولم يفهم العلمانيون اليساريون ولا اليمينيون النظرية اللاهوتية لشركائهم أو الطاقة التي يساعدونهم على إطلاقها.

وبحلول عام 1977 أصبحت هناك نوعيات جديدة من المجتمعات على استعداد لاستقطاب أعداد أكبر من الإسرائيليين واجتذابهم للإقامة في الأراضي المحتلة. وكانت «المستوطنات المجتمعية» بمثابة البذرة لضواحي أكبر بالقرب من المدن الإسرائيلية.

وفي الوقت ذاته ظل الفلسطينيون تحت الحكم العسكري بدون نيل أي حقوق سياسية. وأصبحوا جزءاً من الاقتصاد الإسرائيلي، حيث كانت الأراضي المحتلة تزود إسرائيل بالعمالة الرخيصة، وأصبح سكان هذه الأراضي مشترين للبضائع والسلع الإسرائيلية. فيما كان المستوطنون الذين يعيشون بجوارهم يتمتعون بحقوق المواطنة الإسرائيلية.

وهذا النظام القانوني والسياسي الثنائي في الأرض المحتلة جعل إسرائيل دولة مختلفة عما كانت عليه قبل 67. وفي الوقت الذي تعمقت رغبة إسرائيل في محو الخط الأخضر، فإن المستوطنات أصبحت هي الأخرى تمثل عودة للصراع العرقي على الأرض بكاملها. فمن زاوية، كانت المستوطنات تمثل المشروع الاستيطاني لدولة ذات سيادة، ومن زاوية أخرى كانت تمثل عودة للنضال قبل قيام الدولة. ومن كلا الزاويتين فقد أثار هذا المشروع النزعة القومية الفلسطينية.

وقد ساهم الدور الأميركي في تعزيز مشروع الاستيطان، حيث كانت الولايات المتحدة في ذلك الوقت الذي شهد ذروة الحرب الباردة والاستقطاب العالمي مشتتة الفكر، وكان الرد الدبلوماسي الأميركي على أي تطور يستغرق الكثير من الوقت حتى أنه يصبح لا معنى له عندما يأتي بعد تغير الأوضاع على أرض الواقع، وعندما بدأت واشنطن تولي اهتماماً بالمستوطنات كقضية دبلوماسية كانت هذه المستوطنات قد نجحت في تغيير خريطة الأرض المحتلة
رد
#5
تتمة 5

المشروع الاستيطاني الإسرائيلي يهدف إلى تغيير الواقع على الأرض الفلسطينية



يشير المؤلف في هذه الحلقة إلى أن الغرض الأساسي الذي أرادته إسرائيل من وراء الاستيطان هو تغيير الواقع على الأرض بهدف تحقيق مكاسب لدى تحديد الوضع النهائي للأراضي الفلسطينية المحتلة في أية مفاوضات سلام محتملة بين إسرائيل والفلسطينيين.

غير أن غورنبرغ يرى أن مشروع الاستيطان لم يحقق في النهاية توقعات المناصرين له رغم مرور قرابة أربعة عقود على انطلاقته ورغم وصول عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية إلى 250 ألف بالإضافة إلى 180 ألفا آخرين يقيمون في القدس الشرقية. هذا ناهيك عن وجود 160 ألف مستوطن في هضبة الجولان السورية المحتلة.

المعضلة الرئيسية التي تواجه إسرائيل فيما يتعلق بالاستيطان هي أنه أوجد وضعاً أشبه بوضع البوسنة من حيث التداخل العرقي على الأراضي المحتلة ولم يحقق التفوق العددي لليهود على الفلسطينيين الذين يتكاثرون بوتيرة سريعة تقلق الساسة الإسرائيليين.

يقول المؤلف إنه بمرور السنين تزايد عدد المستوطنات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية. ويشتق الوضع القانوني لهذه المستوطنات من وضع الأراضي التي تم احتلالها خلال أعمال حربية. وعندما أقام المستوطنون في قطاع غزة والضفة كانوا يدركون إدراكا تاما بأنهم يقيمون فوق أرض احتلتها إسرائيل خلال أعمال حربية.

ووفقاً لهذا المنظور القانوني، طرحت حكومة إسرائيل رؤيتها أمام المحكمة العليا الإسرائيلية في ربيع 2005، وراحت تدافع عن موقفها بتفكيك جميع المستوطنات الإسرائيلية في قطاع غزة وأربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية.

وقال محامو الدولة إن المستوطنين الذين لجأوا إلى المحكمة للاعتراض على شرعية ذلك القرار يدركون إدراكا تاماً منذ البداية ان الحكومة والكنيست لديها السلطة لإخلاء المستوطنات المذكورة أو إنهاء احتلال الأراضي.

وأشاروا إلى أن الدولة عندما قامت بحكم الضفة الغربية وقطاع غزة لمدة 38 عاماً، فقد كانت طبيعة هذا الحكم مؤقتة. وقد أبقت إسرائيل على سلطاتها على هذه الأراضي بشكل مؤقت إلى حين ان يتم حل وضع الأراضي إما من خلال اتفاق دبلوماسي أو أي أن تختار إسرائيل من جانب واحد الانسحاب من هذه الأراضي.

وقالت الحكومة إن توطين الإسرائيليين فوق أرض محتلة كان أمراً مسموحاً به، لأن المستوطنات لا تعني الإقامة الدائمة وانها معرضة دائما للتفكيك في أي لحظة. وهذا الموقف الحكومي يمثل تكراراً لموقف مماثل اتخذته الدولة أمام المحكمة في عام 1978.


تغيير الواقع السياسي

ومع ذلك، فإن الغرض من الاستيطان منذ الأيام الأولى من شهر يوليو 1967 عندما ترجل أول مستوطن إسرائيلي من سيارة جيب في المرتفعات السورية، كان لخلق حقائق من شأنها ان تحدد الوضع النهائي للأرض، وتغيير الواقع السياسي قبل أن تبدأ المفاوضات بشأنها.

ويقول المؤلف إنه بحلول صيف 2005، أي بعد نحو أربعة عقود على بدء المشروع الاستيطاني، أصبحت هذه الحقائق تشتمل على نحو 250 ألف إسرائيلي يقيمون في 125 مستوطنة معترف بها رسمياً في الضفة الغربية. وهناك 180 ألفا آخرون يقيمون في المناطق التي تم ضمها من القدس الشرقية، وهي ارض تعتبرها إسرائيل جزءاً من الدولة، بينما تعتبرها دول أخرى أراضي تحت الاحتلال. وفي مرتفعات الجولان، التي ضمتها إسرائيل في عام 1981، يقيم 160 ألف إسرائيلي في 32 مستوطنة. وحتى أغسطس 2005 أمام تسعة آلاف مستوطن إسرائيلي بقطاع غزة في 21 مستوطنة.

ولا يمكن للأرقام وحدها أن تعبر عن مدى التغيير الذي طرأ على أوضاع الأرض المحتلة. فإلى الشرق من القدس، ترتفع بنايات معالجه أوديم وتمتد من المخدرات الجبلية وإلى أسفل حتى البحر الميت. أما المستوطنة التي سعى إسرائيل جاليلي لإقامتها بزعم أنها مجرد «معسكر عمل» .

نمت لتتحول إلى مجتمع يضم 31 ألف شخص لتصبح أكبر تجمع إسرائيلي في الضفة الغربية (باستبعاد القدس الشرقية). وإلى الشمال من القدس، تم بناء طريق سريع لخدمة المستوطنات يمتد بعيداً عن رام الله والمدن والقرى الفلسطينية الأخرى.

وعلى الطريق إلى افرات التي تضم ألفي شخص يمر الطريق من مستوطنة إلى أخرى وكلها تطل على البلدات والقرى الفلسطينية وفوق التلال الأخرى تمتد «النقاط المتقدمة» وهي احدث موجة من الاستيطان وهي عبارة عن بيوت متنقلة لم تحصل على موافقة رسمية لكنها أقيمت بمساعدة من وكالات حكومية فوق أرضها يمتلكها أشخاص فلسطينيون في اغلب الأحوال.

يقول المؤلف ان جهود الاستيطان تعكس استثمارا هائلا من جانب مؤسسات التمويل الرسمية رغم أن أحداً لا يعرف على وجه التحديد حجم الاستثمار الحكومي بما في ذلك أعضاء الحكومة من الوزراء وأعضاء الكنيست ولا تشتمل الميزانية الإسرائيلية على أي بند بعنوان «المستوطنات» .

ومع ذلك تؤكد القروض المدعومة للمستوطنين بصورة غير واضحة في ميزانية الإسكان كما تشتمل ميزانية التعليم بطريقة خفية على إنفاق إضافي لمدارس المستوطنات بينما تتضمن ميزانية الدفاع بطريقة ملتوية تكاليف حراس المستوطنات.

وعندما سئل أحد المتحدثين باسم وزارة المالية عن تكاليف النشاط الاستيطاني في عام 2003 قال «ليس لدينا أي معلومات تجعلنا نقدم أي تقديرات. وفي الواقع فان المستوطنات أصبحت تشكل جزءاً لا يتجزأ من الهيكل القانوني والحكومي لإسرائيل رغم أنها تقع خارج حدودها المعترف بها دولياً، كما ان معظمها يقيم خارج ما تعتبره إسرائيل نفسها حدودها والمشكلة التي أثارها موشى دايان في عام 1968 وهي وضع الإسرائيليين الذين يقيمون في الأرض المحتلة قد تم حلها بتشريعات وقوانين ولوائح وأوامر من الحكومة العسكرية تمنح المستوطنين وضع المقيمين الإسرائيليين، كما تم إنشاء حكومات بلدية ومجالس إقليمية لإدارة هذه المستوطنات، وفي الوقت نفسه فان المجتمعات الفلسطينية المجاورة تظل تحت حكم القانون العسكري أو اعتبارا من التسعينات تحت حكم مزيج معقد من الإدارة العسكرية الإسرائيلية وإدارة السلطة الفلسطينية.

ووفقا لهذا النظام القانوني الثنائي تملك إسرائيل ما وصفه ليفي اشكول ذات مرة بالمهر أي الأرض ـ دون ان تتورط في زواج يتم من خلال دمج أولئك الذين يقيمون فوق هذه الأرض في المجتمع الإسرائيلي. ويرى المؤلف ان مشروع الاستيطان لم يحقق في النهاية توقعات المناصرين له ففي الضفة الغربية باستبعاد القدس الشرقية يظل الإسرائيليون يمثلون أقلية صغيرة وحتى في مرتفعات الجولان فان الدروز الذين يمثلون السكان السوريين الوحيدين الذين بقوا خلال الغزو الإسرائيلي يفوقون عدد المستوطنين الإسرائيليين وفي القدس الشرقية أيضاً يتجاوز العرب عدد اليهود في الأراضي التي تم ضمها في عام 1967.


بوسنة مصطنعة

على صعيد آخر فان المستوطنات لم تحقق التقسيم للأرض المتنازع عليها، فالمجموعتان العرقيتان المتنافستان تعيشان في أماكن متداخلة على نفس الأرض في وضع يماثل البوسنة التي تم خلقها بصورة مصطنعة. فقد أصبحت المشكلات التي أثارها مناهضو ضم الأراضي منذ عام 1967 أكثر حدة حيث تحققت تصورات بنحاس سابير عام 1972

فيما يتعلق بالأوضاع الديموغرافية وحتى بعد الهجرة الضخمة من الاتحاد السوفييتي سابقا في التسعينات، فان السكان العرب في إسرائيل والأراضي المحتلة تزايدوا وحققوا التكافؤ على السكان اليهود وأصبح الضم الرسمي للضفة الغربية يعني وجود دولة ثنائية القومية.

ويقول المؤلف ان الوضع المؤقت المستمر للاحتلال كان له تكاليف باهظة فقد تحولت المعارضة الفلسطينية للاحتلال إلى انتفاضات عنيفة وموجات من الهجمات على الإسرائيليين كما أصبح الدفاع عن المستوطنات عبئاً هائلاً على الجيش الإسرائيلي، كما ان المستوطنات زادت من تعقيدات مهمة رسم خطوط تقسيم جديدة كجزء من التوصل لحل للنزاع الإسرائيلي الفلسطيني.

وفي التاريخ الإسرائيلي فإن وصول اليمين إلى السلطة في عام 1977 كان ينظر إليه على انه احدث ثورة في مشروع الاستيطان أو بمعنى آخر احدث تصعيدا للاتجاهات القائمة فالجيب المتضائل بشمال الضفة الغربية الذي لم يتمكن حزب العمل من منع المستوطنين من دخوله أصبح مفتوحا الآن أمامهم.

كما أعلن الليكود ان مرتفعات الجولان هي جزء من إسرائيل وفي الضفة الغربية وقطاع غزة تم إدخال تغييرات على القوانين تضمن للمستوطنين الحصول على مساحات اكبر من الأراضي ووجدت حركة غوش ايمونيم في الحكومة التي يقودها حزب الليكود استعدادا اكبر للتعاون وتعزيز جهودها. أما الراديكاليون الدينيون فقد لجأوا للمواجهة عندما أجبرت سياسات الائتلاف أو الضغوط الدبلوماسية الحكومية على التباطؤ في المساعدة على بناء المستوطنات أو حتى في تفكيك بعضها.

وكان أكثر الخطوات ثورية من جانب حكومة مناحيم بيغين هي قرارها بإخلاء مستوطنات سيناء بمقتضى اتفاقية السلام مع مصر في عام 1979 وقد لعب موشى ديان الذي خرج على حزب العمل ليصبح وزيرا للخارجية في حكومة بيغين دورا رئيسيا في الوصل إلى اتفاق يتضمن ان تنسحب إسرائيل إلى الحدود الدولية وتزيل كل المستوطنات في سيناء ومن بينها مستوطنة ياميت التي كانت بمثابة مشروعه الخاص وبهذا الإخلاء اهتزت بشدة إحدى المحرمات الإسرائيلية.

وكان ايغال الون احد المنتقدين للاتفاق حيث زعم انه كان من الممكن إقناع الرئيس أنور السادات بإبرام اتفاقية السلام مع الإبقاء على الجزء الشمالي الشرقي من سيناء في يد إسرائيل وقد توفي ألون متأثراً بأزمة قلبية في فبراير 1980

وهو في خضم معركته ليحل مكانه شيمون بيريز في زعامة حزب العمل وبالتالي لم يشهد الرجل الذي اعتقد ان بإمكانه إعادة رسم الحدود، عملية إخلاء المستوطنات. كما لم يشهد ديان الذي توفي في أكتوبر 1981 قيام الجيش الإسرائيلي بتفكيك مستوطنة ياميت وعودة بدو سيناء إلى أراضيهم.


كارثة سياسية

وبالنسبة للعلمانيين من المؤمنين اليهود بكامل الأرض، فإن الانسحاب من سيناء كان كارثة سياسية. وبالنسبة لكتلة المتدينين، فإن الانسحاب كان يمثل لهم قضية لا يمكن التفكير فيها لاهوتياً. وفي الوقت الذي قبل فيه مستوطنو سيناء التعويضات السخية ورحلوا بسلام، فقد احتل الآلاف من معارضي الانسحاب، ومعظمهم من حركة غوش إيمونيم، المستوطنة، ووعدهم الحاخامات بتدخل إلهي. وفي النهاية وبعد ثلاثة أيام من المواجهات اضطرت القوات الإسرائيلية في أبريل 1982 إلى مواجهة المحتجين وإخراجهم فرداً فرداً من داخل المنازل.

بعد ذلك خطط ناشطون بارزون من حركة غوش إيمونيم لوقف عمليات الإخلاء من خلال اللجوء لوسائل أكثر تطرفاً، ومنها نسف قبة الصخرة في قلب القدس. وكان يهودا اتزيون، مؤسس مستوطنة عوفرا، هو زعيم المؤامرة. وكان يعتقد أن الانسحاب هو علامة على أن الله يعاقب إسرائيل من جديد لعدم اتباعها الطريق الصحيح. إلا أن إصابة خبير القنابل بالمجموعة بالتهاب كبدي أدت إلى إحباط الخطة.

وفي عام 1984 ألقت السلطات الإسرائيلية القبض على أعضاء بمجموعة سرية للمستوطنين قامت بتنفيذ هجمات إرهابية ضد فلسطينيين بالضفة الغربية، واكتشف جهاز «الشين بيت» خلال التحقيقات أن أفراد هذه المجموعة التقوا من أجل تنفيذ خطة نسف قبة الصخرة والقيام بسلسلة من أعمال التخريب.

كان ذلك بمثابة جرس إنذار بما يمكن أن يحدث من تصرفات خارج إطار القانون. ومع ذلك فقد كانت الأحكام الصادرة ضد هؤلاء مخففة، ما يعني تعزيزاً لثقافة عدم الشرعية. وانقسمت حركة غوش ايمونيم بين مؤيدين ومعارضين لهذه المجموعة السرية، ولكن عندما غادر بعضهم السجن، حصلوا على مناصب قيادية بين المستوطنين الذين سرعان ما وسعوا نفوذهم بالضفة الغربية.

حل أرييل شارون، الذي كان وزيراً للزراعة، محل إسرائيل جاليلي رئيساً للجنة الاستيطان. وبالعمل مع غوش ايمونيم طبق شارون على الضفة الغربية نفس المنطق الذي اعتمده بخطته في قطاع غزة، وهي الخطة التي تجعل للمستوطنات اليد العليا على الأرض، وتقوم على بناء مستوطنات تفصل بين المدن الفلسطينية وتقسم الأرض المحتلة بحيث تمنع قيام دولة فلسطينية.

ثم يقترح شارون في نهاية المطاف منح حكم ذاتي محدود للفلسطينيين في «جيوب» متروكة بين أصابع مستوطناته. وكان الأسلوب الذي انتهجه شارون فيما يتعلق بالاستيطان، يمثل نسخة متطرفة من أسلوب ألون، وهو الاحتفاظ بأرض يعتبرها أساسية لأمن إسرائيل، لكنه يفتقر لاستنتاج ألون بأن حكماً ذاتياً فلسطينياً تحت سيطرة إسرائيلية دائمة سوف ينظر إليه دولياً على انه استعمار.

ولم يقف مسؤولو الليكود حجر عثرة في طريق التزامات حزب العمل القديمة بإنشاء قرى تقوم على أساس الاشتراكية، وصدقوا على فكرة «المستوطنات التعاونية» وهي عبارة عن جيوب إسرائيلية صغيرة ومغلقة يهيمن عليها القوميون الدينيون من حركة غوش إيمونيم والتي سرعان ما انتشرت بامتداد جبال الضفة الغربية.

وبالقرب من الخط الأخضر، نمت مستوطنات كبيرة في غضون فترة زمنية قصيرة. وهذه المستوطنات استقطب مستوطنين علمانيين معظمهم من غير المهتمين بالشؤون السياسية. وساهم دعم أسعار المنازل وسهولة المواصلات إلى القدس أو تل أبيب في جذب المزيد من هؤلاء المستوطنين.

كما أبدى الليكود اهتماماً بقطاع غزة، حيث أقام حزب العمل خمس مستوطنات ـ ثلاث في الركن الجنوبي من القطاع، في منطقة أطلق عليها اسم «قطف بلوك». ومع فقدان مستوطنة «رافيا بلين» طورت الحكومة هذه المنطقة لتكون بمثابة منطقة عازلة بين مصر والمدن والمخيمات الفلسطينية في القطاع. وبحلول عام 1987 أصبح 2500 مستوطن يسيطرون على 28% من أرض قطاع غزة.

وفي الوقت ذاته اضطلع خريجو معهد «بيسدير يشيفوت» ومتعلمون آخرون يعتنقون مبادئ حركة غوش ايمونيم بدور مهيمن على النظام الدراسي الديني الذي تديره الدولة. واستوعب جيل جديد من الإسرائيليين المتدينين القيمة الكبيرة للأرض بكاملها واعتبروها حقيقة لا تقبل الجدل. واجتذب العامل العرقي، وكذلك الدعم الحكومي، الشباب المتدينين إلى المستوطنات التي تحولت إلى أماكن تضم متشددين دينيين بأفكارهم وملابسهم وتصرفاتهم.


تغير تكتيكي

واستقال بيغين في عام 1983، وخلفه اسحق شامير كزعيم لحزب الليكود وكرئيس للوزراء. وفي الانتخابات التي جرت في العام التالي، دخل شامير في مواجهة مع شيمون بيريز الذي غير من جلده وأصبح أحد الحمائم.

ويقول أحد الخبراء في شؤون حزب العمل، إن التغيير كان تكتيكياً في البداية. فبوصفه زعيماً للمعارضة، يصبح بإمكان بيريز رسم هوية سياسية مميزة بأن يكون على يسار الليكود. وبمرور الوقت تحول هذا التكتيك إلى مبدأ.

ويقول المؤلف إنه عندما اقتربت إسرائيل من انتخابات 1984 كانت تعاني من معدلات تضخم عالية وكانت غارقة حتى أذنيها عسكرياً في المستنقع اللبناني. ومع ذلك كانت نتيجة الانتخابات غير حاسمة مما أجبر العمل والليكود على المشاركة في السلطة.

وتبادل بيريز وشامير رئاسة الوزراء، وأصبح اسحق رابين وزيراً للدفاع. وأدى هذا الوضع الجديد إلى إبطاء عملية إقامة مستوطنات جديدة، لكنه لم يوقف نمو المستوطنات القائمة. وارتفع عدد الإسرائيليين الذين يقيمون في مستوطنات الضفة الغربية، باستثناء القدس الشرقية التي تم ضمها، بمعدل 80% على مدار السنوات الأربع التالية.

وبحلول عام 1988، ساهم ما يمكن وصفه بمشروع ضم بالحركة البطيئة في إشعال الانتفاضة الفلسطينية الأولى في الضفة الغربية وقطاع غزة. ومع انهيار نظام تقاسم السلطة في عام 1990 وعودة حزب العمل إلى المعارضة، بدأ إسحاق رابين العودة إلى زعامة حزبه، وفي فبراير 1992 هزم بيريز في أول انتخابات كبرى لحزب العمل. وبينما راحت حكومة شامير تروِّج لبيع منازل بأسعار التكلفة في مستوطنات الضفة الغربية، دخل رابين الحملة الانتخابية على رئاسة الوزراء بوعد أن يخفض الإنفاق على المستوطنات.

وفي يونيو من العام نفسه، أصبح رابين في نهاية المطاف رئيساً منتخباً للوزراء. وأراد رابين أن يصحح أخطاء فترته الأولى من الحكم وذلك من خلال تشديد قبضته على أعمال الحكومة. كما منح عدوّه القديم شيمون بيرز وزارة الخارجية بدلاً من الدفاع، وسعى لتقليص سلطاته.

ودخل في صفقة سلام مع الفلسطينيين، تعني بصورة حتمية التخلي عن أراضي الضفة الغربية. ومع ذلك ظل موالياً لأسلوب آلون وهو التمييز بين «المستوطنات الأمنية» و«المستوطنات السياسية». وكان النوع الأول من المستوطنات مناسباً لخريطة العمل القديمة وبالتالي كانت مقبولة، بينما كان النوع الأخير غير ضروري.

ويستطرد الكاتب قائلاً إن الإعلان في سبتمبر 1993 عن اتفاقية أوسلو التي تم التفاوض عليها في إطار من السرية، بدا أنه يعني أن الصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني اقترب من الحل، وأن الأرض المتنازَع عليها سوف يتم تقسيمها من خلال اتفاق متبادل.

واعترفت إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية ببعضهما البعض. وقضت الاتفاقية بأن يحصل الفلسطينيون على الحكم الذاتي في غزة وأريحا أولاً، ثم في مناطق أكبر من الضفة الغربية، وذلك خلال فترة انتقالية تستمر خمس سنوات يعقبها إبرام اتفاق سلام نهائي.

ومع ذلك، وكما يقول غورنبيرغ مؤلف كتابنا، فإن اتفاق أوسلو اشتمل على الكثير من جوانب القصور على عكس ما بدا. فقد ترك الاتفاق كل القضايا الرئيسية عالقة، ومن بينها مستقبل القدس والأماكن المقدسة بها، قضية اللاجئين الفلسطينيين، المستوطنات، الحدود، وتم ترحيل كل هذه القضايا إلى مفاوضات الوضع النهائي.
رد
#6
تتمة الاخيرة

رد: كتاب ـ إسرائيل وميلاد المستوطنات ـ (الأخيرة)


اتفاقية واي ريفر تسرِّع من وتيرة الاستيطان في الأراضي الفلسطينية



يتناول المؤلف في هذه الحلقة خطة فك الارتباط التي أعلنتها الحكومة الإسرائيلية كحل أحادي الجانب والتحول المفاجئ في فكر ارييل شارون فيما يتعلق بالمشروع الاستيطاني، الذي تمثل في قراره بتفكيك مستوطنات قطاع غزة وبعض المستوطنات الصغيرة المعزولة في شمال الضفة الغربية ويشير غورنبرغ إلى أن خطة فك الارتباط عن الفلسطينيين هي خطة قديمة لرئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل اسحق رابين الذي كان يرى وجوب الانسحاب من بعض المناطق الفلسطينية وضم المستوطنات الكبيرة تعزيزاً لأمن إسرائيل وتجنباً لضم مناطق واسعة تضم أعدادا كبيرة من الفلسطينيين وذلك حفاظاً على الطابع اليهودي لدولة إسرائيل.

ويسرد لنا المؤلف في هذه الحلقة كيف كان موضوع المستوطنات عقبة كبيرة في طريق التوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل والفلسطينيين في قمة كامب ديفيد الثانية التي حضرها باراك وعرفات تحت رعاية أميركية. ويوضح كذلك كيف تحول الاستيطان من هدف قومي إلى أزمة وطنية لإسرائيل. يقول المؤلف إن ترك قضية المستوطنات دون حل باتفاق أوسلو زاد الأمور تعقيداً وغموضاً. فأصابع شارون، أي المستوطنات التي انتشرت في مختلف أجزاء الضفة، وأدت إلى شرذمة الأراضي الفلسطينية.

كما أدت الطرق الالتفافية الجديدة التي تتجنب المدن الفلسطينية، لتسهيل حركة المستوطنين وتأمين رحلاتهم، إلى استقطاع المزيد من الأراضي. ورغم أن رابين ظل موالياً لمفهوم إيغال اكون بشأن الحل الوسط الخاص بالأراضي، فإن اتفاق أوسلو والاتفاقيات التالية أظهرت تأثير مفهوم موشي دايان بالحل الوسط العملي الذي يتلخص في التالي: في المناطق الكبيرة من الضفة الغربية، تكون إسرائيل مسؤولة عن الأمن بينما تكون السلطة الفلسطينية حديثة التشكيل مسؤولة عن الإدارة المدنية.

ووفقاً لمصادر مطلعة في ذلك الوقت، فقد أدى التصادم القديم للمفاهيم إلى تزايد صعوبات الاتفاق بين رابين وبيريز على الأهداف التي ينبغي تحقيقها في محادثات الوضع النهائي. وعارضت جماعات فلسطينية، خاصة حماس، التي مزجت بين الإسلام والقومية الفلسطينية، اتفاقية أوسلو، بينما اعتبرها اليمين الإسرائيلي تمثل تهديداً مميتاً لحكم الأرض بكاملها.

ونشر المتطرفون مقالات تحريضية أثارت أحد المستوطنين اليهود فارتكب مذبحة راح ضحيتها 29 فلسطينياً وهم يؤدون الصلاة في رمضان بالمسجد الإبراهيمي في الخليل، وقد أبلغ مرتكب المذبحة وهو باروخ جولدشتاين المقيم بمستوطنة كيريات أربع والأميركي المولد، أبلغ أصدقاءه بأن لديه خطة لوقف عملية السلام. وكانت خطته تتضمن ممارسة أعمال إرهابية ضد الفلسطينيين. وردت حماس على هذه المذبحة بشن حملة »تفجيرات استشهادية« بالمدن الإسرائيلية ساهمت هي الأخرى في زيادة حدة المعارضة في إسرائيل لعملية أوسلو.

وكتب العديد من حاخامات المستوطنات البارزين رسائل للعشرات من زملائهم، يطلبون منهم رأيهم فيما إذا كان رابين يهودياً انقلب على اليهود الآخرين أو سمح بإعطاء أراضيهم للغير وإنه يتعرض بالتالي نظرياً للقتل وفقاً للقانون الديني، أم إنه شخص على وشك ارتكاب جريمة قتل وبالتالي يتعين قتله لمنع الجريمة. وضمت المظاهرات التي انتشرت في كل مكان أعضاء حركة الاستيطان الدينية ومؤيديها.


اتهامات بالتواطؤ

في أكتوبر 1995 وبعد التوقيع على اتفاقية أوسلو ـــ 2، التي حددت تفاصيل انسحاب إسرائيل من مدن الضفة الغربية، تحدث آرييل شارون أمام عشرات الآلاف من المتظاهرين في القدس، واتهم الحكومة »بالتواطؤ« مع مجموعة إرهابية. وقال شارون »ليست هناك دولة على مدى التاريخ تتنازل بإرادتها عن جزء من أرضها التاريخية«.

وفي الرابع من نوفمبر 1995 اغتال شاب متطرف يدعى إيغال عمير من المؤيدين لحركة الأرض بكاملها رئيس الوزراء الإسرائيلي. وفتح اغتيال رابين فترة غير مسبوقة من الفوضى وعدم الاستقرار في إسرائيل. ثم نجح بنيامين نتانياهو زعيم حزب الليكود الجديد الشاب، والذي لا يتمتع بخبرة سياسية واسعة في هزيمة شيمون بيريز بفارق ضئيل في الانتخابات التالية. لكنه لم يتمكن من تحقيق المصالحة بين خطه المتشدد ووعوده باحترام الاتفاقيات التي وقعتها إسرائيل في أوسلو، وبالتالي لم يستطع أن يحدد لنفسه اتجاهاً واضحاً.

وفي أكتوبر 1998 حضر نتانياهو وشارون، الذي أصبح وزيراً للخارجية، مؤتمر قمة مع الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات والرئيس الأميركي بيل كلينتون في مزرعة واي ريفر بولاية ميريلاند. وبضغط من كلينتون، وقع نتانياهو اتفاقية تقضي بمواصلة تنفيذ اتفاقيات أوسلو وبالتخلي عن 13% أخرى من أراضي الضفة الغربية ونقلها لسيطرة السلطة الفلسطينية.

وفي حديث لراديو إسرائيل حث شارون المستوطنين للاستيلاء على المزيد من التلال وتوسيع رقعة الأرض التي بحوزتهم. وقال إن كل شيء سيستولون عليه سيكون »في قبضتنا، وكل شيء لن يستولوا عيه سيكون في أيديهم«. وأدى ذلك إلى تسريع نوع جديد من الاندفاع الاستيطاني، والانتشار السريع لـ »نقاط متقدمة« تضم بيوتاً متنقلة فوق تلال الضفة الغربية دون أن تحصل على أي ترخيص رسمي. وكان مستوطنو هذه النقاط من الشباب الذين ترعرعوا في المستوطنات الأيديولوجية، وكانوا قليلي العدد إلا أن وجودهم أكد الاستيلاء على المزيد من الأراضي، لتنتشر مستوطنات أطلق عليها فيما بعد »أصابع شارون«.

وجاء التمويل الحكومي من خلال قسم الاستيطان بالمنظمة الصهيونية العالمية. وقامت وزارة الإسكان ببناء الطرق، وقدمت وزارة الدفاع مساعدات إضافية. ومرة أخرى وضع المسؤولون قضية اعتبروها وطنية فوق حكم القانون. ومرة أخرى شجعت الدبلوماسية بطيئة الحركة عملية الاستيطان السريع. ومع ذلك، فقد أدت اتفاقية »واي« إلى انهيار حكومة نتانياهو. وبعد أن وعد بتحقيق قوة دفع جديدة للسلام حقق إيهود باراك، الزعيم الجديد لحزب العمل فوزاً كاسحاً في الانتخابات. وفي يوليو عام 2000 عقد باراك وعرفات وكلينتون مؤتمر قمة في كامب ديفيد لكنه باء بالفشل، مع تفاقم قضية الاستيطان.

فخلال الفترة بين عام 1993 وعام 2000 ارتفع عدد سكان المستوطنات الإسرائيلية في قطاع غزة والضفة الغربية (باستبعاد القدس الشرقية) من 116 ألف مستوطن إلى 198 ألفاً. وأدى انتشار هذه المستوطنات إلى تقويض ثقة الفلسطينيين بأن إسرائيل ترغب حقاً في الانسحاب من الأرض المحتلة.


فجوة في التفاهم

كشفت قمة كامب ديفيد عن وجود فجوة عميقة في التفاهم بين الجانبين حول عملية السلام. فقد أصر المفاوضون الفلسطينيون على الخط الأخضر كأساس للسلام، واعتبروا اعترافهم بإسرائيل ضمن حدود ما قبل 1967 تنازلاً عن معظم فلسطين التاريخية، وأنهم ليسوا على استعداد لتقديم مزيد من التنازلات، بينما رأت إسرائيل أن الأرض يجب تقسيمها، وأصرت على أن تمر الحدود الجديدة وسط الأراضي المحتلة، مما يبقي على المستوطنات الرئيسية والأراضي الاستراتيجية في قبضتها. وهو نفس الخلاف الذي واجه إيغال ألون والملك حسين في عام 1968.

وفي هذا الصدد قال شلومو بن عامي وزير خارجية إسرائيل في قمة كامب ديفيد: »إن الفلسطينيين اعتبروا أوسلو بمثابة حل وسط، وأنها الحل الوسط الأخير، بينما كنا نرى أنه سيحدث بعدها حل وسط آخر«. ويقول المؤلف إن هذا التصريح يعتبر غريباً خاصة أنه خلال سنوات أوسلو أوضح الزعماء الفلسطينيون والإسرائيليون أهدافهم بصورة علنية. ومع ذلك فقد افترض كل طرف أن تصريحات الطرف الآخر هي مجرد خداع.

ولذلك فقد انهارت عملية أوسلو، وبحلول الخريف بدأت انتفاضة فلسطين الجديدة أكثر عنفاً من الأولى. وسرعان ما تحرك البندول السياسي من جديد. كان ارييل شارون، الذي أصبح زعيماً جديداً لليكود وهو في سن الثالثة والسبعين من عمره قد تولى رئاسة الوزراء، وصمم على قمع الانتفاضة بالقوة العسكرية. ورغم أنه تحدث عن موافقته على قيام دولة فلسطينية، إلا أنه قال إنها ستسيطر على 42% فقط من أرض الضفة الغربية، أي حجم الأرض المقسمة التي تديرها بالفعل السلطة الفلسطينية. وفي الواقع فإن الدولة الفلسطينية المقترحة ما هي إلا نسخة منقحة من مفهوم شارون عن جيوب حكم ذاتي تفصل فيما بينها أصابع إسرائيلية.


تحول مفاجئ

ثم جاء التحول غير المتوقع، ففي نهاية عام 2003 أعلن شارون عن عزمه على تنفيذ خطة انفصال عن الفلسطينيين، وإعادة نشر القوات الإسرائيلية، وإجراء تغيير في نشر المستوطنات بهدف خفض عدد الإسرائيليين الموجودين في قلب المناطق السكنية الفلسطينية. وبعد ذلك أوضح شارون معنى إعلانه، حيث قال إن إسرائيل سوف تنسحب من قطاع غزة، وتقوم بإخلاء جميع مستوطناتها هناك، مع عدد من المستوطنات الصغيرة في شمال الضفة الغربية.

وهكذا فإن مهندس المشروع الاستيطاني الإسرائيلي قام بتغيير تفكيره 180 درجة وقرر تفكيك المستوطنات، من جانب واحد، وترحيل المستوطنين، وذلك في إطار سياسة جديدة لخلق الحقائق ولفرض خطوط يعتبرها خطوطاً يمكن الدفاع عنها.

ويقول المؤلف: إن أهداف شارون لا تزال إلى اليوم غير معروفة، وكان إيهود أولمرت النائب السابق لشارون وأقرب من يثق فيهم قد تحدث قبل أن يصبح رئيساً للوزراء عن عملية انسحاب من جانب واحد كوسيلة للحفاظ على الأغلبية اليهودية في إسرائيل. وهذا الكلام يمثل في الواقع قبولاً بالرأي المخالف لمبدأ كل الأرض الذي يعود إلى قرار بن غوريون بعدم غزو الضفة الغربية في عام 1949.

كما وصف شخص مقرب آخر من شارون وهو رئيس أركانه دوف ويسغلاس، الانسحاب بأنه ضروري لعملية السلام، وفي الواقع فإن هذا الوصف هو بمثابة اختزال دبلوماسي للسطور، ووسيلة لتخفيف الضغوط الدولية من أجل تقديم المزيد من التنازلات. كما يمكن تفسير الانسحاب على أنه رضوخ للانتفاضة الفلسطينية، أو للأعداد الفلسطينية الكبيرة أو للقلق الذي أبدته الولايات المتحدة، أو لكل هذه العوامل مجتمعة.

ومع ذلك فقد كان تصميم شارون قاطعاً. فقد تصدى لغضب المتشددين في الليكود والأحزاب اليمينية الأخرى، كما تجاهل التظاهرات المناهضة لقراره، ولفتاوى بعض الحاخامات الموالين للاستيطان، والذين دعوا الجنود إلى عصيان الأوامر بإجلاء المستوطنين، وواصل شارون ممارسة ضغوطه وفاز بموافقة الكنيست، كما حصل على حكم من المحكمة العليا بمشروعية خطته، وعلى صعيد الرأي العام الإسرائيلي فقد حصل شارون على أغلبية قوية مؤيدة بشدة لخطة الانسحاب، ويرجع ذلك إلى أن الإسرائيليين يشعرون بأن قطاع غزة يُنهك قواهم، وأن المشروع الاستيطاني الذي يرون أنه قد بدأ كمشروع علماني، قد أصبح الآن فكراً متشدداً يتحكم فيه أصوليون دينيون. يقول غورنبيرغ إن شارون ضمن هذا الإطار أكد مراراً أن الانسحاب يعتبر »القرار الأصعب في حياته«، وسيكون من أجل إنقاذ فلسطين وتعزيز الأمن للإسرائيليين«.

وفي الواقع فإن خطة فك الارتباط الإسرائيلية التي تعود في الأساس إلى عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق اسحق رابين يغلب عليها الهاجس الأمني أولاً وأخيراً، فيما تغفل تماماً البعد السياسي. فقد قال رابين ذات مرة »إننا لن نعود إلى خطوط عام 1967، ولن ننسحب من القدس ولن نتزحزح عن غور الأردن«.

وتسير السياسة الإسرائيلية منذ ذلك الوقت في اتجاه تحقيق فصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين دون العودة إلى حدود 67، ودون التخلي عن الغور، ومن الواضح لجميع المراقبين أن إغفال الجانب السياسي لعملية الفصل ستترتب عليها أثار اقتصادية واجتماعية تمس السكان الفلسطينيين. إلا أن إسرائيل لا تعبأ بكل هذه الآثار وتواصل تنفيذ خطتها الأمنية.

وقد بدأت حكومة رابين، وما أعقبها من حكومات، مروراً بحكومات نتانياهو وباراك ثم شارون وأخيراً أولمرت بتنفيذ الخطوات الأولى لسياسة فك الارتباط عن طريق إقامة الجدار الفاصل وفرض الأطواق الأمنية على الأراضي الفلسطينية، وتدعيم نقاط العبور بأجهزة المراقبة وقوات الجيش وحرس الحدود.

ويقول المؤلف في مقال منفصل كتبه استطراداً لكتابه إن حكومة أولمرت هي الحكومة الأولى التي يتم انتخابها في إسرائيل على أساس برنامج واضح يضم تفكيك المستوطنات، الأمر الذي يعكس اجماعاً إسرائيلياً جديداً على أن الوطن المشترك المختلف عليه بين اليهود والفلسطينيين يجب أن يتم تقسيمه، ويتعين على الولايات المتحدة أن تسعى للإبقاء على قوة الدفع السياسية هذه.


خطة غير مكتملة

يرى غورنبيرغ أن معظم المستوطنات التي يرغب أولمرت في تفكيكها تقع في عمق الضفة الغربية بين القرى الفلسطينية، الأمر الذي يخلق بوسنة مصطنعة من التداخل العرقي المعادي. وإزالة هذه المستوطنات سوف يزيل بعض الاحتكاك اليومي بين المحتل والواقع تحت الاحتلال. إلا ان الكاتب يرى أن ذلك يعني سحب رجل واحدة من المستنقع، ويقول إن ذلك لن يحل النزاع. فإذا أصبح الجدار هو الحدود تكون إسرائيل قد احتفظت بعشر الضفة الغربية.

وسيمتد خيط رفيع من الأرض التي ستبقي إسرائيل عليها عبر تلال الضفة الغربية إلى مستعمرة أرييل، وسيمتد خيط آخر إلى كدوميم قرب نابلس. إن قيادة سيارة من أحد طرفي الأرض الفلسطينية إلى منطقة أخرى لزيارة أقارب أو إيصال شاحنة خضروات إلى السوق، أو عقد اجتماع بين مسؤولين ستبقى مغامرة محفوفة بالمخاطر على الأرجح. وتشير إحدى التقديرات إلى أن 30 ألف فلسطيني سوف يبقون تحت الحكم الإسرائيلي (كمواطنين بغير رضاهم أو غرباء دائمين) وسيقيم المزيد منهم في جيوب محاطة بالأراضي الفلسطينية.

ويقول غورنبيرغ إنه إذا استمرت إسرائيل في الاستثمار بالمستوطنات المتبقية فإنها سوف تغرس رجلها الأخرى بعمق أكثر في الرمال المتحركة. وفي غياب السلام، سوف تتحمل إسرائيل عبء الدفاع عن هذه الخيوط الأرضية. كما أن أكثر الفلسطينيين اعتدالاً لن يعتبر هذا الانسحاب الجزئي نهاية للاحتلال.

ويرى الكاتب أن خطة أولمرت تفتقر إلى حافز العودة إلى الطاولة. فإذا كان الفلسطينيون سيحصلون على الحدود نفسها، فلم التفاوض في الأساس؟ ويقول إن الرسالة يجب أن تكون أنه بالاعتراف وإنهاء العنف والاستعداد للوصول إلى اتفاق، يستطيع الفلسطينيون تحقيق أكثر بكثير من الحدود التي تفرضها إسرائيل من طرف واحد.

وإذا كانت إسرائيل راغبة حقاً في السلام، فإنه يتوجب أن تتضمن خطة أولمرت نقل المستوطنين الذين يتم إجلاؤهم إلى داخل إسرائيل وليس إلى مستوطنات أخرى. وقد وعد أولمرت بإقامة حدود لضمان وجود أغلبية يهودية في إسرائيل وإنهاء خضوع فلسطينيين للحكم الإسرائيلي.

وبالضرورة فإن ذلك يعني الانسحاب من أجزاء كبيرة من الضفة الغربية وتفكيك الكثير من المستوطنات خاصة الصغيرة وغير القانونية. ولايزال كثيرون يعارضون فك الارتباط بين إسرائيل والضفة الغربية خاصة المستوطنين الذين يتزايد غضبهم واستعدادهم للمواجهة، ومنهم 32 ألف مستوطن في معاليه أدوميم و18 ألفاً في مستوطنة أرييل.

ويرى المؤلف في الخاتمة أنه من الناحية الأيديولوجية فقد انتهى الحلم الإسرائيلي، وانتهى معه ولع الإسرائيليين بالضفة الغربية التي باتت تمثل عبئاً عليهم، إلا أنه من الناحية العملية فإن الخروج منها صعب للغاية. وبعد أن كان الاستيطان يمثل هدفاً قومياً أصبح اليوم يشكل أزمة وطنية لإسرائيل. منقول..............
رد


الانتقال إلى منتدى:


المستخدمون الذين يتصفحون الموضوع: 1 زائر