27-02-09, 07:33 PM
[SIZE="5"][COLOR="Blue"]1 –
استيقظتُ باكرا ذلك الصباح الشتوي البارد ، بعد ليلة مطرية طال انتظارها ...
ومن عادتي في مثل هذه الأحوال أن أتدثر جيدا ، وأخرج إلى شرفة منزلي ، أمتع النفس والنظر بمرأى تلك
القطرات الخيّرة التي غسَلتْ كل شيء .. الأرض والجبال والأشجار والسيارات وكل ما وجد على أرض ضيعتنا
الطيبة .
شعرت بقشعريرة شديدة تسري في أنحاء جسدي ، رغم الثياب السميكة والعباءة الصوفية التي تلفني .
لم آبه لذلك ، فذلك الخير الذي انهمر طيلة ليلة أمس ، كان يدفعني للبقاء على الشرفة ، أتأمل سحر الخالق
وعطاياه الكثيرة ، بعد أن أمعن الناس في الكفر وحتى حين كانوا يحاربون الكفر ؟؟؟ !!! .
فقبل هذه المطرة الممزوجة بالثلوج ، وقبل قبلها من الريّات المطرية والثلجية القريبة ، كان الناس يتسابقون في
تحليل أسباب ذلك الجفاف ، الذي لازمنا سنين عديدة ، ومن تلك التحليلات ما هو كفر ، مع العلم أن قائليه أرادوا
إعادة الناس عن خطاياهم ولكنهم ، عن غير عمد ، لصقوا خطية ذلك الجفاف بالله سبحانه وتعالى ..
إذ كانوا يقولون أن سبب ذلك يعود إلى غضب الله علينا لأننا ابتعدنا عنه ، وعن يسوع المسيح ربنا ومخلصنا ..
وفي كل مرة تنحبس فيها الأمطار يرددون تلك المقولة .
أما أنا فأقول أن ذلك كفر كبير .. حين نتهم الله بأنه يعاقب الناس بحرمانهم من الغيث والخير ، وكأن الله يعاقب
البشر واساءاتهم بهذه الطرق التي تقوم بها المخابرات في كل الدول ، بفرض عقوبات الحرمان والتجويع
والترويع ، من أجل عودة المتهمين إلى طاعة رؤساء دولهم .
نعم .. إن من يقول أن سبب انحباس الأمطار عنا هو عقوبة من الله علينا هو كافر ، لم يعِ جيدا مبادئ وتعاليم
ديانتنا ... إن كانت مسيحية أم مسلمة .. والدليل على ذلك هو :
أليس الغرب ، أي البلاد الأجنبية الغربية ، وكثير من البلاد الشرقية ، عندها ما يكفي من الشرور والآثام
والأعمال اللاأخلاقية والفسق والفجور والانحلال الأخلاقي والرذائل والعلاقات الجنسية المحرمة وقتل الأبرياء
والابتعاد عن الدين والصلاة وعن تعاليم الكتاب المقدس ، الشيء الكثير والكبير لكي يقوم الله بحرق تلك البلاد
ومحوها عن الوجود حسب ادعاءات الذين يتهمون الله ، بأنه يعاقب الناس بهذه الطرق .
إن الله منزه عن هذه الأمور ، وعقابه عسير ، لكن ذلك يوم القيامة ... يوم الحساب الكبير..... عند انتهاء الحياة .
وإن الله غفور رحيم يحب البشر ، ويعطيهم الفرص للتكفير عن ذنوبهم حتى آخر يوم من حياتهم .
وها هو الله يرسل الخير والغيث لنا ويذكرنا دائما بمحبته و رحمته وعطاياه .
2 –
زادت برودة الجو أكثر وأكثر وأنا مصر أن أبقى على الشرفة ..... ومع أن الساعة مازالت السادسة والنصف
صباحا ، آثرت البقاء أسمع زقزقة العصافبر التي تجمعت بأعداد كبيرة ، تأكل ما وجدت من طعام خلّفه البشر
، وتشرب من البرك الكثيرة التي صنعتها الأمطار .
دخلتُ للحظة إلى المطبخ ، كي أصنعَ لنفسي كوبا من " الزهورات " الدافئة ، أعين بها نفسي على البقاء فترة
أطول ، وعندما عدت إلى الشرفة ، راعني ذلك المنظر المؤلم .... لقد رأيت في شرفة من شرفات منازل الحارة
فتاة في عقدها الثاني ، خرجت للتو كي تمسح الشرفة والبلور و " الدرابزين " . وكانت ترتجف مثل الورقة .....
إنها تلك السريلانكية التي تخدم منزل الجيران ... أمعقول هذا ؟؟ ... تكلفها ربة البيت بالشطف والتنظيف في مثل
هذا الطقس البارد والوقت المبكر .... ألا تستطيع الانتظار ساعتين أخريين ؟؟؟ !! ، أم في الموضوع عقوبة
لتلك الفتاة المسكينة ... وماذا إذا أمطرت السماء مجددا ، بعد انتهاء الفتاة من التنظيف ؟؟؟؟ ، وخاصة أن السماء
مازالت ملبدة بالغيوم السوداء ، أسئلة كثيرة راودتني ، وتذكرت حينها حال هذه الخادمات في بعض البيوت
التي يظن بعض أصحابها ، أنهم بنقودهم القليلة التي دفعوها ، امتلكوا تلك الخادمات وأنهم صاروا يعتبرونهن
آلات للتنظيف والغسيل والطبخ ، ودمىً متحركة يلهو بها ومعها الأطفال ولجلب الأغراض ................ إلخ .
تذكرت تلك الأمسية حين مررتُ على أحد هؤلاء الذين يملكون تلك الخادمات لأمرما.. ومن لحظة قرعي الجرس
سمعت صاحب البيت يقول : " مانك سامعة الجرس يا حمارة " ... بعدها فتحت هذه الخادمة " الحمارة " - بنظر
" سيدها " - الباب .
وأيضا تذكرت إحدى السيدات ، حين كنا في زيارة عائلية ، كيف كانت تحتقر خادمتها ، و" تبهدلها عالطالعة
والنازلة " ... وتعنفها لأية زلة بسيطة ترتكبها كتأخرها قليلا في عمل القهوة .
إن تلك الخادمات هي بشرمن لحم ودم ، ولم تترك بلدانها إلا من فقرها وقلة العمل هناك ، وما القروش القليلة التي
تأخذها - بعد أن يأخذ المكتب المسؤول عنها ، وآخرون ممن يؤمنون لها العمل النصيب الأكبر من أجرها
الزهيد - ما القروش تلك إلا الشيء اليسير الذي يعينها على الحياة .
صحيح أن هناك مِنَ الخادمات الموجودات في البلد ، مَنْ تكون سيئة ، ونسمع القصص الكثيرة عنهن من سرقة
للبيوت التي يعملن بها ، وجرائم وحكايا كثيرة ، لكن هذا لا ينطبق على الكثيرات التي لولاهن ما استطاعت
الكثيرات من السيدات والعجائز من الحياة بالراحة التي ينعمن بها .....
إن استعباد الخدم هذا يجعلنا نفكر كثيرا ، ونسترجع التاريخ الذي كان فيه أسيادٌ وخدم .... فلا تنسوا أن أولئك أبناء
الله أيضا ..... وعلينا احترامهم . وأنا هنا ، لا أعمم أبدا ... فهناك الكثيرات من النساء وكثير من الرجال يعتبرون
خدمهم جزء من عائلاتهم ، يحترمونهم ويخافون عليهم .
ها قد بدأت تمطر ..... رشفت الشفة الأخيرة من الفنجان ... ودخلت إلى الغرفة ، وجلست أنظر من خلف زجاج
النافذة على الأمطار ، التي تحولت بسرعة إلى ثلوج ، بدأت تغطي كل شيء ببساط أبيض رائع ، وسرحت
بخيالي مع ذلك المنظر الجميل ، حتى شعرت بدفء حار على وجنتي ...إنها قبلة الصباح المعتادة من زوجتي .
صباح الخير .
- خالد هلاله -[/COLOR][/SIZE]
استيقظتُ باكرا ذلك الصباح الشتوي البارد ، بعد ليلة مطرية طال انتظارها ...
ومن عادتي في مثل هذه الأحوال أن أتدثر جيدا ، وأخرج إلى شرفة منزلي ، أمتع النفس والنظر بمرأى تلك
القطرات الخيّرة التي غسَلتْ كل شيء .. الأرض والجبال والأشجار والسيارات وكل ما وجد على أرض ضيعتنا
الطيبة .
شعرت بقشعريرة شديدة تسري في أنحاء جسدي ، رغم الثياب السميكة والعباءة الصوفية التي تلفني .
لم آبه لذلك ، فذلك الخير الذي انهمر طيلة ليلة أمس ، كان يدفعني للبقاء على الشرفة ، أتأمل سحر الخالق
وعطاياه الكثيرة ، بعد أن أمعن الناس في الكفر وحتى حين كانوا يحاربون الكفر ؟؟؟ !!! .
فقبل هذه المطرة الممزوجة بالثلوج ، وقبل قبلها من الريّات المطرية والثلجية القريبة ، كان الناس يتسابقون في
تحليل أسباب ذلك الجفاف ، الذي لازمنا سنين عديدة ، ومن تلك التحليلات ما هو كفر ، مع العلم أن قائليه أرادوا
إعادة الناس عن خطاياهم ولكنهم ، عن غير عمد ، لصقوا خطية ذلك الجفاف بالله سبحانه وتعالى ..
إذ كانوا يقولون أن سبب ذلك يعود إلى غضب الله علينا لأننا ابتعدنا عنه ، وعن يسوع المسيح ربنا ومخلصنا ..
وفي كل مرة تنحبس فيها الأمطار يرددون تلك المقولة .
أما أنا فأقول أن ذلك كفر كبير .. حين نتهم الله بأنه يعاقب الناس بحرمانهم من الغيث والخير ، وكأن الله يعاقب
البشر واساءاتهم بهذه الطرق التي تقوم بها المخابرات في كل الدول ، بفرض عقوبات الحرمان والتجويع
والترويع ، من أجل عودة المتهمين إلى طاعة رؤساء دولهم .
نعم .. إن من يقول أن سبب انحباس الأمطار عنا هو عقوبة من الله علينا هو كافر ، لم يعِ جيدا مبادئ وتعاليم
ديانتنا ... إن كانت مسيحية أم مسلمة .. والدليل على ذلك هو :
أليس الغرب ، أي البلاد الأجنبية الغربية ، وكثير من البلاد الشرقية ، عندها ما يكفي من الشرور والآثام
والأعمال اللاأخلاقية والفسق والفجور والانحلال الأخلاقي والرذائل والعلاقات الجنسية المحرمة وقتل الأبرياء
والابتعاد عن الدين والصلاة وعن تعاليم الكتاب المقدس ، الشيء الكثير والكبير لكي يقوم الله بحرق تلك البلاد
ومحوها عن الوجود حسب ادعاءات الذين يتهمون الله ، بأنه يعاقب الناس بهذه الطرق .
إن الله منزه عن هذه الأمور ، وعقابه عسير ، لكن ذلك يوم القيامة ... يوم الحساب الكبير..... عند انتهاء الحياة .
وإن الله غفور رحيم يحب البشر ، ويعطيهم الفرص للتكفير عن ذنوبهم حتى آخر يوم من حياتهم .
وها هو الله يرسل الخير والغيث لنا ويذكرنا دائما بمحبته و رحمته وعطاياه .
2 –
زادت برودة الجو أكثر وأكثر وأنا مصر أن أبقى على الشرفة ..... ومع أن الساعة مازالت السادسة والنصف
صباحا ، آثرت البقاء أسمع زقزقة العصافبر التي تجمعت بأعداد كبيرة ، تأكل ما وجدت من طعام خلّفه البشر
، وتشرب من البرك الكثيرة التي صنعتها الأمطار .
دخلتُ للحظة إلى المطبخ ، كي أصنعَ لنفسي كوبا من " الزهورات " الدافئة ، أعين بها نفسي على البقاء فترة
أطول ، وعندما عدت إلى الشرفة ، راعني ذلك المنظر المؤلم .... لقد رأيت في شرفة من شرفات منازل الحارة
فتاة في عقدها الثاني ، خرجت للتو كي تمسح الشرفة والبلور و " الدرابزين " . وكانت ترتجف مثل الورقة .....
إنها تلك السريلانكية التي تخدم منزل الجيران ... أمعقول هذا ؟؟ ... تكلفها ربة البيت بالشطف والتنظيف في مثل
هذا الطقس البارد والوقت المبكر .... ألا تستطيع الانتظار ساعتين أخريين ؟؟؟ !! ، أم في الموضوع عقوبة
لتلك الفتاة المسكينة ... وماذا إذا أمطرت السماء مجددا ، بعد انتهاء الفتاة من التنظيف ؟؟؟؟ ، وخاصة أن السماء
مازالت ملبدة بالغيوم السوداء ، أسئلة كثيرة راودتني ، وتذكرت حينها حال هذه الخادمات في بعض البيوت
التي يظن بعض أصحابها ، أنهم بنقودهم القليلة التي دفعوها ، امتلكوا تلك الخادمات وأنهم صاروا يعتبرونهن
آلات للتنظيف والغسيل والطبخ ، ودمىً متحركة يلهو بها ومعها الأطفال ولجلب الأغراض ................ إلخ .
تذكرت تلك الأمسية حين مررتُ على أحد هؤلاء الذين يملكون تلك الخادمات لأمرما.. ومن لحظة قرعي الجرس
سمعت صاحب البيت يقول : " مانك سامعة الجرس يا حمارة " ... بعدها فتحت هذه الخادمة " الحمارة " - بنظر
" سيدها " - الباب .
وأيضا تذكرت إحدى السيدات ، حين كنا في زيارة عائلية ، كيف كانت تحتقر خادمتها ، و" تبهدلها عالطالعة
والنازلة " ... وتعنفها لأية زلة بسيطة ترتكبها كتأخرها قليلا في عمل القهوة .
إن تلك الخادمات هي بشرمن لحم ودم ، ولم تترك بلدانها إلا من فقرها وقلة العمل هناك ، وما القروش القليلة التي
تأخذها - بعد أن يأخذ المكتب المسؤول عنها ، وآخرون ممن يؤمنون لها العمل النصيب الأكبر من أجرها
الزهيد - ما القروش تلك إلا الشيء اليسير الذي يعينها على الحياة .
صحيح أن هناك مِنَ الخادمات الموجودات في البلد ، مَنْ تكون سيئة ، ونسمع القصص الكثيرة عنهن من سرقة
للبيوت التي يعملن بها ، وجرائم وحكايا كثيرة ، لكن هذا لا ينطبق على الكثيرات التي لولاهن ما استطاعت
الكثيرات من السيدات والعجائز من الحياة بالراحة التي ينعمن بها .....
إن استعباد الخدم هذا يجعلنا نفكر كثيرا ، ونسترجع التاريخ الذي كان فيه أسيادٌ وخدم .... فلا تنسوا أن أولئك أبناء
الله أيضا ..... وعلينا احترامهم . وأنا هنا ، لا أعمم أبدا ... فهناك الكثيرات من النساء وكثير من الرجال يعتبرون
خدمهم جزء من عائلاتهم ، يحترمونهم ويخافون عليهم .
ها قد بدأت تمطر ..... رشفت الشفة الأخيرة من الفنجان ... ودخلت إلى الغرفة ، وجلست أنظر من خلف زجاج
النافذة على الأمطار ، التي تحولت بسرعة إلى ثلوج ، بدأت تغطي كل شيء ببساط أبيض رائع ، وسرحت
بخيالي مع ذلك المنظر الجميل ، حتى شعرت بدفء حار على وجنتي ...إنها قبلة الصباح المعتادة من زوجتي .
صباح الخير .
- خالد هلاله -[/COLOR][/SIZE]
