31-10-07, 09:51 PM
دخَلَ الشيطانُ بئرَ المَذبَحَةِ ..
لمْ أكنْ أتَوقَّعُ أن يأتي ..
أحسستُ بِقُربِ المأزِقِ ..
فالمَذبحَة ما تزالُ مستَمِرَّةٌ وفي كلِّ لحظةٍ يسقُطُ رأسٌ من فوقِ جَسَد.
أتى الشيطانُ مُتسلِّلاً بوَجهِهِ المتطاوِلِ، وبِعَينَيهِ الشاقوليَّتينِ، فوقَ فمِهِ الأزكَمِ، وبحاجبينِ كخِنجَرينِ فوقَ موقِدينِ، وجبينٍ ضيِّقٍ، وأنفٍ مستَدِقٍّ طويلٍ، فوجَدَ الجلَّادين يتنافَسونَ أيُهُمْ يَقتُلُ أكثرَ، والناسُ يُذبَحونَ بِلَذَّةٍ وانسِجامٍ، يجاهِدُ أحَدُهُم مُعْضِلَةَ الزِّحامِ ليَصِلَ إلى سيفِ الجَّلَّادِ، ليتلقى طعنةً في خاصِرَتِهِ، ثمَّ يُبْتَرُ رأسُهُ، فتُدوِّي ضِحْكَةٌ منْ صدرٍ مُنشَرحٍ، ويَتَدَحرجُ ذلِكَ الرأسُ وقد ارتَسَمَتْ على شفَتَيهِ ابتسامةٌ، فيُشعِرُكَ وكأنَّه يلعنُ ذلِكَ الجَسَدِ الحقيرِ الذي انفصلَ عنهُ
كان كلُّ شيءٍ يسيرُ كما كان يرغَبُ الشيطانُ، ما كانَ أروَعَهُ من شيطانٍ .. أطَلَّ برأسِهِ فأضفى على المكانِ ضياءً من نوعٍ خاصْ. فالألوانُ زاهيةٌ والبَرِيقُ متناغِمٌ، وأصبَحَت صيحاتُ الزاحِفينَ إلى الجلَّادِين تُشبِهُ الموسيقى، فترى الجميعَ يرقصونَ، فيما يؤدي الجلادونَ عمَلَهُمْ في بترِ الرؤوسِ على إيقاعِ الطبلةِ، وهمْ لا يُصَدِّقون متى ينْتهونَ من هذه الجموعِ الطامِحةِ للوصولِ إلى سيوفِهِم.
كانتْ جُدرانُ البئرِ رَطِبَةٌ تُغَطِّيها بعضُ الطحالبِ وتنتؤُ فيها بعضُ الصخورِ، ويتسَرَّبُ الماءُ من بعضِ الشقوقِ، فيمتَلئُ المكانُ برائحةِ العُفونةِ، وفي القعرِ تتجمَّعُ مياهٌ آسِنَةٌ تخالِطُها الدماءُ، والظلامُ يكادُ يلُفُّ المكانَ لولا خيطٌ من الضِياءِ يَتَسللُ من فوهةِ البئرِ، وعينا الشيطانِ البرَّاقَتَينِ الرائعَتَينِ تلمَعانِ في رُكْنٍ بعيدٍ من البئرِ وهو يُقَدِّمُ الأنخابَ الدمويةَ للجُموعِ المتوافِدةِ من بابِ البئرِ الخلفيِّ.
نَفَقٌ امتلأَ بالناسِ، منهمْ من يزحفُ أو يحبو أو ربما اتَّسعَ له النفقُ بما يكفي فقامَ يمشي، وكُلَّما زَكِمَتْ أنوفُهُم برائحةِ الدماءِ، كُلَّما حَثُّوْ السيرَ إلى نهايةِ النَّفَقِ، وكلُّ غايَتِهِمْ أنْ يستَمتِعوا بسيوفِ جلّاديهِمْ، لِتَفصِلَ رؤوسَهُم عن تِلكَ الأجسادِ القَذرةِ المليئَةِ بالرِّجسِ والانحِطاطِ.
تجِدُهُمْ يسعونَ إلى اغتيالِ الزمنِ، فالزَمَنُ عدوٌّ لدودٌ لَهُمْ، لكنَّ غيرَهُمْ ممَّنْ لمْ يَدْخُلِ البئرَ في الناحيةِ الأخرى منَ النَفَقِ يحسِبُ لهُ حساباً، ويَعُدُّ ساعاتِهِ وأيامِهِ، ويُفَضِّلُ أنْ يشرَبَ الشايَ بدلاً من الخمرِ وأن يأكلَ الخُبْزَ بدلاً منَ "الهات دوغ" وأنْ يَتَأَمَّلَ لوحاتِ دافنشي بدلاً من لوحاتِ بيكاسو.
عندما دَخَلَ الشيطانُ هذا الوَكْرَ .. وَكرَ العَربَدةِ، حسِبتُ أنَّ كارِثةً ستحصلُ .. توَقَّعتُ أنْ يُذَبِّحَ الشيطانُ رِقابَ الجّلَّادينَ، وأن يُفسِحَ للناسِ مجالاً أوسعَ للحياةِ، فينتَشِلَهُمْ من البئرِ الملعونِ، لكنَّ شيئاً من ذلِكَ لم يحصلْ، فقدْ سعى الشيطان يسكبُ الأنخابَ والناسُ يشرَبونَ، حتى ثَمِلَ الجميعُ، وصار بتْرُ الأطرافِ وجذعُ الأنوفِ والآذانِ لعبةً رائعةً، يلعَبُها الجميعُ.
أحسستُ أنني بحاجةٍ أنْ أدخُلَ تلكَ اللعبةِ، وودَدْتُّ لو أمسَكتُ مِشرَطاً وفقَأتُ عين أحَدِهِمْ والتهمْتُها بشراهة .. الخائنِ ابن الخائنِ .. تَرَكَني وذهبَ إلى غيري فقطْ لأنني تعامَلْتُ معهُ بِلُطْفٍ. كانَ يُريدُني أن أسحــقَهُ سحقاً ليشعُرَ بأقصى درجاتِ اللذَّةِ والامتنانِ. لقد تَمَرَّدَ هؤلاء الناسِ على كلِّ القيمِ، فجَعَلوا الفاضِلَ مُنْحَطَّاً واللطيفَ جبانا .. ما أجمَلَ أنْ أبقُرَ بطنَ أحَدِهِمْ وأستَخرِجَ كَبِدَهُ، لكنني ما أزالُ مُتَشَبِّثاً بالحياةِ، متَهَيِّباً أنْ أُقَدِّمَ نفسي أُضحِيَةً على محرابِ المَذْبحِ، فلِذلكَ تَجِدَهُمْ يَهزَءونَ مني ويحدِّقونَ بي بنظراتِهِم الغادِرَةِ الدنيئةِ، فأُحِسُّ بالعارِ .. لأنني فوقَ الرذيلةِ، وأُحِسُّ بالخِزْيِ .. لأنني ما زِلْتُ أكتَنِفُ في داخلي بعضاً من إنسانٍ.
ولو أنَّكَ جاهَرتَ برذائِلِهِمْ لتحايَلوا عليكَ، واتَّهَموكَ بالتَّخَلُّفِ والغباءِ، ثمَّ توارَوا خلفَ ستارٍ واهٍ من الشرفِ والخصال الحميدةِ. إنَّهُمْ فقط يتلذَّذونَ بما يُمكِنُ لهمْ أن يتلذَّذوا به، ويلفِظوكَ بعيداً لو لمْ تأتِ إليهِمْ بزَخَمٍ كبيرٍ وبدونِ تردُّدٍ، فَهُمْ ما تَعَوَّدوا أن يدعوا أحداً إلى ولائمِهِمْ، وعليكَ أنْ تقتَحِمَ عليهِ خِلوَتَهُمْ بكلِّ شَراسةٍ، عندها يُقَدِّرونَ أنَّكَ أروَعُ الناسِ، وأفظَعُهُمْ، فيلتَهِمونَكَ وما ألَذَّ الإلتهامِ.
فقط عليك أنْ (تتَّكِلَ) على الشيطانِ، لِيُعَلِّمَكَ كلَّ طرائقِ العَبَثِ والشُذوذِ، وعندها ستنْدَسُّ بينَهُمْ دونَ أن يشعروا برائِحَتِكَ، وستُصبِحُ قريناً رائعاً لِكُلِّ الجِّنِّيات، لكِنَكَ ها هُنا ستنسى إنسانيَّتَكَ، وستتخلى عن عشقِكَ للنورِ والحُرِّيةِ والسماءِ الصافيةِ، لتَعشقَ الخرابَ والخفافيشَ والظُلمة والنَتن.
27/11/1989

