11-02-10, 05:38 AM
[COLOR="Blue"][SIZE="4"]في عام 1987 اندلعت انتفاضة أطفال الحجارة و بعدها اندلعت انتفاضة شعرية مواكبة تؤرخ لهذا الحدث التاريخي غير المسبوق ، الذي ضخ دماء جديدة في شرايين الأمة التي توهم بعض السطحيين ،الذين ينخدعون بالمظاهر أنها أصيبت بالتصلب نتيجة الشيخوخة ، فأثبت أطفال الحجارة أن الأمة طائر عنقاء ينهض كل مرة من بين الرماد ، أو كأن الأمة تستعيد قول شاعر العروبة الخالد المتنبي :
كم قد قتلت وكم قد مت عندكم
ثم انتفضت فزال القبر والكفن
قد كان شاهد دفني قبل قولهم
جماعة ثم ماتوا قبل من دفنوا
و إذا كان بعض تلك القصائد ، التي سميت " قصائد الحجارة "، ركيكاً ، فإن بعضها كان على مستوى عال و أرخ فنياً لتلك اللحظة التاريخية ، لكن لحظة 1987 التي اشتكى البعض منها لتدني المستوى الفني ، و غلبة المضمون على حساب الشكل الفني ، و انزلاق بعض القصائد لتصير خطاباً سياسياً مباشراً . هذه اللحظة لم تتكرر ثانية ، فبعد عام 1987 انفرط عقد الإتحاد السوفيتي ، ثم حطم الأمريكان العراق ، و جاءت اتفاقية أوسلو ، فتحول كثير من الكتاب و المفكرين من الفكر الماركسي و القومي إلى ما سموه "الليبرالية "، ثم إلى مسخها " الليبرالية الجديدة " . بعضهم فعل ذلك تحت ضغط الهزيمة العالمية و القومية و اليأس و فقدان الأمل بالتغيير ، و و آخرون بدّلوا البندقية من كتف لآخر لأسباب انتهازية محضة ، فالأمريكان و أدواتهم في المنطقة وضعوا يدهم على سوق الصحافة و النشر في الوطن العربي و المهاجر .
بدأت تمر الأحداث التاريخية الكبيرة دون أن ينغمس المبدعون فيها، فرأينا العدوان الأمريكي على العراق عام 1991 ، ثم اندلاع إنتفاضة الأقصى عام 2000 ، و أخيراً و ليس آخراً العدوان و الغزو الأمريكي على العراق عام 2003، و ما تلاه من صفحة مقاومة جعلت الحرب التي خطط الغزاة لجعلها خاطفة و سريعة تستمر حتى اليوم أي سبع سنوات كاملة لكن دون مواكبة فنية كافية.
تشكل الحرب لحظة فارقة في حياة الشعوب ، ففيها تختل كل أنظمة الحياة و القوانين و الأخلاق . في الحرب يصبح الموت هو القاعدة و الحياة هي الاستثناء ، فيفقد هيبته كما عبر أحد الشعراء الشعبيين العراقيين "لكثرة ما يروح ويرجع الموت، ما ظلّت بعد للموت هيبه"! الموت في حالة الحرب لا يعود موت الآخرين كما يفكر الإنسان السوي في حالة السلم ، بل يصبح موت الذات ، كما يشرح فرويد الذي خصص كتاباً كاملاً لشرح سيكولوجية الناس أثناء الحروب " أفكار لأزمنة الحرب و الموت " . و هذا التبدل في النظرة نحو الموت يتبعه انقلاباً سيكولوجياً هائلاً في الشخص ، فتتبدل شخصيته و نظرته للحياة ، كما أن البنية الطبقية و الاجتماعية المنضدة بدقة خلال عشرات و أحياناً مئات السنين تنهار تحت قصف المدافع ، فيصعد أناس و يهبط آخرون ، و تتبدل القيم الاجتماعية ،فتنهار قيم لتحل مكانها أخرى جديدة ، بعض الناس يستوعبونها و آخرون يشعرون بالغربة نحوها ، لذلك تٌعد الحروب منجما لا ينضب للقصص و الحكايات و لتنوع الشخصيات فهي توفر مادة فنية ضخمة يبحث عنها المبدع الحقيقي لكتابة أشعاره و قصصه و رواياته .
لقد عرف التاريخ شعراء و كتاباً بنوا مجدهم الأدبي على هذه اللحظة الفارقة في تاريخ الشعوب ، و نذكر في هذا السياق زهير بن أبي سلمى و الحرب التي وصفها في معلقته الشهيرة ، كما المتنبي و تأريخه لحروب سيف الدولة ، و كذلك الشاعر أبي فراس الحمداني .و كتب تولستوي أهم أعماله الأدبية عن الحرب سواء الحرب العالمية الأولى ، أم حروب القوقاز ، كما كتب همنغواي عن الحرب الأهلية الاسبانية ، و بنى لوركا جزءاً من أسطورته عبر مشاركته في تلك الحرب و تصفيته بالطريقة الوحشية المعروفة . و بقيت أعمال ميخائيل شولوخوف عن الحرب الأهلية الروسية بين البيض و البلاشفة علامة فارقة في تاريخ الأدب الروسي .و هنا نكتفي بمجرد ضرب الأمثلة لأنه لا مجال للتعداد . تقول المقولة الشهيرة إن الحروب تنتج أغنياء ، و أيضاً : شعراء ، و مغنين ، و كتاباً .
مر على بدء صفحة الغزو الأمريكي للعراق وحرب الأنصار التي اندلعت بعد ثلاثة أسابيع من الحرب النظامية عام 2003 و حتى اليوم سبع سنوات إلا نيف . و هي فترة زمنية أطول من مدة الحرب العالمية الثانية . و إذا استعرضنا الأرقام الخاصة بهذه الحرب لاكتشفنا ضخامتها فقد استُشهد مليون و نيف من العراقيين ، و سقط عشرات الآلاف بين قتيل و جريح من الأمريكان . كما شارك مليوني جندي أمريكي منذ عام 2001 في حربي العراق و أفغانستان و منهم حوالي 800 ألف أُرسلو إلى ميادين القتال أكثر من مرة. و هُجر أربعة ملايين عراقي عن أماكن سكناهم، كما بلغت تكلفة المجهود الحربي الأمريكي تريليونات الدولارات ، و عُدت هذه الخسائر سبباً أساسياًَ من أسباب الأزمة الاقتصادية الأمريكية . لقد غيرت هذه الحرب ميزان القوى الدولي لصالح القوى الصاعدة على حساب الولايات المتحدة، فرأينا تبدلات في العلاقات الدولية تشير إلى بزوغ عالم متعدد الأقطاب .
إن ما سبق ذكره يشير إلى أن الحرب التي يشهدها العراق هي حرب عالمية بأدواتها و نتائجها.و أمام حرب عالمية كهذه استطالت سبع سنوات ألا يحق لنا أن نتساءل أين الإبداع الفني و الأدبي المواكب لها ؟ و إذا وسعنا الصورة قليلاً لوجدنا أن مساحة المشرق العربي تشهد هي الأخرى حروباً صغيرة و أحياناً كبيرة ، و بالتالي فإن حوالي سبعين مليوناً من السكان يعيشون في أجواء الحرب أو التهديد بها ،فهم إما ساكنون على الجبهة أو في خطوطها الخلفية ، و قد تمتد الجبهة نحوهم في أية لحظة ، و في كل الأحوال فإن أكلهم ، و معاشهم ، و زواجهم ، و إنجابهم ، و مجرد بقائهم على قيد الحياة مرتبط بهذه الحرب و نتائجها . فأين الإبداع الفني : شعراً ، و نثراً ،و غناءً ؟
مشغولون بضرب المزاهر عن قرع الحوافر
في محاولة للإجابة عن سؤال كبير " أين أدب المقاومة " الفلسطيني كتب الكاتب أسامة العيسة مقالة مميزة في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 16 يناير 2008 العدد 10641 يرصد الكاتب ظاهرة غريبة عند الأدباء الفلسطينيين . يقول:
(( منذ مدة ليست بالقصيرة، تحول مصطلح «أدب المقاومة» إلى شيء كريه يجب تجنبه بالنسبة لأجيال أدبية فلسطينية مختلفة، حتى أن من أطلق عليهم في الستينات «شعراء المقاومة»، وبنوا شهرتهم على ذلك باتوا يتهربون من التصاق هذا الشعر بهم، مثل محمود درويش، الذي يواصل تألقه الشعري بعيدا عن أية قوالب، ومثل سالم جبران، الذي توقف عن قرض الشعر. هذا عدا أن بعض من أطلق عليهم «شعراء المقاومة» لهم خياراتهم السياسية، التي قد تكون بعيدة كثيرا عن المفهوم التقليدي والشائع عربيا لما يسمى «أدب المقاومة». .......))
و امتدت ظاهرة القرف من " أدب المقاومة " ،و إدارة الظهر لآلام الشعب الفلسطيني الذي يقاتل ، و يتشبث بالأرض ، و يَسطُر منذ مائة عامة ملحمة مقاومة عز نظيرها في وجه آلة عسكرية جبارة ، و في ظل تآمر عربي رسمي و دولي على هذا الشعب الذي يستحق اسم شعب الجبارين ، و ما ملحمة الأنفاق التي يسطرها هذا الشعب في غزة إلا مثل واحد لا يستنفذ الموضوع ، و لو أن أديباً شاعراً أو كاتباً التقط هذا الفعل المقاوم الذي يقترب من الإعجاز لأنتج فناً أدهش البشرية. امتدت هذه الظاهرة ( ظاهرة القرف و إدارة الظهر لآلام الشعب ) إلى مثقفي الوطن العربي ، فرأينا بعض من أطلق عليهم شعراء المقاومة في لبنان يتنصلون من هذه التسمية، بل اعتبرها أحدهم شتيمة ، و عبر عن امتعاضه الصريح عندما ذكرتها أمامه أواسط التسعينات في صدفة جمعتني به . يفسر الكاتب أسامة العيسه ذلك بالقول :
((و فسر أحد الكتاب اليساريين ذلك، بالإشارة، إلى أن الكتاب والنخب الثقافية المحسوبة على اليسار، ومن بينها الجبهة الشعبية، وجدت نفسها في المنظمات غير الحكومية، ورهينة للمانحين، الذين يفضلون أعمالاً أدبية وفنية وأفلاما تسجيلية وأبحاثا ونشاطات، تتعلق بمواضيع مثل الجندر، ونشر الديمقراطية، وتمكين المرأة، وغيرها من عناوين عامة، ضمن اجندة لا يمكن أن يكون الحديث عن المقاومة، مجرد حديث، ضمن اجندتها )) .
و ما كتبه أسامة العيسه عن الساحة الفلسطينية يمكن تعميمه على مساحة الوطن العربي ، كما يمكن أن يصلح أساساً لتفسير غياب أدب المقاومة عن الساحة الأدبية في المشرق العربي . و يلاحظ السيد طه المتوكل رئيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين أنه " في العقد الأخير من القرن العشرين تأثرت التجربة الإبداعية في فلسطين بثلاث زلازل أثرت على خطابنا الثقافي والاجتماعي،و يتعلق الأمر بانهيار الإتحاد السوفياتي وماله من تداعيات على حركات التحرر ، حرب الخليج الثانية التي انتصرت فيها القطرية على القومية بالإضافة إلى زلزال مدريد وأوسلو. وما اكتشفته خلال الدراسة التي قمت بها على الكتابات الشعرية التي جاءت بعد ” أوسلو” هو أن معظم الشعراء الشباب اتجهوا إلى الهامشي والذاتي ، حتى الشعراء الكبار على غرار محمود درويش وسميح القاسم أصابهم ما أصاب الشعراء الشباب "
و ما لم يقله المتوكل أن ذلك تم استجابة لشروط المانحين الذين خلقوا جواً عاماً يستحيل تجاهله على من يبحث عن الاعتراف . و هو ما يقوله العيسه :
(( استنكاف الكتاب في فلسطين عن خوض غمار الكتابة عن المقاومين، هو خشيتهم، من «طردهم» من زمر الأدباء والفنانين المكرسين، الذين ينعتون أي كاتب يمكن أن يكتب عن الوطن بـ «الوطنجي».
وفي مثل هذه الظروف، فإن عشرات من الكتاب يكتسبون اعتراف الآخرين بهم بصفتهم كتابا، حتى لو كان رصيد الواحد منهم مقطوعات نثرية تتضمن مفردات رائجة، مثل الجسد، والايروتيكا، والنبيذ، والمرأة، والمدينة..الخ، في حين أن أي أديب موهوب سيعيش ويموت مغمورا، إذا خاض الغمار الصعب وعبر عن نفسه، مثل الشاعر حسنين رمانة، الذي لا يرد ذكره أبداً كشاعر، لانه ببساطة جعل من حياته وقصيدته شيئاً واحداً. ))
فإذا وسعنا دائرة البيكار لتشمل مساحة المشرق العربي ،الذي يعيش منذ سبع سنين حرباً مستمرة ، بعضه يعيش على الجبهة و آخرون في الخطوط الخلفية ، لكن الحرب مست حياة الجميع ،كما قلنا ، فلن تجد كبير اختلاف و يمكنك أن تدخل إلى أي مكتبة كبيرة في بيروت و تخرج منها بحمولة شاحنة صغيرة من روايات الايروتيكا و الجسد و النبيذ و الشذوذ الجنسي ( الذي بات بعض المثقفين يستنكف تسميته شذوذاً لأن هذه التسمية بعرف المانحين الغربيين عبارة غير ديمقراطية ،إلغائية ) و جلها لكاتبات . لكن لا تبحث عن روايات تناقش تجربة الحرب لأنك لن تجد ( على حد علمي ) سوى رواية إنعام كجه جي " الحفيدة الأمريكية "، و مجموعة قصصية لكلشان البياتي ، و الأخيرة نشرها الناشر ليس بصفتها من أدب الحرب أو المقاومة إنما ضمن سلسلة أدب نسائي ، فمرت .
فإذا أبديت امتعاضك من انتشار الإيروتيكية و الإهتمام بالجسد بهذا الشكل ردوا على الفور بتذكيرك بالتراث :" رجوع الشيخ إلى صباه " ، و النفوشي ، و ببلاط هارون الرشيد ، و خمريات أبي نواس ،و غيرها من الكتب التي أغرقت دار نشر شهيرة السوق بها في أعقاب تحطيم العراق على يد الأمريكان عام 1990 ( هل كان هذا الإغراق عفوياً؟ ) ، ثم قدموا أنفسهم استمراراً لذلك التراث الذي لم يكن يخجل من تسمية الأشياء بمسمياتها ، كما يتبجحون ، و بعدها يبدون امتعاضهم من تراجع مساحة الحرية و التسامح في الفكر العربي المعاصر تحت ضغط الأصولية . متناسين أن وظيفة و أدوات شاعر يقرض الشعر في بلاط هارون الرشيد ، الذي كان يحكم العالم من الصين إلى بواتييه ،لا تصلح لشاعر يغوص أبناء أمته في الوحل ، و تتداعى على أمته أمم الأرض كما تتداعى الأكلة على قصعتها ، فما يصلح فنياً و أخلاقياً و إنسانياً لكتاب بغداد في ذروة مجدها لا ينفع لكاتب يعيش شعبه تحت القصف و النهب و تخب الجيوش المحتلة في أراضيه .
قالت العرب : لكل مقام مقال . فهل يعقل أن تدخل إلى مجلس عزاء و تبدأ برواية ما تحفظه من نكت و أحداث طريفة ! أو أن تحدث المجموع عن مغامراتك الجنسية ! و بالعكس هل يمكن أن تذهب إلى عرس فتغني لهم من بكائيات أديب الدايخ . في الحالين سيكون مصيرك الطرد و الضرب . و هنا أقول لكم و على مسؤوليتي الشخصية : أرجعوا بغداد ، أو القدس ، أو دمشق مركز الكون و اكتبوا ماشاء لكم عن تجاربكم الايروتيكية . اكتبوا مجلدات عن رجوع الشيخ إلى صباه .
دُعي سيف الدولة إلى حفلة فاجاب على الفور " مشغول بقرع الحوافر عن ضرب المزاهر " [/SIZE][/COLOR]
يتبع
كم قد قتلت وكم قد مت عندكم
ثم انتفضت فزال القبر والكفن
قد كان شاهد دفني قبل قولهم
جماعة ثم ماتوا قبل من دفنوا
و إذا كان بعض تلك القصائد ، التي سميت " قصائد الحجارة "، ركيكاً ، فإن بعضها كان على مستوى عال و أرخ فنياً لتلك اللحظة التاريخية ، لكن لحظة 1987 التي اشتكى البعض منها لتدني المستوى الفني ، و غلبة المضمون على حساب الشكل الفني ، و انزلاق بعض القصائد لتصير خطاباً سياسياً مباشراً . هذه اللحظة لم تتكرر ثانية ، فبعد عام 1987 انفرط عقد الإتحاد السوفيتي ، ثم حطم الأمريكان العراق ، و جاءت اتفاقية أوسلو ، فتحول كثير من الكتاب و المفكرين من الفكر الماركسي و القومي إلى ما سموه "الليبرالية "، ثم إلى مسخها " الليبرالية الجديدة " . بعضهم فعل ذلك تحت ضغط الهزيمة العالمية و القومية و اليأس و فقدان الأمل بالتغيير ، و و آخرون بدّلوا البندقية من كتف لآخر لأسباب انتهازية محضة ، فالأمريكان و أدواتهم في المنطقة وضعوا يدهم على سوق الصحافة و النشر في الوطن العربي و المهاجر .
بدأت تمر الأحداث التاريخية الكبيرة دون أن ينغمس المبدعون فيها، فرأينا العدوان الأمريكي على العراق عام 1991 ، ثم اندلاع إنتفاضة الأقصى عام 2000 ، و أخيراً و ليس آخراً العدوان و الغزو الأمريكي على العراق عام 2003، و ما تلاه من صفحة مقاومة جعلت الحرب التي خطط الغزاة لجعلها خاطفة و سريعة تستمر حتى اليوم أي سبع سنوات كاملة لكن دون مواكبة فنية كافية.
تشكل الحرب لحظة فارقة في حياة الشعوب ، ففيها تختل كل أنظمة الحياة و القوانين و الأخلاق . في الحرب يصبح الموت هو القاعدة و الحياة هي الاستثناء ، فيفقد هيبته كما عبر أحد الشعراء الشعبيين العراقيين "لكثرة ما يروح ويرجع الموت، ما ظلّت بعد للموت هيبه"! الموت في حالة الحرب لا يعود موت الآخرين كما يفكر الإنسان السوي في حالة السلم ، بل يصبح موت الذات ، كما يشرح فرويد الذي خصص كتاباً كاملاً لشرح سيكولوجية الناس أثناء الحروب " أفكار لأزمنة الحرب و الموت " . و هذا التبدل في النظرة نحو الموت يتبعه انقلاباً سيكولوجياً هائلاً في الشخص ، فتتبدل شخصيته و نظرته للحياة ، كما أن البنية الطبقية و الاجتماعية المنضدة بدقة خلال عشرات و أحياناً مئات السنين تنهار تحت قصف المدافع ، فيصعد أناس و يهبط آخرون ، و تتبدل القيم الاجتماعية ،فتنهار قيم لتحل مكانها أخرى جديدة ، بعض الناس يستوعبونها و آخرون يشعرون بالغربة نحوها ، لذلك تٌعد الحروب منجما لا ينضب للقصص و الحكايات و لتنوع الشخصيات فهي توفر مادة فنية ضخمة يبحث عنها المبدع الحقيقي لكتابة أشعاره و قصصه و رواياته .
لقد عرف التاريخ شعراء و كتاباً بنوا مجدهم الأدبي على هذه اللحظة الفارقة في تاريخ الشعوب ، و نذكر في هذا السياق زهير بن أبي سلمى و الحرب التي وصفها في معلقته الشهيرة ، كما المتنبي و تأريخه لحروب سيف الدولة ، و كذلك الشاعر أبي فراس الحمداني .و كتب تولستوي أهم أعماله الأدبية عن الحرب سواء الحرب العالمية الأولى ، أم حروب القوقاز ، كما كتب همنغواي عن الحرب الأهلية الاسبانية ، و بنى لوركا جزءاً من أسطورته عبر مشاركته في تلك الحرب و تصفيته بالطريقة الوحشية المعروفة . و بقيت أعمال ميخائيل شولوخوف عن الحرب الأهلية الروسية بين البيض و البلاشفة علامة فارقة في تاريخ الأدب الروسي .و هنا نكتفي بمجرد ضرب الأمثلة لأنه لا مجال للتعداد . تقول المقولة الشهيرة إن الحروب تنتج أغنياء ، و أيضاً : شعراء ، و مغنين ، و كتاباً .
مر على بدء صفحة الغزو الأمريكي للعراق وحرب الأنصار التي اندلعت بعد ثلاثة أسابيع من الحرب النظامية عام 2003 و حتى اليوم سبع سنوات إلا نيف . و هي فترة زمنية أطول من مدة الحرب العالمية الثانية . و إذا استعرضنا الأرقام الخاصة بهذه الحرب لاكتشفنا ضخامتها فقد استُشهد مليون و نيف من العراقيين ، و سقط عشرات الآلاف بين قتيل و جريح من الأمريكان . كما شارك مليوني جندي أمريكي منذ عام 2001 في حربي العراق و أفغانستان و منهم حوالي 800 ألف أُرسلو إلى ميادين القتال أكثر من مرة. و هُجر أربعة ملايين عراقي عن أماكن سكناهم، كما بلغت تكلفة المجهود الحربي الأمريكي تريليونات الدولارات ، و عُدت هذه الخسائر سبباً أساسياًَ من أسباب الأزمة الاقتصادية الأمريكية . لقد غيرت هذه الحرب ميزان القوى الدولي لصالح القوى الصاعدة على حساب الولايات المتحدة، فرأينا تبدلات في العلاقات الدولية تشير إلى بزوغ عالم متعدد الأقطاب .
إن ما سبق ذكره يشير إلى أن الحرب التي يشهدها العراق هي حرب عالمية بأدواتها و نتائجها.و أمام حرب عالمية كهذه استطالت سبع سنوات ألا يحق لنا أن نتساءل أين الإبداع الفني و الأدبي المواكب لها ؟ و إذا وسعنا الصورة قليلاً لوجدنا أن مساحة المشرق العربي تشهد هي الأخرى حروباً صغيرة و أحياناً كبيرة ، و بالتالي فإن حوالي سبعين مليوناً من السكان يعيشون في أجواء الحرب أو التهديد بها ،فهم إما ساكنون على الجبهة أو في خطوطها الخلفية ، و قد تمتد الجبهة نحوهم في أية لحظة ، و في كل الأحوال فإن أكلهم ، و معاشهم ، و زواجهم ، و إنجابهم ، و مجرد بقائهم على قيد الحياة مرتبط بهذه الحرب و نتائجها . فأين الإبداع الفني : شعراً ، و نثراً ،و غناءً ؟
مشغولون بضرب المزاهر عن قرع الحوافر
في محاولة للإجابة عن سؤال كبير " أين أدب المقاومة " الفلسطيني كتب الكاتب أسامة العيسة مقالة مميزة في جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 16 يناير 2008 العدد 10641 يرصد الكاتب ظاهرة غريبة عند الأدباء الفلسطينيين . يقول:
(( منذ مدة ليست بالقصيرة، تحول مصطلح «أدب المقاومة» إلى شيء كريه يجب تجنبه بالنسبة لأجيال أدبية فلسطينية مختلفة، حتى أن من أطلق عليهم في الستينات «شعراء المقاومة»، وبنوا شهرتهم على ذلك باتوا يتهربون من التصاق هذا الشعر بهم، مثل محمود درويش، الذي يواصل تألقه الشعري بعيدا عن أية قوالب، ومثل سالم جبران، الذي توقف عن قرض الشعر. هذا عدا أن بعض من أطلق عليهم «شعراء المقاومة» لهم خياراتهم السياسية، التي قد تكون بعيدة كثيرا عن المفهوم التقليدي والشائع عربيا لما يسمى «أدب المقاومة». .......))
و امتدت ظاهرة القرف من " أدب المقاومة " ،و إدارة الظهر لآلام الشعب الفلسطيني الذي يقاتل ، و يتشبث بالأرض ، و يَسطُر منذ مائة عامة ملحمة مقاومة عز نظيرها في وجه آلة عسكرية جبارة ، و في ظل تآمر عربي رسمي و دولي على هذا الشعب الذي يستحق اسم شعب الجبارين ، و ما ملحمة الأنفاق التي يسطرها هذا الشعب في غزة إلا مثل واحد لا يستنفذ الموضوع ، و لو أن أديباً شاعراً أو كاتباً التقط هذا الفعل المقاوم الذي يقترب من الإعجاز لأنتج فناً أدهش البشرية. امتدت هذه الظاهرة ( ظاهرة القرف و إدارة الظهر لآلام الشعب ) إلى مثقفي الوطن العربي ، فرأينا بعض من أطلق عليهم شعراء المقاومة في لبنان يتنصلون من هذه التسمية، بل اعتبرها أحدهم شتيمة ، و عبر عن امتعاضه الصريح عندما ذكرتها أمامه أواسط التسعينات في صدفة جمعتني به . يفسر الكاتب أسامة العيسه ذلك بالقول :
((و فسر أحد الكتاب اليساريين ذلك، بالإشارة، إلى أن الكتاب والنخب الثقافية المحسوبة على اليسار، ومن بينها الجبهة الشعبية، وجدت نفسها في المنظمات غير الحكومية، ورهينة للمانحين، الذين يفضلون أعمالاً أدبية وفنية وأفلاما تسجيلية وأبحاثا ونشاطات، تتعلق بمواضيع مثل الجندر، ونشر الديمقراطية، وتمكين المرأة، وغيرها من عناوين عامة، ضمن اجندة لا يمكن أن يكون الحديث عن المقاومة، مجرد حديث، ضمن اجندتها )) .
و ما كتبه أسامة العيسه عن الساحة الفلسطينية يمكن تعميمه على مساحة الوطن العربي ، كما يمكن أن يصلح أساساً لتفسير غياب أدب المقاومة عن الساحة الأدبية في المشرق العربي . و يلاحظ السيد طه المتوكل رئيس اتحاد الكتاب الفلسطينيين أنه " في العقد الأخير من القرن العشرين تأثرت التجربة الإبداعية في فلسطين بثلاث زلازل أثرت على خطابنا الثقافي والاجتماعي،و يتعلق الأمر بانهيار الإتحاد السوفياتي وماله من تداعيات على حركات التحرر ، حرب الخليج الثانية التي انتصرت فيها القطرية على القومية بالإضافة إلى زلزال مدريد وأوسلو. وما اكتشفته خلال الدراسة التي قمت بها على الكتابات الشعرية التي جاءت بعد ” أوسلو” هو أن معظم الشعراء الشباب اتجهوا إلى الهامشي والذاتي ، حتى الشعراء الكبار على غرار محمود درويش وسميح القاسم أصابهم ما أصاب الشعراء الشباب "
و ما لم يقله المتوكل أن ذلك تم استجابة لشروط المانحين الذين خلقوا جواً عاماً يستحيل تجاهله على من يبحث عن الاعتراف . و هو ما يقوله العيسه :
(( استنكاف الكتاب في فلسطين عن خوض غمار الكتابة عن المقاومين، هو خشيتهم، من «طردهم» من زمر الأدباء والفنانين المكرسين، الذين ينعتون أي كاتب يمكن أن يكتب عن الوطن بـ «الوطنجي».
وفي مثل هذه الظروف، فإن عشرات من الكتاب يكتسبون اعتراف الآخرين بهم بصفتهم كتابا، حتى لو كان رصيد الواحد منهم مقطوعات نثرية تتضمن مفردات رائجة، مثل الجسد، والايروتيكا، والنبيذ، والمرأة، والمدينة..الخ، في حين أن أي أديب موهوب سيعيش ويموت مغمورا، إذا خاض الغمار الصعب وعبر عن نفسه، مثل الشاعر حسنين رمانة، الذي لا يرد ذكره أبداً كشاعر، لانه ببساطة جعل من حياته وقصيدته شيئاً واحداً. ))
فإذا وسعنا دائرة البيكار لتشمل مساحة المشرق العربي ،الذي يعيش منذ سبع سنين حرباً مستمرة ، بعضه يعيش على الجبهة و آخرون في الخطوط الخلفية ، لكن الحرب مست حياة الجميع ،كما قلنا ، فلن تجد كبير اختلاف و يمكنك أن تدخل إلى أي مكتبة كبيرة في بيروت و تخرج منها بحمولة شاحنة صغيرة من روايات الايروتيكا و الجسد و النبيذ و الشذوذ الجنسي ( الذي بات بعض المثقفين يستنكف تسميته شذوذاً لأن هذه التسمية بعرف المانحين الغربيين عبارة غير ديمقراطية ،إلغائية ) و جلها لكاتبات . لكن لا تبحث عن روايات تناقش تجربة الحرب لأنك لن تجد ( على حد علمي ) سوى رواية إنعام كجه جي " الحفيدة الأمريكية "، و مجموعة قصصية لكلشان البياتي ، و الأخيرة نشرها الناشر ليس بصفتها من أدب الحرب أو المقاومة إنما ضمن سلسلة أدب نسائي ، فمرت .
فإذا أبديت امتعاضك من انتشار الإيروتيكية و الإهتمام بالجسد بهذا الشكل ردوا على الفور بتذكيرك بالتراث :" رجوع الشيخ إلى صباه " ، و النفوشي ، و ببلاط هارون الرشيد ، و خمريات أبي نواس ،و غيرها من الكتب التي أغرقت دار نشر شهيرة السوق بها في أعقاب تحطيم العراق على يد الأمريكان عام 1990 ( هل كان هذا الإغراق عفوياً؟ ) ، ثم قدموا أنفسهم استمراراً لذلك التراث الذي لم يكن يخجل من تسمية الأشياء بمسمياتها ، كما يتبجحون ، و بعدها يبدون امتعاضهم من تراجع مساحة الحرية و التسامح في الفكر العربي المعاصر تحت ضغط الأصولية . متناسين أن وظيفة و أدوات شاعر يقرض الشعر في بلاط هارون الرشيد ، الذي كان يحكم العالم من الصين إلى بواتييه ،لا تصلح لشاعر يغوص أبناء أمته في الوحل ، و تتداعى على أمته أمم الأرض كما تتداعى الأكلة على قصعتها ، فما يصلح فنياً و أخلاقياً و إنسانياً لكتاب بغداد في ذروة مجدها لا ينفع لكاتب يعيش شعبه تحت القصف و النهب و تخب الجيوش المحتلة في أراضيه .
قالت العرب : لكل مقام مقال . فهل يعقل أن تدخل إلى مجلس عزاء و تبدأ برواية ما تحفظه من نكت و أحداث طريفة ! أو أن تحدث المجموع عن مغامراتك الجنسية ! و بالعكس هل يمكن أن تذهب إلى عرس فتغني لهم من بكائيات أديب الدايخ . في الحالين سيكون مصيرك الطرد و الضرب . و هنا أقول لكم و على مسؤوليتي الشخصية : أرجعوا بغداد ، أو القدس ، أو دمشق مركز الكون و اكتبوا ماشاء لكم عن تجاربكم الايروتيكية . اكتبوا مجلدات عن رجوع الشيخ إلى صباه .
دُعي سيف الدولة إلى حفلة فاجاب على الفور " مشغول بقرع الحوافر عن ضرب المزاهر " [/SIZE][/COLOR]
يتبع
