27-01-10, 05:17 AM
[SIZE="5"][COLOR="Red"]
من عجينة الأرض معروكة روحها، ومن أعالي السماء يتردد صدى صوتها، ومن جيوب الغمام تنفلش أحاسيسها، منثورة على الوهاد والوديان،
والجبال والقمم، والمدن والأرياف ، وفي العواصم، ومن تلاحم رياح الشرق ورياح الغرب يتبعثر صوتها، فيصيب الكون برعشة الخلود، وبجناحين من نور ونار، طار بها عاصي ومنصور إلى العلياء. وبالثنائي الرحباني أصبحت فيروز جزءاً من الصباح بلا مناص.
على أنغام موسيقا الرحابنة، وصوت فيروز الملائكي، ألقت الباحثة والمهتمة بشؤون الموسيقا العربية - إلهام أبو السعود - محاضرة بعنوان «فيروز أيقونة الغناء العربي في القرن العشرين» وذلك في المركز الثقافي العربي في أبي رمانة.
فيروز والرحابنة : اللقاء والبدايات:
ولدت فيروز عام 1935 واسمها الحقيقي نهاد حداد لأب فقير واكتشفها كمطربة مدير المعهد الموسيقي اللبناني وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وهو الذي أطلق عليها اسم فيروز الذي يعني أحد أنواع الحجارة الكريمة، وخلال عملها في الإذاعة اللبنانية التقت بعاصي الرحباني، المؤلف الموسيقي الذي أصبح زوجها فيما بعد، وبأخيه منصور الذي شكل معه ثنائياً فريداً.
ومن خلال الجمع بين الآلات الغربية والآلات الشرقية العربية في مقطوعات موسيقية قصيرة، ومن خلال صوت فيروز أصبح هذا الثلاثي الرحباني قادراً على إحداث ثورة في موسيقا المنطقة.
إن الطبيعة كما تقول الباحثة إلهام أبو السعود بفطرتها وبساطتها وعمق جمالها، كان لها الأثر في إثراء ذاكرة هذين العملاقين، منصور وعاصي وتكوين وعيهما، وذائقتهما الجمالية ومن هنا كتب لنا منصور بالاشتراك مع رفيق دربه عاصي، مجموعة من الأعمال المسرحية، مثل بياع الخواتم، جسر القمر، وعلى شواطىء الاسكندرية وقف العملاقان عاصي ومنصور يسكبان في المسامع مقطوعة تتنفس هواء البحر وتتنهد أمواجه وهي شط اسكندرية، فهذه الأغنية كما تقول الباحثة تحمل رائحة البحر وتتجاوب مع نغمات (كوم الدكة) حيث نشأ سيد درويش وغنى باكورة أعماله، وقد اختار كل من عاصي ومنصور أغنيتين من هذه الأغاني: الحلوة دي قامت تعجن - وزوروني كل سنة مرة - وقدموها بإطار جديد من التطور والتحديث بعيداً عن الرتابة في اللحن، دون التعرض لأصالته أو محو معالمه، وظهرت الأغنيتان بثوب جديد بصوت فيروز المعبر والرائع.
وكان للإذاعة السورية أثر في انطلاقة الرحابنة، حيث قال عاصي في هذا المجال: كان للإذاعة السورية فضل كبير علينا، بل إن انطلاقتنا الحقيقية كانت منها، وفي البدايات قدمت لنا هذه الإذاعة الكريمة التي كان لها فضل كبير على جميع الفنانين العرب أغنيات كثيرة منها سمراء مها - ياساحر العينين - عتاب.
الرحابنة والأغنية العربية:
أدخل الرحابنة على الأغنية العربية فيما بعد عناصر جديدة منها، قصر الأغنية بالإضافة إلى المواضيع الجديدة وخاصة في الحب، فلم تعد أغنية التفجع العشقي فقط، بل الأمل في حياة المحبين.
أما عن الفلكلور فقد أدخلوه على الأغنية الحديثة دون أن يأخذاه على أنه تراث بحيث يجب أن يحفظ حفظاً متحفياً بل ينتشر في الحياة.
فكانت الأغنية العربية بصورة عامة تأتي وتذهب منفردة، فأصبحت جزءاً من السياق لقصة محببة لدى الرحبانيين وكان ما لحناه للوطن وفلسطين والمدن المقدسة من أروع ماصدح به مغنون ومنشدون في هذا المجال، وكلنا نذكر قصائدهما إلى مكة والقدس وعمان والشام ولبنان الأخضر، وتتنوع الرؤى والأفكار الرحبانية عبر تقديمهم لمجموعة من الأعمال الأكثر واقعية المفعمة بالالتزام والصدق، وهي مرحلة اقتربت بشكل أكثر عمقاً من قضايا الإنسان العربي.
الرحبانية بعد رحيل عاصي:
في 21 حزيران عام 1986 رحل عاصي وبقي توءمه الإبداعي منصور يواصل الرحلة كبحار يأبى الانكسار، يدهشنا بسره الموسيقي وريشته التي تهتك أسرار الألوان الموسيقية لتبقى اللوحة الرحبانية غنية بأطيافها غنية بعظمتها وطهارة النغمة المسكونة في حنجرة فيروز ولمسات أدائها.
ومن خلال عودة فيروز في مشهد تصالحي مع رفيقها الثاني منصور بعد غياب رفيق حياتها وفنها الكبير عاصي، عادت فيروز في تأكيدها وحبها للفن وحرصها على حفظ الأعمال الرائعة التي قدمها الرحابنة عادت في أغنية (أنا بدي وطني يكون متل السيف).
ولحن الياس الرحباني لفيروز عدة أغنيات منها (معك معك ياحبيبي) كما قدم زياد الرحباني لفيروز الفنانة الأم بعض الأغاني (سلم لي عليه) و(اشتقت لك)
ونلاحظ كما تقول الباحثة في أعمال الياس وزياد اتجاهين افترقا عن الظاهرة الرحبانية عاصي ومنصور، مثل الاتجاه الأول (إلياس) في إغراق أعماله بأجواء غربية والاتجاه الثاني (زياد) الذي اختار حرارة اللقاء البشري وعنفوانه بدلاً من الوجدانية لمنصور وعاصي، لحن زياد مقدمة المسرحية الغنائية (ميس الريم) كما لحن أغنية (سألوني الناس).
وفي الثالث من كانون الثاني من هذا العام رحل منصور الرحباني وقبله رحل عاصي، وبرحيلهما أحسسنا مدى الفراغ الذي أحدثه هذا الرحيل، وبرحيل العبقريين لم يعد ممكناً لنا سوى التماس ملامح تجربتهما الثرية من خلال الاستماع بنشوة سماوية يومياً إلى صوت السيدة فيروز وهي تشدو بأعذب وأرق الألحان، وماقدمه كل من منصور وعاصي متوجاً بصوت فيروز من أعمال خالدة سوى تلاقح ثلاث عبقريات عميقة عمق الوجود.
أخيراً تقول فيرجينا وانلسون المتخصصة بالموسيقا العربية: لقد صنع هذا المزج المذهل بين الفلكلوري والآلات الغربية والأنماط الموسيقية مقدرة على اجتذاب الناس، لقد صمم كل شيء ليكون عالمياً وريفياً في آن واحد، هذا إضافة إلى ذلك فقد أدت فيروز هذه الأغنيات بصوت لايشبه أي صوت آخر.
الأحد 1-11-2009م
جريدة الثورة [/COLOR][/SIZE]
من عجينة الأرض معروكة روحها، ومن أعالي السماء يتردد صدى صوتها، ومن جيوب الغمام تنفلش أحاسيسها، منثورة على الوهاد والوديان،
والجبال والقمم، والمدن والأرياف ، وفي العواصم، ومن تلاحم رياح الشرق ورياح الغرب يتبعثر صوتها، فيصيب الكون برعشة الخلود، وبجناحين من نور ونار، طار بها عاصي ومنصور إلى العلياء. وبالثنائي الرحباني أصبحت فيروز جزءاً من الصباح بلا مناص.
على أنغام موسيقا الرحابنة، وصوت فيروز الملائكي، ألقت الباحثة والمهتمة بشؤون الموسيقا العربية - إلهام أبو السعود - محاضرة بعنوان «فيروز أيقونة الغناء العربي في القرن العشرين» وذلك في المركز الثقافي العربي في أبي رمانة.
فيروز والرحابنة : اللقاء والبدايات:
ولدت فيروز عام 1935 واسمها الحقيقي نهاد حداد لأب فقير واكتشفها كمطربة مدير المعهد الموسيقي اللبناني وهي في الرابعة عشرة من عمرها، وهو الذي أطلق عليها اسم فيروز الذي يعني أحد أنواع الحجارة الكريمة، وخلال عملها في الإذاعة اللبنانية التقت بعاصي الرحباني، المؤلف الموسيقي الذي أصبح زوجها فيما بعد، وبأخيه منصور الذي شكل معه ثنائياً فريداً.
ومن خلال الجمع بين الآلات الغربية والآلات الشرقية العربية في مقطوعات موسيقية قصيرة، ومن خلال صوت فيروز أصبح هذا الثلاثي الرحباني قادراً على إحداث ثورة في موسيقا المنطقة.
إن الطبيعة كما تقول الباحثة إلهام أبو السعود بفطرتها وبساطتها وعمق جمالها، كان لها الأثر في إثراء ذاكرة هذين العملاقين، منصور وعاصي وتكوين وعيهما، وذائقتهما الجمالية ومن هنا كتب لنا منصور بالاشتراك مع رفيق دربه عاصي، مجموعة من الأعمال المسرحية، مثل بياع الخواتم، جسر القمر، وعلى شواطىء الاسكندرية وقف العملاقان عاصي ومنصور يسكبان في المسامع مقطوعة تتنفس هواء البحر وتتنهد أمواجه وهي شط اسكندرية، فهذه الأغنية كما تقول الباحثة تحمل رائحة البحر وتتجاوب مع نغمات (كوم الدكة) حيث نشأ سيد درويش وغنى باكورة أعماله، وقد اختار كل من عاصي ومنصور أغنيتين من هذه الأغاني: الحلوة دي قامت تعجن - وزوروني كل سنة مرة - وقدموها بإطار جديد من التطور والتحديث بعيداً عن الرتابة في اللحن، دون التعرض لأصالته أو محو معالمه، وظهرت الأغنيتان بثوب جديد بصوت فيروز المعبر والرائع.
وكان للإذاعة السورية أثر في انطلاقة الرحابنة، حيث قال عاصي في هذا المجال: كان للإذاعة السورية فضل كبير علينا، بل إن انطلاقتنا الحقيقية كانت منها، وفي البدايات قدمت لنا هذه الإذاعة الكريمة التي كان لها فضل كبير على جميع الفنانين العرب أغنيات كثيرة منها سمراء مها - ياساحر العينين - عتاب.
الرحابنة والأغنية العربية:
أدخل الرحابنة على الأغنية العربية فيما بعد عناصر جديدة منها، قصر الأغنية بالإضافة إلى المواضيع الجديدة وخاصة في الحب، فلم تعد أغنية التفجع العشقي فقط، بل الأمل في حياة المحبين.
أما عن الفلكلور فقد أدخلوه على الأغنية الحديثة دون أن يأخذاه على أنه تراث بحيث يجب أن يحفظ حفظاً متحفياً بل ينتشر في الحياة.
فكانت الأغنية العربية بصورة عامة تأتي وتذهب منفردة، فأصبحت جزءاً من السياق لقصة محببة لدى الرحبانيين وكان ما لحناه للوطن وفلسطين والمدن المقدسة من أروع ماصدح به مغنون ومنشدون في هذا المجال، وكلنا نذكر قصائدهما إلى مكة والقدس وعمان والشام ولبنان الأخضر، وتتنوع الرؤى والأفكار الرحبانية عبر تقديمهم لمجموعة من الأعمال الأكثر واقعية المفعمة بالالتزام والصدق، وهي مرحلة اقتربت بشكل أكثر عمقاً من قضايا الإنسان العربي.
الرحبانية بعد رحيل عاصي:
في 21 حزيران عام 1986 رحل عاصي وبقي توءمه الإبداعي منصور يواصل الرحلة كبحار يأبى الانكسار، يدهشنا بسره الموسيقي وريشته التي تهتك أسرار الألوان الموسيقية لتبقى اللوحة الرحبانية غنية بأطيافها غنية بعظمتها وطهارة النغمة المسكونة في حنجرة فيروز ولمسات أدائها.
ومن خلال عودة فيروز في مشهد تصالحي مع رفيقها الثاني منصور بعد غياب رفيق حياتها وفنها الكبير عاصي، عادت فيروز في تأكيدها وحبها للفن وحرصها على حفظ الأعمال الرائعة التي قدمها الرحابنة عادت في أغنية (أنا بدي وطني يكون متل السيف).
ولحن الياس الرحباني لفيروز عدة أغنيات منها (معك معك ياحبيبي) كما قدم زياد الرحباني لفيروز الفنانة الأم بعض الأغاني (سلم لي عليه) و(اشتقت لك)
ونلاحظ كما تقول الباحثة في أعمال الياس وزياد اتجاهين افترقا عن الظاهرة الرحبانية عاصي ومنصور، مثل الاتجاه الأول (إلياس) في إغراق أعماله بأجواء غربية والاتجاه الثاني (زياد) الذي اختار حرارة اللقاء البشري وعنفوانه بدلاً من الوجدانية لمنصور وعاصي، لحن زياد مقدمة المسرحية الغنائية (ميس الريم) كما لحن أغنية (سألوني الناس).
وفي الثالث من كانون الثاني من هذا العام رحل منصور الرحباني وقبله رحل عاصي، وبرحيلهما أحسسنا مدى الفراغ الذي أحدثه هذا الرحيل، وبرحيل العبقريين لم يعد ممكناً لنا سوى التماس ملامح تجربتهما الثرية من خلال الاستماع بنشوة سماوية يومياً إلى صوت السيدة فيروز وهي تشدو بأعذب وأرق الألحان، وماقدمه كل من منصور وعاصي متوجاً بصوت فيروز من أعمال خالدة سوى تلاقح ثلاث عبقريات عميقة عمق الوجود.
أخيراً تقول فيرجينا وانلسون المتخصصة بالموسيقا العربية: لقد صنع هذا المزج المذهل بين الفلكلوري والآلات الغربية والأنماط الموسيقية مقدرة على اجتذاب الناس، لقد صمم كل شيء ليكون عالمياً وريفياً في آن واحد، هذا إضافة إلى ذلك فقد أدت فيروز هذه الأغنيات بصوت لايشبه أي صوت آخر.
الأحد 1-11-2009م
جريدة الثورة [/COLOR][/SIZE]

