21-09-08, 09:38 AM
هاهي جهينة تدّلي رأسها أمامي وتهز قدميها ليس كما يحلو لها أن تفعل ............
وجهينة كنت قد بدأتُ بصنعها منذ شهور كي لايركلني الليل الى حافة الجنون
وكي لايفسد الدمع الكحل وهو يحفر على صفحة عينيّ الخيبات...........
وضعت لجهينة شعراً من الصوف وخرزت عينيها بدبوسين كانت تضعهما أمي على منديلها الأبيض..
وكأنّي كنت أعرف بأنها لن تفارقني بعد اكتمالها ..........
وجهينة هذه ليست سوى دمية كبقية الدمى لاتستطيع اثبات وجودها أو نفيه ولاتستطيع انكار واقعها أو رفضه ..
فهي خارج منطقة الجدل وخارج كلّ التصنيفات الحسيّة ....
ولأن نفي النفي اثبات ومنطقة الخلل بين اثبات الوجود أو نفيه لايمكن لها ادراكها فهي ككل الأشياء
..... حدث ليس له معنى وقد يكون أصلاً لم يحدث و ليس له وجود ........ وأتسائل الى أي حدّ ينطبق علينا ذلك ....فلو قلت بأنّه يشبهنا كثيراً سأجد ألف جهينة تحوّلني الى شبهة........
ياصديقتي جهينة ... إني وبكل ما أملك من مساحات وعرة في رأسي تسقط كبقع الدهن على الواقع ليبدو لزجاً هلامياً
أنزلق عليه بأمان دون التصاقات تبعدني عن كل ما آمنت به في حياتي حتى أصبح فقدانه يعني الموت ........ أشاركك هذه الحيرة ...... فرؤوسنا ليست أفضل حالاً من رأسك الذي أراه متدلياً على عنقك كفزاعة طيور ........... ولو استثنينا الوصف البيولوجي لقلنا أن النساء ربما منذ حقبة من الزمن لم تلد سوى الدمى .......احتفظت بالاحساسات الفيزيولوجية المتفرقة فقط ........تلك الاحساسات التي تحدث عادة للدمى البشرية حيث ربما / وأقول ربما من باب التفاؤل / تتولد أحياناً عند استلام فواتير مرتفعة من كهرباء أو ماء او هاتف ........ أوربما تحدث كوخز الإبر لفترة قصيرة عند شراء الاحتياجات الضرورية والتي لم تعد ضرورة لقمة رفاهيتها وترتفع بتوتر عالى عند دخول الدوائر الحكومية والمؤسسات الرسمية........ ولكن في العموم لايشبه ذلك الاحساس أكثر بكثير من ولادة بقرة لعجل كبير إذ يرتفع خوارها ثم سرعان ما تقف على قدميها .......... وبين الفينة والفينة تأكل التبن وتصمت ..........
وفي الحالات الاخرى ياصديقتي جهينة والتي تستمر فيها الهزات الفيزيولوجية بالارتفاع تكون حالات اعتباطية فردية يستعين صاحبها كلّ أرق ليلي بذاكرة مسطول ليرسم واقعاً سيريالياً بديلاً ..........حيث يلوك الدهشة وينتظر المجهول
سأستعين بكِ الليلة لأصنفنا تاريخاً حاضراً بكل قوة ومستقبلاً صارخاً بكلّ وضوح كنوع من التسلية .. أو ربما الحيرة ... أو ربما البكاء المرّ الصامت حيث كل مافات وما آمنّا به وماحاربنا من أجله أصبح مجاني ومبتذل ورخيص كعطور العاهرات في فنادق الدرجة الرابعة......
نحن يا صديقتي لسنا سوى دمى نحاول الهرب من شرك التشبيه بالدمى فنستعين بفتحاتنا المتعارف عليها كالفم والشرج فقط في محاولة طموحة للجسد ليعلن بأننا تصنيع معلّب قابل للاستهلاك محشو بالهراء و من دون مواد حافظة للكرامة .......
ياشبيهتنا في الوعي الأصم ...........
ذات صباحات ماكرة عنيدة ولدنا نحن ذلك الجيل الذي خلق محاصراً بالأرق وكنّا لعنة يضعها على صدره كل من كان يشعر بالمبالاة.. كنّا ننطق بألف لغة خرساء كي لاتتدحرج الضحكات على الاسفلت وكي لايفقأ الحزن العيون فتصبح كالدبابيس الملونة الشبيهة بعينيكِ تنخر الى الداخل لتحز خيوط الأحلام ...................و اكتشفنا متأخرين بأن البحر لا يستطيع الهرب من شرَك المد والجزر .........والاوتار لاتعزف لحناً بجثث أصابع ..... والدمى صمّاء محشوة بالبقايا ...والطحالب .. والعلق ..........
.

