19-04-07, 10:03 AM
![[صورة: pino.jpg]](http://tharwacommunity.typepad.com/whereto_syria/images/2007/04/18/pino.jpg)
في الشوارع .. في الساحات.. وأينما توجهت أو ذهبت، فإنك تجد نفسك أمام غابة من الصور الكبيرة والصغيرة تروج لهذا المرشح أوذاك .. معلقة على زجاج باص البلدية أو سيارة عامة.. أو على أعمدة الإنارة والأشجار.. تدخل إدارة أو مؤسسة عامة فتجد أمامك صور مرشحي الجبهة الحاكمة معلقة على جدرانها الداخلية..حتى في داخل قصر العدل المفترض فيه الحياد لاترى إلا صور مرشحي الجبهة معلقة على جدران المحاكم.. تعود إلى بيتك فتجد أن بعض صور المرشحين قد التصقت على جدار بيتك حتى تحولت دمشق اليوم أو بالأحرى سورية كلها إلى معرض للصور هو الأكبر والأضخم والفريد من نوعه في العالم يتكرر كل أربع سنوات مضافاً إليه بعض الصور الجديدة حتى يبدو جديدا.
وبدل أن يريح هذا المعرض أعصاب المتفرج إليه، إلا أنه يرهقها بالتلوث البصري والسمعي الصادر عنه.. واللافت في معظم تلك الصور الجديدة منها والقديمة أن أصحابها يدعون الناس بلهجة أمرة وبدون أي استئذان إلى انتخابهم دون غيرهم من المرشحين لاشيء إلا لصورهم الملونة التي يظهرون فيها تارة واقفين وتارة جالسين، يدّعون أنهم سوف يحققون آمال وأحلام الناخبين بالكفاءات الشابة التي سوف تجعل الوطن شاباً، وأنهم سوف يحققون التنمية الشاملة، ويؤمنون مسكن وسيارة لكل مواطن، ويضربون الفساد ويقضون على الفقر والبطالة بالضربة الفنية القاضية، ويبشروننا ببناء اقتصاد على أساس متين من المنظفات والعلكة والبيتون المجبول المغشوش، وأن مصلحة سوريا فوق أي مصلحة وإنهم سوف يحررون الجولان..إلى آخره من الشعارات والوعود الهوائية الرنانة والطنانة والمبهمة في كثير من الأحيان متجاهلين أنهم عندما كانوا نواباً في الدورات الماضية رفعوا نفس الشعارات لكنهم لم يفعلوا شيئاً سوى تفضيل مصلحتهم الشخصية على مصلحة سورية وشعبها متحصنين بحصانتهم كأعضاء في المجلس العتيد ..
هكذا بكل بساطة يريد منا هؤلاء المرشحين خاصة القدامى منهم أن ننسى ونُمحي صورهم من ذاكرتنا عندما كنا نشاهد بعضهم نائماً في مقعده النيابي، وبعضهم الآخر منشغلاً بكثرة التثاؤب، وآخرون لم نكن نراهم مطلقاً لانشغالهم في تأمين مصالحهم خارج المجلس، ولن ننسى صورتهم الجماعية في جلسة مجلس الشعب الشهيرة في نهاية عام 2005 عندما تهافتوا في بث حي ومباشر على مهاجمة أحد المسؤولين الذي هرب خارج البلاد ووصفه بأوصاف ونعوت بغض النظر عن صحتها أو عدم صحتها، إلا أننا لم نكن نتوقع صدورها عمن يدعون أنهم يمثلون شعب سورية الأبي، وهم الذين لم يسبق أن تجرأ أحد منهم على مهاجمة ذلك المسؤول أو حتى انتقاده حين كان في سدة المسؤولية.. وماعدا ذلك لم نر منهم شيئاً سوى أنهم صبحوا من أصحاب الملايين والشركات والفيلات والقصور والسيارات الفارهة التي تجوب الشوارع في استفزاز مباشر لمشاعر الناس الذين انتخبوهم..
رزق الله أيام الخمسينات من القرن الماضي عندما كان النائب الذي ما أن يدخل مكاناً عاماً حتى كان يستقبله الناس بكل احترام وبما يليق به كممثل حقيقي عن الناس كل الناس، أما اليوم فإنهم باتوا يتجاهلونه في غالب الأحيان، فيدخل مكاناً عاماً ويخرج منه دون أن يَشعُرَ به أحد.. كل ذلك جاء نتيجة إحساس الناس المتنامي بأن هؤلاء المرشحين ما أن يصلوا إلى مجلس الشعب حتى يتنكرون لوعودهم التي انتخِبوا على أساسها، وغدت النظرة إلى مجلس الشعب أنه فقد دوره ولم يبقَ فيه شيء من الشعب إلا الاسم فقط.. مع أن مجلس الشعب والمجالس النيابية في العالم تلعب دورها هاما ورئيساً في التشريع والرقابة على عمل الحكومة التي تحاول جاهدة نيل رضى أعضائه لأنها تخشى مساءلته ومحاسبته.. أما عندنا فالحكومة لاتخشى مجلس الشعب، مع أنه يملك بموجب أحكام الدستور حق الرقابة على عملها ومساءلتها وحتى إقالتها في أي وقت يرى أنها مقصرة في عملها،إلا أنه في الواقع لايستطيع مناقشة أو إقرار أي قانون يتفق على ضرورته عدد من أعضاء مجلس الشعب إذا لم يحظ بموافقة الحكومة، بينما المفترض هو العكس على اعتبار أن مجلس الشعب هو السلطة الأعلى والأقوى، والحكومة هي الجهة الأضعف التي تخضع في نيل شرعيتها والموافقة على برنامج عملها لأكثرية أعضاء مجلس الشعب. ولهذا لم نسمع طوال تاريخ مجلس الشعب السوري عن تأزم أو حتى جفاء بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، كما هي حال الصراعات والأزمات التي نسمع عنها في غير بلد من البلدان الديمقراطية بين البرلمان والحكومة.كما حدث مؤخراً في ايطاليا عندما طرح عدد من أعضاء البرلمان الايطالي الثقة بحكومة برودي الذي فضل استقالة حكومته على طرح الثقة بها، والذي نال ثقة المجلس من جديد بعد أن عدل في سياسية حكومته وبرنامج عملها بما يرضي أغلبية النواب المنتخبين من الشعب الايطالي..!
فسورية العزة والحرية والكرامة لم ولن تبنيها صور المرشحين ومهما تفننوا في أظهار صورهم وعراضاتهم وخيمهم ووعودهم الهوائية، إنما تُبنى وتتقدم إلى الأمام من خلال العمل على إعادة صياغة العلاقة القائمة بين الدولة ومواطنيها على أساس عقد جديد يقوم على الالتزام الطوعي والاحترام المتبادل والمساواة بالمشاركة الفعالة لجميع السوريين في تحمل مسؤولية بناء الوطن ، وبما يؤسس إلى قيام حياة برلمانية حقيقية تمثل خير تمثيل إرادة السوريين ومصالحهم وتطلعاتهم على أساس مبدأ المواطنة، بعيداً عن أي ولاء قسري أو تهميش أو عزل أو إهمال, وبغض النظر عن أي انتماء ديني أو سياسي أو عرقي.
المحامي ميشال شماس

