النرجس و أولاد السفلة
#1
معطراً برائحة الهال الشهي كان الصباح، و كنت أحصي خفقات قلبي في المسافة ما بين ‏تصاعد البخار المحمل برائحة البن من دلة القهوة، وصوت فيروز، وهي تغني "يا عود ‏يا رفيق السهر يا عود"، أنهيت سكب فنجان القهوة في روحي، حملت جسدي على جناح ‏فراشة، وحملتني خطواتي خفيفاً كالملائكة باتجاه الجامعة، في الطريق كانت وجوه ‏المارة مبتلةً بالندى تهرب من دخان عوادم السيارات، و تترقب شيء ما، وجوهٌ لأناسٍ لا ‏أعرفهم تتراءى لي كرغيف خبز ساخن، وهم ينفخون البخار على أيديهم ليدفئوا ‏أصابعهم في هذا الصباح البارد



وصلت إلى الجامعة وبعد انتهاء المحاضرة رحت أبحث كالمتيم عن فنجان قهوة ‏أخر يعيد لي اتزان دماغي بعد محاضرة طويلة في المعادلات الفيزيائية ‏الرياضية،إنني بحاجة إلى فنجان قهوة ليتصعّّد كالنسغ في جوفي ويمحي إشارات ‏التكامل، والتفاضل، وكلام الدكتور عن التفاضلات الكلية، ومعادلات الحركة ..‏
كان الطريق من كلية العلوم باتجاه كلية الهندسة المدنية كدرب الجلجلة والطقس بارد ‏أما الغيم فكان للمنظر فقط غيمٌ بلا مطر كأرقام الحكومة الخلبية في تصريحاتها عن ‏ارتفاع معدلات النمو، والطلاب أشبه بكراتٍ تتقاذفها الأقدام، جلست في ندوة كلية ‏الهندسة المدنية الراقية نسبياً،والتي لا يدخلها إلا ذوي الدخل الغير محدود، أبناء ‏ضباط ، أبناء تجار، أبناء أطباء ومهندسين، أبناء لصوص، أبناء زانيات، وأنا وحيداً ‏ككومة لحم باردة، أحضرت فنجان قهوتي رفيقي الأبدي، وجلست أترقب الجالسين، ‏غريبٌ أمرهم ..!! لا أحد من الجالسين ينتبه إلى صوت فيروز...!!،وأحاديثهم تطغى ‏على أغنية "شط إسكندرية "، ادقق في أصواتهم، ضجيج يرعب الروح، كأنني في ‏قن دجاج، أتمعن في وجوههم، ألوان ثيابهم، تسريحة شعرهم، أحاديثهم، موبايلاتهم، ‏دخانهم، الكل متشابهون لا أحد يدخن الحمراء الطويلة ولا القصيرة إنها عقدة الإنتاج ‏الوطني على ما يبدو، الجميع يمسكون علب دخانهم الأجنبي الفاخر لتظهر بأيديهم ‏كأنها بطاقات تعريف لتحديد الانتماء (جيتان، مارلبورو، وينستون، غولواز) وبنفس ‏الطريقة تتراقص الموبايلات بالأيدي،لا أحد يمسك جهازاً إلا من أحدث الأجهزة، ‏وأغلاها ثمناً، بناطيل ممزقة عند الركبتين ليس نتيجةً لفقرٍ بل لأنه الموديل الدارج، ‏‏(انه اغتصاب كامل لملامح الفقر وحقوق ملكيته الفكرية)، طلاب متشابهون كالتوائم ‏السيامية، فتيات حسناوات كالصيصان الملونة لا تستطيع التمييز بين واحدة وأخرى، ‏شباب بلا هوية بلا انتماء، المهم تسريحة الشعر، رائحة البارفان، نوع الموبايل، عدد ‏المعجبات،عدد المعجبين، عزائم المقاهي، لا اكتراث بأي شيء، كفتريات موزعة ‏على الطوائف وبالأحرى كانتونات طائفية تتقاسم حتى حقوقنا في شرب القهوة، ‏وفروقٌ طبقية حتى النخاع تظهر فاقعةَ في نوعية مرتادي كفتريات الجامعات، آه من ‏يتّمنا ؟؟ من حولنا إلى مجرد كرات تتقاذفها سيقانٌ طويلة ؟؟‏
صوت فيروز يخبو في معركة ضروس مع ضجيج الشباب الجامعي، ولا أحد ينصت ‏لصوتها إلا أنا،وفنجان قهوتي ..‏
غاب صوت فيروز رويداًً رويداً وانكسر في الزحام.‏
في غمرة هذه الدورة الجنونية لعصر الاستهلاك والقشور وغياب الأحزاب التقدمية ‏منها والرجعية وصعود أحزاب (الكوردون بلو) و(الفيلي) و(الدلفري) ومجتمعات ‏‏(الياي) و (البابي) و (المامي)، دارت في رأسي الأخبار وكأنها رشقات رصاص ‏حي تثقب جسدي ( حصار غزة، مليون شهيد ومليونا طفل يتيم في العراق،أمين ‏الجميل والاشمئزاز من أشلاء الجنود الإسرائيليين لدى حزب الله، هيلاري و أوباما ‏وقناة العربية، اعتقالات في صفوف إعلان دمشق، رياض الترك يشكر بوش، ‏الدعايات في تلفزيونات بلاد النفط عن مساحيق التجميل، والأطعمة الجاهزة ‏المستوردة من ماركات ماكدونالد وكي اف سي، مطاوعة يختطفون امرأة وشاب في ‏السعودية - بلد الإعتدال- لمجرد جلوسهم في مكان عام دون محرم، فتاوي عن ‏الإرضاع وأخرى سلفية مؤيدة لتوريث جمال ابن حسني مبارك أمير المؤمنين، ‏الدنمارك تعيد نشر صور مسيئة للرسول محمد والمسلمين يحتجون - بالمناسبة ‏مليون قتيل عراقي في حرب أمريكية قذرة ولم يتحرك المسلمون إلا رقصاً لبوش ‏الفاتح وأطفال الكويت ينشدون لبابا بوش-) ‏
تدور الدنيا في رأسي،فجأة أحس أن الكون عبارة عن كومة قمامة، أو أن الله تقيأ هذا ‏العالم في لحظة دوار إلهية، أهرب مضطرب الخطى أحاول الابتعاد بأقصى سرعة ‏تلاحقني وجوه صيصان وديكة الجامعة، رنات موبيالاتهم الحديثة، نكتهم ‏السمجة،أحاديثهم الممجوجة، نقاشاتهم الفارغة حول قياس صدر (هيفا وهبة) وأغنية ‏‏( تامر حسني) الجديدة، أسأل بصراخ مكتوم أين هم الطلبة المثقفون ..؟؟!، الذين في ‏زمن ما أسقطوا حكومات،أين المسرحيين، والموسيقيين،أين النخب التي عطبت ‏ونخرت ولم تعد ترى في اليسار إلا مصاحبة النساء و كرع كؤوس العرق ‏والتنظير،والنخب الدينية التي لم تعد ترى في الجنة إلا الحور العين وبالإسلام سوى ‏قمع المرأة وتعليبها وحفظها ليوم الفتح العظيم..؟؟؟!!، أخرج من بوابة الجامعة ‏الرخامية الضخمة، لاشيء ينقذني من هذه الصور الملعونة وكوابيس اليقظة إلا ‏وجهه،يديه، رنة صوته، انه مخلصي؟!!‏
رجل في السبعين من العمر بثياب الفلاحين المتيممة بتراب الأرض والمتعطرة بعبق ‏الأعشاب الخضراء الندية ...أه أنني أشم رائحة الله تنبعث من يديه المرتجفتين، ادقق ‏نظري في وجنتيه المجعدتين، والمحمرتين من البرد، وعينيه الصغيرتين، ينادي ‏على المارة ليشتروا منه باقات من النرجس البري كان قد قطفها عند الفجر في قريته ‏‏(دنحا) النائمة على كتف بحيرة قطينة، نسقها وجمعها ووضعها في سلة خشبية ‏وركب بأول حافلة تقطر الفلاحين وتلقيهم في جوف المدينة ليصيروا رقما في ‏معادلات السوق، كان صوته حنوناً خافتاً يؤذن بالعاشقين ليهبّوا وليشتروا لعاشقاتهم ‏باقة نرجس بري، ينادي ويؤذن كبلال الحبشي ( حلو للحلو، اشتري ورد للورد، يلا ‏يا حبايب يلا يا عشاق) ‏
لم يدرك مخلصي أن الناس تغيرت،وأن الإسمنت يخصي الإنسان والروح معاً، وأن ‏كائنات المدينة استغنت عن الورد البري وبدلت زراعة الورد الجوري والقرنفل في ‏الحدائق، ليحل محلها ورد اصطناعي أو بأحسن الأحوال مُنبَت في بيوت بلاستيكية ‏بلا طعم ولا رائحة، ورد خُلِقَ ليباع على عكس تلك النرجسات البرية التي نبتت ‏بإرادتها حرةً وتحولت بيدي هذا العجوز باقات فرحٍ طفولي، اشتريت إحداها ب 25 ‏ليرة سورية أي نصف دولار (أيام عز الدولار)، مسكتها فرحاً كأنها أكسير الحياة ‏ليحمي روحي من عطب أولاد السفلة،وشعارات الدجل، وعصور الاستهلاك، ‏وطوائف التدجين ، وبقاليات السياسة، والموت المعمم لأطفال غزة، وميسان، ‏والبصرة، وبغداد،وقانا ..أطفال قتلوا برصاص دعاة الديمقراطية دون أن يدركوا ‏ببراءتهم أن الحياة تستحق العيش، وأن النرجس سيعيد الأرض مكاناً أقل وطأة على ‏سكانها


يامن الحسين
منقول عن موقع جدار الثقافي المحجوب
رد


الانتقال إلى منتدى:


المستخدمون الذين يتصفحون الموضوع: 1 زائر