إنه الشعر .... بقلم: عطيه مسوح
#1
[SIZE="6"][COLOR="Red"]


[COLOR="Navy"]
[SIZE="7"]أنـــه الشــــعر .... بقلم عطيــة مســـوح [/SIZE]
[/COLOR]
مساء الخميس الفائت حضر الشعر في مشتى الحلو. وحين يحضر الشعر يستحضر معه الجمال والرقة وخفة الظل، وتعبق أجواء المكان بفوح الكلمات وبوح القلوب.
ازدهت قاعة كنيسة السيدة في تلك البلدة الجميلة بباقات الورد، وبجمهورها المحب للشعر، ومَنْ أكثر منا نحن العرب حباً لسيد الفنون؟

المناسبة حفل توقيع كتاب الشاعر حسان بسطاطي (نبيذ وجمر وشفاف)، وهو شعر باللغة المحكية صدر حديثاً بتجليد فني وإخراج متميز يليق بما تضمه دفتاه من عذوبة وعمق وجمال. أما الشعراء الذين تصدَّروا القاعة فهم موسى زغيب وألبير حرب ووليم حسواني ورفيق روحانا وعدنان بدري الحلو، إضافة إلى المحتفى بديوانه، ابن مشتى الحلو، وهو الخطاط الذي يهب الحروف حياة، والشاعر الذي تخصب الكلمة على ريشته.
أعادني ذلك الجو البديع إلى سؤال طالما طرحته على نفسي، وطالما طرحه اللغويون والأدباء العرب وشغلوا به أنفسهم والناس، وهو السؤال عن أهلية الشعر المكتوب باللغة المحكية (العامية) لأن يُعدَّ أدباً، ويصنّف في عداد الشعر العربي الذي امتد وتنامى وتطورت أشكاله ومضامينه وتنوّعت على مدى أكثر من خمسة عشر قرناً.
وقد يبدو سؤالي هذا ساذجاً، بل نافلاً لا حاجة إليه، وأنا أطرحه بعد أن أدهشني الشعراء في تلك الأمسية بعذوبة لغتهم المحكية وسلاستها، وبجلال المعاني وجمال الصور. وقد يجد من استمع إلى ذلك الشعر أن سؤالي تلقّى إجابة واضحة حاسمة.

ربما كان الأمر كذلك. فالتفاعل بين الشعراء والجمهور ارتقى حتى تكاد تظن ألا فرق بين الجالسين على منصة الشعر وجمهور الشعراء الذين تغص بهم القاعة، نعم، قلت جمهور الشعراء، لأن النفس الشاعرة في كل مستمع أو مستمعة استيقظت، ونهضت معلنة اشتراكها في الإبداع. ومن قال إن المتلقي يظل متلقياً؟ إنه يتفاعل، وحين يتفاعل يمنح ما يتلقاه الكثير من الغنى والسمو، والكثير من الواقعية أيضاً.
بل من قال إن الشاعر الذي يتألق على منبره، لا يشتعل حباً وذوقاً وحرية وهو يتفاعل مع وقع إبداعه في نفوس الناس؟ يتفاعل مع وقع إبداعه، بكل ما في العبارة من معنى، فالكلمة الحلوة المعبرة هي كالخمرة، تفعل فعلها في نفس المتفاعل معها، فيغدو كالنديم الدمث الرقيق، الملفوح بحرارة الخمرة، والمرتقي مع ندمائه وبهم، على جناح النشوة.

كثيراً ما يرفض المحافظون المتشددون إدراج الشعر المكتوب بالعامية في عداد الأدب، ولا يعدّونه إبداعاً، وهم في ذلك يتجاهلون علاقة اللغة بلهجاتها، وينكرون فكرة أن الناس هم الذين يصنعون اللغة، وأن اللغة لم تصنع على يد مجموعة من الموهوبين، بل إن اللغويين أخذوا لغة الناس المبتكرة خلال قرون وقرون، وصنّفوها، واستنبطوا منها قوانين وقواعد لا يجوز أن تتحول إلى سدود في وجه إبداع الأجيال اللغوي.
ولأن الواقع أقوى من كل نحو وصرف، فإن العامية بلهجاتها المتنوعة، عاشت وتطورت، وهي تغني اللغة والفن.
وإذا كانت القواعد ضرورية لبقاء اللغة الفصيحة، فهي يجب أن تساعد على نمو اللغة وتطورها، وأن تسهّل تعلمها، وألا تمنع الكتاب والمفكرين والمبدعين من تقريبها من الحياة الواقعية، وبغير ذلك فإن ضرراً كبيراً يلحق باللغة، وهو إبعادها عن الحياة.
وجدت اللهجات العامية عند العرب منذ أقدم العصور، ولم تستطع الفصحى المعتمدة معجمياً إزالتها، أو التخفيف من انتشارها. ونحن ـ عملياً ـ نقر بوجود العامية إلى جانب الفصحى، ونقر بإبداعات سينمائية ودرامية تؤدى بالعامية، ونتفاعل معها، فكيف لا يعد بعض المتشددين الشعر المكتوب باللغة المحكية شعراً أو لا يصنفونه في عداد الأدب الراقي المعبر عن إبداع الأمة؟

إن أوزان الشعر العامي المعروف في بلاد الشام، هي أوزان الشعر العربي ذاتها، مع تعديلات بسيطة تقتضيها انسيابية العامية وشروط الغناء والدندنة والترنم. فما وزن الميجناوالمعَنَّى إلا الرجز التام بلا جوازات، أو الكامل مع تغليب السبب الخفيف على الفاصلة، وما العتابا والقصيد إلا الوافر بجواز متكرر ملزم هو تسكين اللام في (مفاعلتن)، وما الشروقي إلا البسيط بجواز محدد في تفعيلته الأخيرة، وما القرادي إلا الخبب، إلى ما هنالك من تشابهات تدل على أن عقول الموهوبين التي صنعت أوزان الشعر الفصيح عبر العصور، هي التي صنعت، أوزان الشعر العامي، وقد يصح القول إن أحد النوعين قد اشتق من الآخر أو تطور عنه من خلال الاستخدام اليومي.

في كل عصر نجد التشدد إلى جانب المرونة، وقد عاب بعض اللغويين المتشددين على المتنبي خروجه على بعض قواعد الاشتقاق أحياناً، كما عاب بعض المتشددين المحدثين على جبران خليل جبران مثل ذلك.
متى نتحلّى بالمرونة في النظر إلى اللغة؟ ومتى ندرك أن تبسيط قواعد لغتنا الفصحى هو الذي يحمل لها الفائدة؟
ومتى نكون واقعيين ويعلن أدباؤنا ومبدعونا أن الشعر المكتوب بالعربية المحكية هو شعر لا يقل مكانة عن صنوه المكتوب بالعربية الفصحى؟
وسواء أعلنَّا ذلك أم لم نعلنه، فالواقع أقوى من القوانين، والحقيقة أبلغ من الإفصاح عنها، والشعر هو الشعر بأية لغة أو لهجة كان.


عطيه مسوح
جريدة النور [/COLOR][/SIZE]
أنـــــــــــا مشتــــــــــاوي
رد


الانتقال إلى منتدى:


المستخدمون الذين يتصفحون الموضوع: 1 زائر