دار الحنان*د.عبد الخالق حسين*
#1

تفيد "الأخبار" أن شبكة (CBS) الأمريكية كشفت في تقرير مصور عن وجود 24 طفلا عراقياً في أحد مؤسسات رعاية الأيتام في العاصمة بغداد تظهر عليهم آثار المجاعة والمرض والاهمال.
وأشار التقرير الى ان "القوات العراقية والأمريكية داهمت المبنى الحكومي المخصص لرعاية الاطفال الايتام وذوي الحاجات الخاصة الاسبوع الماضي، اثر هروب عدد آخر منهم". و"ان العديد من الاطفال الذين عثر عليهم ..كانوا غير قادرين على الوقوف والحركة بسبب حالة الهزال التي سببتها المجاعة، وبعضهم كان مربوطا في السرير لمدة تجاوزت الشهر". وأكدت المصادر أن "بإستطاعة أي شخص أن يعد عظام الأطفال بسبب النحول الذي يعانون منه، وان بعضهم كانوا ينامون تحت حرارة الشمس المحرقة، وقد تعرضوا لحالات من الإعتداء الجنسي".] للإطلاع على التقرير مع الصور المؤلمة يرجى الضغط على الرابط في نهاية المقال.






أعتقد أن ما جرى في هذه المؤسسة، المفترض بها رعاية الأيتام أو المعوقين، لا فرق، ما هو إلا الجزء المرئي الصغير من الجبل الجليدي الكبير من الإهمال والفساد والتقصير الذي تم اكتشافه بالصدفة، وما خفي أعظم وأشد وأنكى وأدهى وأمر. وقد شاهدنا صور الأطفال بأجسادهم النحيلة الهزيلة التي تثير الحزن والأسى، بل تسبب الصدمة النفسية والكوابيس لكل إنسان ذي وعي وضمير. ولم يكن السبب شح وسائل الراحة والأطعمة في هذه المؤسسة، إذ شوهدت فيها أكوام من المواد الغذائية المتنوعة والأفرشة والأسرة وكل اللوازم المطلوبة التي وفرتها الدولة أو المؤسسات الخيرية الأجنبية. فلماذا إذنْ حصل هذا الظلم وبهذه البشاعة؟ يبدو أن السبب الوحيد هو الشح في الضمير والإخلاق لدى المسؤولين عن هذا الميتم أو المصح أو الملجأ؟






إن هذه الصور المحزنة للأطفال في هذه المؤسسة تذكرنا بالصور البشعة لأعمال التعذيب التي تعرض لها عدد من سجناء أبي غريب قبل عامين والتي فضحتها مؤسسات إعلامية أمريكية وبواسطة الجنود الأمريكان أيضاً. وعندها أقام الإعلام العربي والعالمي الدنيا على تلك الصور بينما التزمت جانب الصمت إزاء صور الأطفال الأيتام العراقيين؟ علماً بأن الذين تعرضوا للانتهاكات في سجن أبو غريب كانوا من المتهمين بالجرائم البشعة ضد الشعب العراقي ومن أيتام نظام حكم البعث المباد، بينما ضحايا الميتم العراقي هم أطفال يتامى أبرياء لا حول لهم ولا قوة.






ويا للفضيحة، لقد خرج علينا وزير العمل والشؤون الاجتماعية السيد محمود الشيخ راضي اليوم 20/6/2007 على فضائية الشرقية، ينكر فيها حصول مثل هذا الإهمال بحق الأطفال، وصب جام غضبه على الأمريكان الذين اكتشفوا الجريمة ووصفهم بأنهم أعداء يجب عدم تصديقهم... وأنهم نشروا هذه الصور لأنهم أعداء العراق وليظهروا أنفسهم أنهم إنسانيون.. وأنه قريباً سيعقد مؤتمراً صحفياً ليوضح هذه المسألة. وفي دفاعه عما حصل، قال الوزير أن هذه المؤسسة هي ليست للأيتام بل للأطفال المعوَّقين... وكأنه يجوز إلحاق الأذى بالمعوقين.


أعتقد أن هذا التصريح يدل على عدم اهتمام الوزير الهمام بمحنة هؤلاء الأطفال.. ولا فرق أن يكونوا أيتاماً أو معوقين، إذ من واجب المؤسسة الحكومية أن تهتم بهم.. ودفاع الوزير المستميت عن المقصرين وإخفاء الجريمة هو من باب (العذر أقبح من الفعل) فبدلاً من أن يعترف بالخطأ والتقصير ويعاقب المجرمين ويعتذر للشعب العراقي إن لم نقل يستقيل كما يحصل في البلدان الديمقراطية الحقيقية في مثل هذه الحالات، يتنصل هذا الوزير من مسؤولياته ويدافع عن المقصرين ويتهكم على من اكتشف الجريمة ويصفهم بالأعداء، علماً بأن الجنود الأمريكان هم أنفسهم الذين اكتشفوا جريمة سجن أبو غريب وقاموا بفضحها على أوسع نطاق وتمت محاسبة المسؤولين عنها وفق أحكام عسكرية مشددة. كذلك نود أن نذكر السيد الوزير أنه لولا هؤلاء الأمريكان الذين وصفهم بالأعداء لما صار هو وزيراً ولما سمع به أحد، بل كان مازال مشرداً في المهجر. ولكن بدفاعه المستميت عن هذا الإهمال بحق الأطفال المعوقين، فقد حل لنا السيد الوزير لغزاً صعباً حيث فسر لنا لماذا احتل العراق أعلى مرتبة في الفساد الإداري في العالم.


فإذا كان الوزير يدافع عن الفساد والتقصير، فلا عتب على الموظفين الصغار.






إن فضيحة (مؤسسة رعاية الأيتام أو مصح المعوقين) كبيرة جداً وأعتبرها أسوأ بكثير من فضيحة سجن أبي غريب لأن هؤلاء الأطفال صغار وأبرياء وأبناء ضحايا النظام الساقط، وهي جريمة كبرى يندى لها الجبين. كما أعتقد أن وراء هذه الجريمة ليس مسؤول المؤسسة المهزوم وحده فقط، بل لا بد وأن معه شبكة واسعة من المسؤولين المشاركين في هذه الجريمة.






من المؤسف القول أن هذه الجريمة هي ليست حالة نادرة، بل دليل على مدى الانحطاط الإخلاقي الذي أصاب المجتمع العراقي بعمق وفي الصميم وعلى نطاق واسع، وأن العراقي مازال غير مؤهل لإدارة شؤون بلاده، لذلك نرى الفساد المستشري في المؤسسات الحكومية من أعلى إلى أدنى مسؤول في الدولة. وهذا جزء يسير من الخراب البشري الذي تعرض له الشعب العراقي خلال حكم البعث الفاشي نحو أربعة عقود. إنه كارثة أخلاقية وإنسانية بشعة إلى أبعد الحدود. وهناك قصص مشابهة لهذه الجريمة تردنا بين حين وآخر لا يصدقها العقل، وما هذا القتل العشوائي للأبرياء على أيدي العراقيين أنفسهم إلا دليل واضح على هذا الخراب الإخلاقي.






على الحكومة العراقية أن تبحث في هذه الجريمة البشعة وتشكل لجنة دائمة لتفتيش المؤسسات المشابهة لمعرفة ما يجري فيها من انتهاكات وعلاجها قبل تفاقمها إلى هذه الدرجة البشعة. يجب تقديم الجناة إلى المحاكم الجنائية وفضح المدانين بها وتطبيق أشد العقوبات بحقهم ليكونوا عبرة لمن اعتبر.






بقي علينا نذكر أن المؤسسة المسؤولة عن رعاية هؤلاء الأطفال الأيتام أو المعوقين، لا فرق، اسمها (دار الحنان)، فيا له من حنان، اللهم احفظ أطفال العراق من هذا النوع من الحنان.
رد
#2
تكملة لمقالتي عن محنة الأيتام المعاقين المنشورة على مواقع الإنترنت قبل أيام بعنوان (أسوأ من فضيحة أبو غريب). و(دار الحنان) هذه اسم على غير مسمى، لملجأ حكومي المفترض به أن يقوم المسؤولون به على رعاية أطفال أيتام معاقين يحتاجون إلى عناية خاصة، تابع لوزارة العمل والشؤون الاجتماعية. ولكن بدلاً من رعاية هؤلاء الأطفال فالذي حصل وكما تم اكتشافه على أيدي الجنود الأمريكان عند مرورهم بالمنطقة وبمحض الصدفة، ونشرته محطة تلفزيون الـ (CBS) أنهم تعرضوا للإهمال والجوع إلى حد الهزال، وبعضهم تعرض حتى للإعتداء الجنسي. وكان كل هم القائمين في تلك المؤسسة هو سرقة المواد الغذائية المكدسة وبيعها في الأسواق بدلاً من تقديمها لهؤلاء الأطفال الأيتام المعاقين... (لقراءة التقرير ومشاهدة الصور والفيديو وتصريحات الوزير العراقي، يرجى الضغط على الروابط في نهاية المقال).

مرة أخرى أود أن أؤكد إن ما جرى في (دار الحنان) من إهمال متعمد ليس حالة نادرة، بل هي حالة متفشية واسعة الانتشار في عموم العراق في هذا الزمن الرديء، وسأوضح ذلك لاحقاً. كما إن ما حصل في هذا الملجأ يعطينا صورة واضحة وتفسيراً مقنعاً لما جرى ويجري في عراق ما بعد صدام. إنه لدليل قاطع على ما أصاب شريحة واسعة من المجتمع العراقي من خراب بشري وموت للضمير وعجز في أداء الواجب وغياب الشعور بالمسؤولية. وباختصار شديد، أن العراقي صار غير قادر على إدارة شؤونه ناهيك عن إدارة دولة مقدمة على تحولات اجتماعية كبرى تمر بمنعطف تاريخي عاصف. وسبب هذا الخراب البشري والتدهور الحضاري والانحطاط الخلقي، كما بينا في مناسبات عديدة، هو ما تعرض إليه هذا الشعب من الظلم والجور والجوع والحرمان والتعسف والإذلال ومصادرة الحريات خلال 35 عاماً من حكم البعث الصدامي الغاشم الذي منع العراقيين من التفكير وأخذ المبادرة في حل مشاكلهم، إذ كان صدام حسين هو وحده صاحب القرار، ويفكر نيابة عنهم. وكما يفيد علم الفسلجة، إن عدم استعمال أي عضو في جسم الإنسان يصاب بالضمور، وتسمى هذه الحالة بـ (disuse atrophy) وفق مقولة (use it or you will lose it). وهذا المبدأ ينطبق على العقل والضمير والتفكير أيضاً، فكيف يمكن لهؤلاء العراقيين الذين تعرضوا إلى هذا القدر من الظلم والحرمان أن يحلوا مشاكلهم ويؤدوا واجباتهم بالشكل المطلوب؟

لذلك نعتقد أن ملجأ (دار الحنان) عبارة عن صورة حقيقية مصغرة (miniature) للعراق بشكل عام. وإدارة هذا الملجأ هي صورة مصغرة للحكومة العراقية، وصور الأطفال وأجسادهم النحيلة المصابة بالهزال هي صورة حقيقية لمعاناة الشعب العراقي. ومن هنا ندرك لماذا فشلت الحكومة العراقية في القضاء على الإرهاب والفساد والسرقة، كما فشلت في توفير الأمن والخدمات للشعب المغلوب على أمره. إن دار الحنان هذه أعطتنا تفسيراً واضحاً لفشل الحكومة في سحق الإرهاب والجريمة المنظمة.

والذي أكد لي هذا الاعتقاد أيضاً هو ظهور وزير العمل والشؤون الاجتماعية على وسائل الإعلام، وبدلاً من أن يعتذر للشعب العراقي عن هذه الجريمة النكراء التي هزت الضمير العالمي، ويقوم بإجراء التحقيق وتقديم المقصرين إلى المساءلة والمحاسبة، رأيناه يدافع باستماتة عن المقصرين وينكر بشدة وقوع أي خطأ في معاملة هؤلاء الأطفال، وكأن شيئاً لم يكن، وأن ما جرى مسألة طبيعية لا داعي لانتقادها أو إثارة كل هذه الضجة!!! كما وراح الوزير يصب جام غضبه على الجنود الأمريكان الذين اكتشفوا هذه الفضيحة وأنقذوا الأطفال من الموت المحتم، وراح يشتمهم ويصفهم بأنهم أعداء العراق ويخطط لمقاضاتهم. إن كلام الوزير هذا يعني أنه وزملاءه الوزراء الآخرين هم قابعون وراء مكاتبهم في المنطقة الخضراء لا يدرون ما ذا يجري للشعب، وما يدور في مؤسساتهم دون أدنى مبالاة، وكل همهم هو اعتبار مناصبهم ما هي إلا فرصة ذهبية لا تتكرر لهم، لتحقيق أكبر قدر ممكن منافع شخصية، مادية واجتماعية، لهم ولعائلاتهم وأقربائهم وأصدقائهم، ويفسر لنا أيضاً أن إشغال المناصب الخطيرة هذه لا يتم وفق الكفاءة، بل وفق المحسوبية ومبدأ (الأقربون أولى بالمعروف)، لذا فلا عجب أن يتردى الوضع العراقي كل يوم من سيئ إلى أسوأ، سواء في الأمن أو الخدمات وفي جميع المجالات.
أود أن أذكر السيد الوزير أن قبل عامين حصلت تجاوزات في النتائج الامتحانية لعدد من مدارس الثانوية في بريطانيا. وعندها أثيرت ضجة صحفية ووجهت انتقادات شديدة ضد وزيرة التعليم، السيدة (إستِل مورس) مما اضطرت تقديم استقالتها، معتذرة للشعب قائلة في رسالة الاستقالة أنها ليست بمستوى المسؤولية (I am not up to the job)، علماً بأنها كانت مثالاً للكفاءة والنزاهة والإخلاص. وبذلك فقد كسبت عطف واحترام المجتمع البريطاني. أما وزيرنا الهمام، فبدلاً من أن يعتذر ويشرح لنا ملابسات المشكلة، راح ينكر حصول أي خطأ، ووصف التقرير بأنه فبركة من أعداء العراق الذين لا يريدون له الخير. وبذلك فقد أثبت السيد الوزير أن "أعداء العراق" هم أرحم بالشعب العراقي من أبنائه.

ما العمل:
وبعد كل هذه الفضيحة إلى درجة أن صار اسم (دار الحنان للأيتام) مرادفاً لفضيحة سجن أبي غريب، إلى حد أن تدخلت حتى منظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة تستنكر هذه الفعلة، وتطالب بحماية لأطفال العراق اليتامى والمعاقين من الفاسدين والمقصرين (الرابط أدناه)
لذلك، نهيب بالسادة: رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وهيئة الرئاسة، بالاهتمام بالموضوع وأخذ الإجراءات التالية:
1- إقالة وزير العمل والشؤون الاجتماعية لعجزه وضعف الكفاءة، ومحاسبته على فشله ومحاولته تغطية الجريمة بحق هؤلاء الأطفال وإلقاء اللوم على الذين اكتشفوا الجريمة وأنقذوا الأطفال الضحايا،
2- تشكيل لجنة من المتخصصين للتحقيق في الموضوع،
3- تقديم المقصرين إلى المحاكمة وإنزال أشد العقوبات بحقهم وفق القانون، ليكونوا عبرة لمن اعتبر.
ــــــــــــــــــــــــــــ
روابط ذات علاقة بالموضوع:
1- تقرير السي بي أس:
http://www.cbsnews.com/stories/2007/06/1...tpop_story
2- الصور
http://www.cbsnews.com/elements/2007/06/...2940.shtml

3- تقرير بثته قناة ال "سي بي اس» التلفزيونية
http://www.cbsnews.com/sections/i_video/...d=2946323n

4- وزير العمل والشؤون الاجتماعية العراقي: سأقاضي القوات الأمريكية لمداهمتها دار الحنان للأيتام
http://www.akhbaar.org/wesima_articles/i...31923.html

5-اليونيسيف: مستقبل الأطفال المعاقين اليتامى في العراق واقع تحت تهديد حقيقي
http://www.akhbaar.org/wesima_articles/i...31935.html

6- د.عبدالخالق حسين أسوأ من فضيحة أبو غريب
http://www.aaramnews.com/website/6398NewsArticle.html
رد


الانتقال إلى منتدى:


المستخدمون الذين يتصفحون الموضوع: 1 زائر