الباحثة عن السعادة
#1
الباحثة عن السعادة

ها هي الآن تخرج من دارها غير آبهة بتلك السنوات الطويلة التي مكثتها بتلك الدار.
بتلك القيود التي طالما تمسكت بها.
بتلك المثل التي تربت عليها واقتنعت بها .
أدركت بأن تلك السنوات التي عاشتها ,سلبت منها الكثير من اللحظات السعيدة التي كان من الممكن أن تعيشها .أحست بأنها إذا لم تبحث عن تلك اللحظات فإنها لن تدركها يوما .
خرجت من ذاك الباب غير ناظرة اليه فهي أخذت قرارا بأنها لن تنظر إلى الخلف لن تفكر كما فكرت دوما .ستكون من هذه اللحظة فتاة جديدة,فتاة ولدت لتوها .
ولدت لتعبش تلك الحياة القصيرة , لتبحث عن السعادة أينما وجدت وفي أي وقت .لا حدود من هذه اللحظة أمام أي شيء يوصلها إلى تلك السعادة .
كانت عينيها حائرتين فهي لاتعرف من أين تبدأ أو إلى أين تنطلق.فقد جعلتها تلك السنوات جاهلة ,وكأنها أبصرت النور بعد أن ولدت وعاشت كعمياء .
مشت ومشت في تلك الشوارع المظلمة من تلك المدينة البائسة التي اعتاد سكانها النوم مبكرا .
بحثت طويلا عن أي شيء تنبض به الحياة , فلم تجد سوى تلك الجرذان في تلك الأزقة الوسخة.
لم تخف ,لم تفكر بالعودة . فرغم ما شاهدته أحبت تلك التجربة , أحبت تلك العيون اللامعة التي أخافت الكثير من الناس وجعلتهم يتفادونها .
ولأنها قالت لا عودة ولا حدود تابعت سيرها بين تلك العيون حالمة وكأنها تعبر حقلا من الورود .
أضواءا بعيدة سرقت بصرها فبدا كل شيء من حولها مظلم عدا تلك الطريق المؤدية إليها .
انطلقت إليها وقد تعلقت عينيها بتلك الأضواء التي طالما تكلم عنها الناس بشيء من الخوف , بشيء من الخجل .
كان من غير الممكن مجرد التفكير بتلك الأماكن ,فكيف لي أن أقصدها "هذا ما كان يجول في رأسها "ورغم أن التردد بدا عليها جليا إلا أنني كنت واثقا بأنها ستمضي في رحلتها التي بدأت بها .
لم تدم حيرتها طويلا فقد أكدت بأنني كنت على حق بما شعرت به فقد سارعت بخطاها وكأنها زادت إصرارا على المضي بما بدأته .
بدا ذلك المكان أكثر وضوحا وما عادت تلك الأضواء تخفي ملامحه.لم تشعر بأن هذه الدار تختلف عن سواها لولا تلك الأضواء التي تملئ الجدران وتجذب انتباه المارة والساهرين .
لم تشعر بأي خوف تجاه ذلك المكان , وبدا عليها شيء من الحيرة وكأنها تقول لما يخاف الجميع من هذا المكان ويحاولون السير بعيدا عنه .
اقتربت ببطء من ذاك الباب الخشبي البني اللون مترددة حول الدخول لهذه الدار , ولكنها حسمت ترددها سريعا وشرعت بالدخول في ذلك الممر الذي تملؤه الأضواء الخافته وبدا على وجهها ملامح غريبة لا يستطيع من شاهدها أن يفسر تلك الملامح أهو خوف أم ارتباك أم دهشة .
وصلت إلى نهاية ذلك الممر , وقفت أمام ذلك الباب الذي بدا وكأنه الأخير .سمعت أصواتا بدا عليها السعادة تخرق هدوء ذلك المكان وتلهي الساهرين عن تلك الأغاني الجميلة التي اعتادت سماعها وحيدة في غرفتها .
وضعت يدها على ذلك الباب وشعرت بأن قواها لن تسمح لها بدفعه لكن سرعان ما استجمعت قواها ودفعت بذلك الباب إلى الداخل وكأنها تريد العبور إلى ذلك العالم الذي طالما تمنت معرفته .
تخطت ذلك الباب ووقفت داخل ذلك المكان . نظرت من حولها غير مصدقة .
بان لجميع الموجودين بأنها المرة الأولى التي تدخل هذه الأمكنة . كانت مختلفة عن كل اللواتي تواجدن هناك وهذا ما جعل الجميع ينظر إليها حالما , وكأنها شمس أشرقت في منتصف الليل .
كيف لا ! وهي بجمالها تطل على مجموعة من السكارى وبائعات الهوى .
نظرت بعيني كل واحد من الحاضرين علّها تجد ما يميز هؤلاء الأشخاص عن غيرهم ممن لا يرتادون هذه الأماكن .لكنها لم تجد سوى عيون شاردة حالمة
تنظر إلى جسدها الجميل وكأنها وحوش تريد التهام فريستها .
لم يكن الرداء الذي كانت تضعه عليها حائلا دون رؤية وجهها المشرق وفمها الجميل وأنفها الصغير وعينيها الحائرتين.
وجهها الذي كان من روعته أن يسحر أعقل الناس وأكثرهم اتزانا وحشمة , فيكيف لا يفعل بهؤلاء الحاضرين .
اتجهت إلى أقرب منضدة علها تمسك بعض العيون عنها . مدت يدها لتمسك بتلك الكرسي الخشبي , فتعلقت عيون الحاضرين بتلك الأصابع الرقيقة . تلك العيون التي أضحت تبحث عن أي جزء من جسد تلك الفتاة الجميلة .
أبعدت الكرسي قليلا عن تلك المنضدة المستديرة وشرعت لنزع ذلك الرداء الأسود القديم , لتظهر المزيد من مفاتن جسدها التي كانت متوراية تحت ذلك الرداء ، ولتغرق الحاضرين بمزيد من الحيرة والأحلام .
جلست على الكرسي بعد أن وضعت ذاك الرداء على مؤخرتها .
وللمرة الأولى بان عليها الحياء فقد تعلقت عينيها بتلك المنضدة وألقت يديها الصغيرتين حيث لا أحد يمكنه رؤيتهما , فقد وضعتهما على ركبتيها تحت سطح تلك المنضدة .
اقترب منها أحد الأشخاص وكان من السهل التأكد من أنه أحد العاملين في هذه الحانة فقد كانت حركته متوازنة ، وقف بعيدا عنها بالقدر الذي يسمح له بالتكلم إليها .
أخرج من جيبه تلك المفكرة الصغيرة وبدا أنه يسألها عما ترغب في تناوله .
نظرت إليه بتلك العينين الحائرتين فهي لا تعرف ماذا عليها أن تطلب منه . لكن الأهم أنها تخطت ذلك الخجل الذي سيطر عليها لبرهة من الزمن .
تبادلت معه الحديث وبدا للجميع أنها اختارت شيئا تود تناوله فقد كان ذلك الشاب قد بدأ بالكتابة على تلك المفكرة الصغيرة .
أنهى ذلك الشاب حديثه معها وبدأ بالابتعاد عنها وعادت هي لتنظر إلى تلك المنضدة ولتسرق النظر إلى أرجاء ذلك المكان من برهة لأخرى.
اقترب منها أحد الساهرين وجلس على منضدتها دون أي استئذان , كانت حركته غير متزنة وعينيه حمرا ويين وبدأ بالتكلم إليها ، نظرت إليه وبدت عليها ملامح الخوف , أدارت وجهها عنه واستمر ذاك الشاب بتوجيه الكلام إليها دون أي تجاوب منها .
بدت عليه ملامح الخيبة , نهض عن تلك الكرسي متوجها إلى تلك المنضدة التي ترك كأسه عليها ، ليكون درسا لكل الحاضرين . ها هو ذاك الشاب العامل يعود ثانية حاملا ما طلبته ويقترب من كرسيها ليضع تلك الكأس أمامها وحتى ذلك الشاب لم يستطع إلا أن ينظر إلى وجهها الجميل وليبدأ بالابتعاد عنها وعلامات السعادة مرسومة على وجهه وكأنه حقق ما لم يستطع أحد غيره تحقيقه .
نظرت بأرجاء تلك الحانة علها تجد ما تبحث عنه .لاشيء مما شاهدته أدخل السعادة إلى قلبها . وضعت يدها على تلك الكأس ورفعتها عن تلك المنضدة ثم وضعتها على فمها لتتذوق ذلك المشروب
نظرت بعينيها لترى إن كان من أحد يراقبها ولم تتفاجأ بما رأته فقد كانت عيون الساهرين معلقة بها ,عدا ذاك الشاب الذي كان يجلس بمفرده على تلك المنضدة المواجهة لها , كان غير آبه بما حوله ,يمسك بتلك الكأس بكلتا يديه وكأنه لا يريد مفارقة تلك الكأس,
كان يحتسي ذلك المشروب دون توقف وكأنه يريد أن ينسى الحزن الذي بدا عليه ، الغضب الذي بان على وجهه ,كأنه يريد أن يبتعد عن واقعه المؤلم .
بات ذاك الشاب هو الشيء الآخر الذي تنظر إليه فإذا رفعت عينيها عن تلك المنضدة نظرت إلى ذاك الشاب علها تجذب انتباه ذاك الشاب فتلتقي عينيها بعينيه .
أحست بأن ذاك الشاب هو الأمل الوحيد لديها ، فليس من شيء آخر بهذه الحانة يجذبها إليه أحست بأنه قد يكون مفتاح سعادتها رغم الحزن البادي عليه .
لم يعد يثير انتباهها ضحكات هؤلاء الفتيات أنصاف العاريات اللواتي كانوا يتنقلن بين رواد تلك الدار وكأنهم ولدوا وتربوا في هذه الدار فلم تعد عادات من لايترددون لهذه الأماكن تعني لهم أي شيء.
لم تعد حركات ذلك الشاب الذي يقف وراء تلك الكؤوس متلاعبا بها تعني لها أي شيء .
انتظرت طويلا علاّ ذلك الشاب يرفع نظره عن تلك الكأس التي بشرب منها . علها ترى عينيه لربما تعي ما يدور بأعماقه .
شارفت كأسها على الانتهاء وتمنت لو أن ذلك الشاب ينهي شرابه ويغادر هذا المكان .
أخذت تشرب من تلك الكأس ببطء حتى بدا للساهرين بأنها لاتريد إنهاءها .
مرت لحظات قليلة كانت أشبه بساعات طويلة .
وأخيرا ها هو ذاك الشاب يهم بالخروج , فقد رفع تلك المفاتيح التي كان قد وضعها أمامه على تلك المنضدة ليدخلها في جيب ردائه اليمين ومد يده في جيب بنطاله الخلفي ليسحب محفظة نقوده وينظر بداخلها .
سحب من محفظته عدد من الأوراق النقدية ووضعها على طاولته ليقف من بعدها وليرفع رداءه عن ذلك الكرسي التي كان يجلس عليها ويهم بارتدائه لينطلق من بعدها لخارج تلك الدار .
نظرت بأرجاء ذلك المكان باحثة عن ذلك الشاب الذي أحضر لها ما تشربه .
انه يقترب من منضدة ذاك الشاب الغامض ليرفع عنها تلك النقود وليضعها في جيبه .
رفعت يدها وهي تنظر إليه عله يراها دون أن تضطر للنداء عليه .
ها هو يهم بالعودة من حيث أتى .أدركت بأن عليها أن تنادي عليه ولكونها كانت تريد اللحاق بذاك الشاب الغامض ولم يهمها بقية الساهرين رفعت صوتها قائلة : يا هذا ... يا أيها الشاب ...
ليعم الصمت من جديد أرجاء تلك الدار ولينظر كل من حولها إليها حتى ذلك الشاب الغامض الذي كان يهم بدفع باب تلك الدار .
أدار الشاب العامل نظره إليها ليدرك بأنها تنادي عليه . فتوجه إليها .
وقبل أن يصل إليها قالت له : كم تريد؟
نظر إليها وقال : أريد ثلاثمائة .
نظرت إليه بذهول وكأنها تفاجأت من كلامه ولكونها بدت على عجلة من أمرها .مدت يدها إلى جيب ردائها وأخرجت منه قليل من الأوراق النقدية ووضعتها على تلك المنضدة وبدأت بعد تلك الأوراق الغير مرتبة .
وما إن انتهت حتى نظرت إلى ذلك الشاب وكأن تلك النقود التي تملكها لم تكن كافية .
قدمت إليه تلك الأوراق وهي تتكلم إليه .
ابتسم ذاك الشاب وبدأ بالتكلم إليها وكأنه يقول لها لا بأس مع أن تلك الأوراق غير كافية .
نظرت إليه بخجل ووجهت إليه بعض الكلمات وكأنها تشكره .
دفعت كرسيها إلى الخلف لتنهض عنها ، رفعت رداءها عن الكرسي لترتديه مسرعة وهمت بالتوجه خارج تلك الدار كانت خطواتها سريعة . دفعت باب ذلك المكان لتمر من خلاله للخارج , سارعت بخطواتها في ذلك الممر خشية أن تفقد ذاك الشاب وما أن أصبحت خارج تلك الدار حتى شاهدت ذاك الشاب وهو يسير بخطوات غير متزنة .
كان يضع يديه بجيوب معطفه ويسير مبتعدا عن تلك الدار وكلما ابتعد عن أضواء تلك الدار أصبحت رؤيته عسيرة .
مشت مسرعة وراءه حتى اقتربت منه ، كان يسير على الطريق التي توصلها لمنزلها ولكن هذه الطريق طويلة ومظلمة , مشت بقربه بخطوات بطيئة .
توجه بالنظر إليها , وقال لها : إلى أين أنت ذاهبة أيتها الفتاة؟
قالت له : إلى منزلي .
قال : وأين يقع منزلك؟
قالت : عند تلك المنازل البعيدة .
قال : ما الذي أتى بك إلى هنا ؟
نظرت إليه ولا تعرف ما تجيب به وقالت : أنت ما الذي أتى بك إلى هذا المكان ؟
قال : أليس لديك عائلة ؟
قالت : كان لي أب مريض ولكنه توفي ليتركني وحيدة .
قال لها مجددا : لم تقول لي ماذا أتى بك إلى هنا في هذه الساعة المتأخرة وحيدة ؟
تابعت سيرها بقربه دون أي إجابة وكأنها خجلة .
وبعد عدة خطوات نظرت إليه وقالت له : لماذا كنت تشرب بهذه الكثرة؟
ضحك طويلا ، كان يضحك بصوت عال وهو يمشي بخطوات ثقيلة .
قال لها : أكنت تراقبينني؟
قالت : من حين لآخر .
عاد ليضحك وهو ينظر إليها بنظرات غير مفهومة .
قال لها : أهذه هي المرة الأولى التي تأتين بها لهذه الحانة ؟
قالت : أجل.
قال : أتدرين ماذا تكون تلك الدار ولماذا يرتادها هؤلاء الأشخاص !
أجابت مسرعة وكأنها تدرك ما تفعل : أجل أدرك ما هي هذه الدار وماذا يفعل هؤلاء الأشخاص .
نظر باستغراب إليها وهو يبتسم .
قال: ألست خائفة وأنت تسيرين معي بهذه الطريق المظلمة ؟
قالت : لا ولماذا أخاف .
قال : هل كنتي ستعودين بمفردك من هذه الطريق ؟
قالت : أجل . عاد لينظر إليها باستغراب , وتابع سيره بتلك الخطوات الثقيلة والبطيئة وكأنه يسير بصعوبة .
وعند منتصف تلك الطريق خرج صوت من بين تلك الأشجار الموزعة على جانبي ذلك الطريق ليزرع الخوف في قلب تلك الفتاة ولتبدو على وجهها الساحر علامات الخوف .
اقترب منها وأخرج يده اليسرى من معطفه ووضعها على كتفي تلك الفتاة وهو يقول لها :لا تخاف فأنا معك .
نظرت إليه خائفة وهي لاتدرك ما تقول .أتقول له أبعد يدك عني .
لثوان قليلة بدت عليها الحيرة فهي لاتدرك مما تخاف من هذا الشاب أم من تلك الأصوات المخيفة .تابعت سيرها بجانبه ويده على كتفيها .
قال لها :ألازلت خائفة ؟
قالت وكأنها واثقة من كلامها : لا.
وضع يده على شعرها الذي كان يغطي كتفيها. تابعا السيرجنبا إلى جنب وكانت تختلط عليها المشاعر.فهي خائفة ولا تدري مما تخاف .لاتدري إن كان هذا الشاب سيدخل الى قلبها تلك السعادة.
بدأت أصابع ذاك الشاب تتوارى بين مفردات شعر تلك الفتاة وبدت ملامح تلك الفتاة تغلب عليها السعادة .
بدا وكأن هذه الفتاة تسير بخطا سريعة إلى حافة الهاوية وبدا بأن ذاك الشاب الذي اعتقدت بأنه مفتاح سعادتها هو طريقها نحو عالم مظلم لاسعادة حقيقية فيه .
تابعا سويا وكانت تبدو أكثر اقترابا منه كلما اقتربا من أضواء تلك المنازل التي بدت أكثر اقترابا وأكثر وضوحا .
قال لها : هل أنت سعيدة ؟
قالت بهدوء : أجل وأتمنى لو أن هذه الطريق كانت أطول .
وضعت رأسها على كتفه وكأنها في حلم لا تريد الاستيقاظ منه .
بانت أصابعه من جديد وهي تخرج من بين مفردات شعرها , ليضعها من جديد على جبينها .
أغمضت عينيها وكأنها لاتريد الاستيقاظ من هذا الحلم .
كانا يسيران وكأنهما عاشقين اتخذا من ظلام الليل ستارا يختبئا وراءه.
بدأت أصابع يده تتحرك على وجهها الصغير الجميل مداعبا وجنتيها وأنفها الصغير لتستقر أخيرا على شفتيها .
أخرجت يدها من جيب معطفها الأيمن لتلف بها ذاك الشاب و لتصبح أكثر التحاما به .
كانا كجزء من تلك اللوحة التي طالما نظرت إليها كلما تواجدت في بيت صديقي الذي أمضى حياته في رسم لوحات جميلة.كانت تلك اللوحة تثير فضولي وتدفعني لتوجيه نفس السؤال إلى صديقي الرسام ، هذا السؤال الذي بات مع كثرة زياراتي لداره أشبه بدعابة لا بد منها مع دخولي إلى مرسمه .
كانت اللوحة تصور شابا وفتاة وهما يسيران بطريق طويلة وكلاهما يلف الآخر بيده .كانت هذه اللوحة بألوانها الجميلة وسمائها الصافية و نجومها المتلألئة تجعلك تطيل النظر إليها حالما .
ورغم كون هذين الشابين كانا يسيران وهما ينظران إلى الأمام فقد كانت اللوحة توحي لأي مشاهد بأنها تصور حالة من السعادة والحب إلا أنني كنت دائما أتساءل هل هذين الشابين سعيدين وهل سيبقيا كذلك .
وكان سؤالي الذي كان يتكرر دائما إلى صديقي ألا يزال هذين العاشقين يسيران بهذه الطريق ألم يتعبا.
وكانت ترتسم على وجه صديقي تلك الابتسامة الرائعة .
باتت تلك المنازل تبدو واضحة المعالم وبدا بأن نهاية تلك الطريق أصبحت قريبة .
قال لها: يبدو أننا اقتربنا ولم أعلم ما هو اسمك.
أجابت:ثريا.
قال:اسمك جميل مثلك تماما .
تابع قائلا : إن منزلي بات قريبا فهل ترغبين بالتعرف إليه .
قالت : لامانع لدي.
تابعا السير وبدا بأن لا رغبة لأحدهما بالابتعاد عن الآخر.
اقتربا من تلك المدينة البائسة وتابعا السير في شوارعها المظلمة سويا ، إلى أن وصلا لمحاذاة ذاك البناء القديم الذي بانت عليه علامات الشيخوخة فقد أصبحت حجارته شاحبة كعجوز مريض وبانت لي التصدعات التي ارتسمت عليه كتلك التي كانت تحفر طريقها بوجه جدي العجوز .
توقف ذاك الشاب عن المسير وأشار بيده اليمنى إلى ذاك البناء وهو يقول لها : منزلي في هذا البناء , هيا بنا لندخل....
توجها نحو تلك البوابة الحديدية التي غاب لونها من كثرة الغبار الذي علق بها .دفعها بيده اليمنى وهو يقول : تفضلي .
رفع يده اليسرى عن كتفيها لتتابع سيرها متخطية تلك البوابة ,دخل وراءها بعد أن أغلق تلك البوابة ,تابعا الصعود على سلالم ذاك البناء.
قالت بصوت منخفض :هل سنحتاج للصعود كثيرا .
قال وهو يبتسم :لا ، اقتربنا إنها بعض تلك الدرجات ونصل.
لم يكد ينهي كلماته حتى عاد ليقول : هذا هو منزلي .
اقترب من ذاك الباب ومد يده بجيب معطفه الأيمن ليرفع تلك المفاتيح .
شرع في فتح باب ذاك المنزل ومن ثم دفعه نحو الداخل ثم أدار نفسه نحو الفتاة ليقول لها: تفضلي .
توجهت نحو الداخل لتتوقف من بعدها والظلام يعم أرجاء المكان ,دخل وراءها وأسرع ليضيء أحد المصابيح .
نظرت بهدوء إلى كافة أرجاء المنزل , لم يكن يختلف كثيرا عن منزلها رغم كونه بحاجة لكثير من الترتيب .
أدركت بأن هذا الشاب يقيم وحيدا .
أثار انتباهها تلك اللوحات الكثيرة المنتشرة بكافة أرجاء ذاك المنزل .كانت كلها تصور نفس الفتاة ولكن بأشكال مختلفة .
قالت : من هي هذه الفتاة . قال : أتريدين خلع معطفك.
قالت : أجل
مد يديه ليساعدها في خلع معطفها وليحمله بعدها ليضعه على إحدى الكراسي .
اقترب من ذاك الموقد واخرج من جيبه علبة ثقاب ليخرج منها أحد العيدان وليضعه بين تلك القطع الخشبية بعد أن أشعله .
تنقلت بأرجاء تلك الغرفة وهي تنظر إلى تلك اللوحات .
قال لها :أي شراب ترغبين بتناوله.
قالت :أي شيء تود شرابه .
أحضر زجاجة من النبيذ الأحمر مع كأسين ليضعهم على تلك المنضدة المستديرة الصغيرة التي كانت موجودة أمام ذلك الموقد ثم توجه نحو إحدى تلك الخزائن الموجودة تحت إحدى تلك الصور ليرفع عنها نلك الشموع الثلاثة الحمراء الجميلة وليسير بها باتجاه تلك المنضدة .
وضع تلك الشموع وعاد ليخرج علبة عيدان الثقاب وليشعل تلك الشموع قم توجه نحو ذاك الباب ليطفئ الضوء الذي أضاءه عند دخوله .
بدت عيون تلك الفتاة الموجودة بتلك اللوحات وكأنها تنظر إلى كل من تواجد في المكان ،وكأن ذاك الشاب لم يكن وحيدا ، كانت تلك الفتاة موجودة بكل أرجاء هذا المنزل ، بقلب ذاك الشاب وبعيونه أيضا.
توجه نحو تلك الاسطوانة الموضوعة على ذلك الكتاب ،حملها بيده ووضعها بطء في تلك الآلة القديمة ليضع عليها من بعدها تلك القطعة الصغيرة .
انبعث من تلك الآلة صوت دوران ذلك القرص لينبئ بانطلاق أغنية تحاكي مشاعر ذاك الشاب.
لحن قديم انطلق من تلك الآلة ، أغنية جميلة أعادت بذاكرة الفتاة إلى تلك الأيام الجميلة التي كانت تعيشها برفقة والدها المريض , أيام تمنت لو أنها لم تنتهي ، لو أن والدها بقي على قيد الحياة رغم مرضه . طالما كان والدها رغم مرضه ورغم أنه لا يحب الأصوات المرتفعة إلا أنه كان دائما يخفي انزعاجه وراء تلك الابتسامة الجميلة , كلما كانت تستمع إلى تلك الأغاني وبصوف مرتفع.
اقترب منها الشاب وأمسك بيدها ليعيدها من ذلك الحلم الجميل إلى الواقع المجهول الذي ينتظرها.
توجها نحو تلك المنضدة.أمسك الكرسي بيده الأخرى وسحبها نحو الوراء لتجلس عليها.
جلس على الكرسي المجاور لها وهو ينظر إليها حالما .
تناول بيده زجاجة النبيذ ليملءالكوب الخاص بالفتاة ومن بعدها الكوب الخاصة به .أمسك كأس الفتاة بيده وقدمها لها وهو ينظر لعينيها .
سألها وهو ينظر إليها : من اختار لك هذا الاسم .
أجابت : أبي قال لي بأن أمي هي من اختارت لي هذا الاسم .
قال لها: وكأنها كانت تعلم بأنك ستكونين كنجمة تسحر عيون الناظرين اليها .
أخفضت رأسها خجلا وبدت على وجنتيها تلك العلامات التي زادتها سحرا وأنوثة .
مضى بعض الوقت قبل أن تستعيد شجاعتها .
رفعت رأسها ونظرت إليه وهي تقول :أهذه اللوحات أنت من رسمها؟
ذلك البريق الذي انطلق من عينيها أعاده إلى أرض الواقع .
قال : أجل إنها لوحاتي .
سألته : ولكن من تلك الفتاة الموجودة في جميع تلك اللوحات ؟
نظر إليها وقد استقرت في عينيه تلك الدمعة الحزينة .
عاد ليستجمع قواه ويأخذ ذلك النفس العميق وكأن حملا ثقيلا أرهق كاهله .مد يده نحو تلك الكأس ورفعها عن المنضدة ليحتسي منها القليل وكأن الكلام الذي كان سيبوح به كان مهما ومن الصعب النطق به .
قال وهو ينظر لعينيها : هذه الفتاة كانت حبيبتي ...
صمت قليلا قبل أن يقول ثانية وبشيء من القوة والعصبية : وما زالت حبيبتي .
سألته : وأين هي الآن !
أجاب : إنها في قلبي ....في خيالي
استقرت تلك الدموع على وجنتيه وهو ينظر إلى تلك الكأس التي أبقاها بيده ،رفع يده ليمسح تلك الدموع بطرف معطفه .
نظرت إليه وفي عينيها مزيج من الحزن والشفقة .أعادتها تلك الدموع إلى واقعها المؤلم وأحست بمدى تشابه ماضيهما الحزين
تابع قائلا : يبدو أنني لن أحب ثانية أي فتاة أخرى .
قال ذلك وقد ارتسمت على وجهه تلك الابتسامة الساخرة .
ولأنه أدرك بأنها ستعاود السؤال عن تلك الفتاة ولأنه شعر برغبة بالتكلم عما في داخله تابع قائلا :لقد كانت كل شيء في حياتي ،كانت عيني التي أرى بهما، كانت أصابعي التي أرسم بها، كانت مصدر إلهامي ، كانت لديها عينيكي ...
لو نظرت إلى تلك اللوحات لرأيتي بأن لها ذات العينين .حتى لما أقعدها المرض وباتت غير قادرة على مفارقة فراشها لم تغب عن وجهها تلك الابتسامة .بقي وجهها مشرقا كما عرفته دائما ...
تابع قائلا :أتعلمين بأن تلك اللوحات جميعها رسمتها بعد أن رحلت ...
قالت : ماتت !
وقبل أن تكمل كلمتها نظر إليها بتلك النظرة القاسية وقال بعصبية : لا لم تمت ...قلت لك إنها هنا "وهو يشير لقلبه "وهنا "قاصدا عقله وخياله ".
عاد الصمت من جديد يعم أرجاء المكان ما عدا كلمات تلك الأغنية التي كانت تصدر عن تلك الآلة
كانت كلمات تلك الأغنية وكأنها كتبت لمن هم في حالة هذين الشابين
نظر إليها وقال : إني آسف فأنا لهذا الحين لا أصدق بأني فقدتها .لقد فقدت معها كل شيء جميل .لم أستطع من حينها أن أرسم أي شيء آخر سواها وكأنني فقدت بصري ولم يبقى في ذاكرتي سوى صورتها .
عاد الدفء ليظهر بعيني ذاك الشاب بعد التوتر الذي سيطر عليه لحين من الوقت .
وعاد الارتياح ليظهر على ملامح تلك الفتاة بعد أن بان الارتباك عليها قبل ذلك .
وضع كأسه على تلك المنضدة ليقف من بعدها وهو ينظر لعينيها ، مد يده بكل هدوء نحوها .
قال : هل تسمحين لي بالرقص معك ؟
نظرت إليه وهي مفتونة بلباقته ودفء عينيه ، مدت يدها باتجاه يده لتقف من بعدها .أمسك بيدها وسارا نحو منتصف تلك الغرفة وقف من بعدها وعينيه معلقة بعينيها ، اقترب منها وضع يديه حولها.
رفعت يديها لتضعهما على كتفيه وهي تحاكي عينيه .
بدأا بالرقص على تلك الموسيقى الهادئة .
رد
#2
اي شخص حب القصة في يتابع الجزء الأخير منها بتمنى تنال اعجابكن
رد
#3
[SIZE="5"][COLOR="Red"]القصة سلسة ممتعة حزينة واقعية تحمل النقيضين معا السعادة والتعاسة الحب والكراهية الرغبة والامتناع قرأتها واسعدتني وكذلك يا صديقي انطونيو السعادة في رايي الخاص هيي ان تقنع بما بين يديك في انتظار المزيد من القصص منك ودمت [/COLOR][/SIZE]
رد
#4
شكرا وردة وفا على رايك بتمنى اكتب الافضل وادملكن الافضل بس الي راي بانو نقتنع بيلي بين ايدينا وهيدا بيحققنا السعادة .... انا برايي مو دايما الشي يلي بين ايدينا بيحققلنا السعادة لئنو مو دايما الشي يلي بين ايدينا بيكون من اختيارنا كتير اشيا بتكون مفروضة علينا وبالتالي مو شرط تحققنا السعادة ويمكن تحسسنا بالملل بدل السعادة والانسان بطبعو بيطلب المزيد والتغيير .
رد


الانتقال إلى منتدى:


المستخدمون الذين يتصفحون الموضوع: 1 زائر