06-11-05, 08:15 AM
كانت نظرية الفوضى البناءة قد استطاعت تحقيق انتشار واسع في الأوساط الاقتصادية، فإنه مع ذلك مازال يلفها الكثير من الغموض واللبس رغم ما تضطلع به من دور محوري في البناء النظري للرأسمالية الغربية عموما والأميركية على وجه خاص· ويرجع هذا التصور في أصله الأول إلى الاقتصادي الأميركي- النمساوي جوزيف شومبيتر (1830-1950)
الذي نظر لفكرة الفوضى البناءة وأخذت معه مكانها المتميز في الفكر الاقتصادي والسياسي حيث باتت تمارس تأثيرا واضحا عليهما، خصوصا لدى بعض الاستراتيجيين في إدارة بوش الذين راحوا يبشرون بفوائد ومميزات نشر تلك الفوضى في منطقة الشرق الأوسط على أمل تغيير معالمها وإعادة رسم خريطتها· لكن ما يهمنا في هذا المقال هو تأثيراتها الاقتصادية البارزة·
وبإلقاء نظرة عابرة على عبارة الفوضى البناءة نجدها تصف لنا بدقة ما تقوم به الصناعات المنتجة والشركات الحديثة من انقضاض على بعضها بعضاً بقسوة منقطعة النظير وتدمير لخصومها في سعيها المحموم وراء تحقيق الأرباح وجريا وراء الفاعلية القصوى في إجراء الأعمال والصفقات· لكنها في الوقت ذاته تقضي على أوجه الضعف والقصور في السوق العالمي وتؤدي إلى تحسين الإنتاج وتحقيق مزيد من الأرباح· ويعني ذلك أن التدمير الذي يطال بعض الشركات يقود في النهاية إلى خلق بيئة ملائمة لإنتاج سلع وخدمات أخرى· وبينما أصبح اليوم مطلب التدمير من أجل الخلق رائجا في عالم الأعمال، كان إلى وقت قريب أمرا مذموما حيث شكلت مسألة المحافظة على الشركات وتعزيزها عنصرا لا غنى عنه لخلق فرص العمل والإسهام في استقرار المجتمع والنظام السياسي· بل كان الطلب على الإنتاج يصل إلى أعلى مستوياته في بعض الظروف الخاصة مثل أوقات الحرب، وهو ما يبرزه الارتفاع المطرد في إنتاج التكنولوجيا المتطورة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية ووصولها إلى ذروتها إبان الحرب الباردة·
لكن إلى متى ستستمر نظرية الفوضى البناءة في التأثير على الصناعات الحديثة وخلق المزيد من الثروات التي تبدو وكأنها لن تتوقف أبدا؟ قبل الإجابة عن تلك التساؤلات دعونا ننظر إلى الحالة الكارثية التي بلغتها صناعة السيارات الأميركية· ولاشك أن الكثير منا مازال يذكر الفترة الممتدة بين العشرينيات والستينيات من القرن المنصرم، حيث كانت تلك الصناعة في أوج ازدهارها، خاصة مع وجود الشركات الرائدة في هذا المجال مثل ''فورد''، والابتكارات التجارية والإدارية التي استحدثتها شركة جنرال موتورز محولة أميركا إلى أكبر مستهلك للسيارات في العالم· وقد استمر هذا الازدهار إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث انتعشت صناعة السفن والدبابات والأسلحة المختلفة، بالإضافة إلى إنتاج الآلاف من الطائرات الحربية· بعدها شهدت الصناعة الأميركية تحولا باتجاه إنتاج الأدوات المنزلية التي انتشرت لدى كل العائلات الأميركية لتعقبها الأدوات الإلكترونية وصولا إلى ثورة الكمبيوتر الأخيرة·
غير أنه سرعان ما تلت مرحلة الازدهار الصناعي تلك مرحلة أخرى سيطرت عليها نظرية الفوضى البناءة التي كانت تعني ببساطة توقف المصانع الأميركية عن الإنتاج وعن خلق فرص العمل الوفيرة، بالإضافة إلى الكف عن تأمين الرواتب والمعاشات الجيدة· ولئن كانت تلك التحولات مفيدة للعمال في الاقتصاديات الناشئة، حيث يتم تصدير عملية الإنتاج إلى مصانع محلية تقيمها الشركات متعددة الجنسيات، إلا أنها بالمقابل ليست كذلك بالنسبة للعمال الأميركيين حيث يُتوقع من الذين فقدوا وظائفهم أن يطوروا مهاراتهم وينتقلوا إلى وظائف أخرى ذات قيمة إنتاجية وإبداعية أعلى· ويكمن التأثير السلبي للفوضى البناءة على الصناعة الأميركية في أن العمال الذين سيتعين عليهم البحث عن وظائف ذات قيمة إنتاجية عالية، سيضطرون إلى العمل في قطاع الخدمات، وهو ما يعني أنهم إما سيمتهنون وظائف تتطلب قدرات ذهنية عالية، أو سينتهي بهم الأمر يبيعون في محلات ماكدونالدز أو وولمارت مع اضطرار جميع أفراد العائلة للخروج للعمل تأمينا للحد الأدنى من الحياة الكريمة· وبالرغم من أن هذه النهاية معروفة وليست جديدة تماما، إلا أن العديد ممن يناصرون الفوضى البناءة في الاقتصاد لا يكفون عن سرد حسناتها ودورها في توفير حياة رغيدة للجميع·
وليست هذه هي المرة الأولى التي تتم فيها مناقشة تداعيات التخلي عن التصنيع والتوقف عن الإنتاج، كما أنه كثيرا ما تم طرح أسئلة من قبيل هل يحتاج بلد ما إلى قاعدة صناعية؟ وهل ستكون الولايات المتحدة وبريطانيا أحسن حالا بتخليهما عن التصنيع؟ أم هل ستكون فرنسا وألمانيا في موقع أفضل بمحافظتهما على قاعدة صناعية واسعة تمكنهما من الإنتاج والتسويق؟ وهل يكمن المستقبل فعلا في عملية نقل الإنتاج إلى الخارج بما تشمل من قدرات ذهنية عالية، ومن مهارات في مجال الخلق والإبداع واستعمال التكنولوجيا المتطورة ليتم إدماجها في الاقتصاديات الصناعية للدول الأجنبية؟ فالأكيد أنه لن يمضي وقت طويل على الدول التي تقوم حاليا بتصنيع السلع مثل الصين والهند لتمتلك التكنولوجيا المتطورة والقدرات الإبداعية التي تسمح لها بالاعتماد على إمكاناتها الخاصة في الإنتاج· وإذا كانت الدول النامية قادرة بالفعل على امتلاك تلك المهارات، فلماذا تسمح للشركات الكبرى، التي تتخذ من أميركا وأوروبا مقرا لها، باستغلال عمالتها الرخيصة واقتسام أرباح السلع التي ساهمت في إنتاجها معها؟
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا هو ماذا لو خرجت عملية الفوضى عن السيطرة وحادت عن النهاية البناءة التي يفترض أن تؤول إليها؟ وأصبحت الدول التي تقوم فعليا بالإنتاج قادرة على فك ارتباطها بالشركات الأم في دول أميركا وأوروبا؟ لاشك في أن الجواب عن هذا السؤال موجود، لكنني إلى حد الآن لم أستطع العثور عليه·
صحيفة الاتحاد
الذي نظر لفكرة الفوضى البناءة وأخذت معه مكانها المتميز في الفكر الاقتصادي والسياسي حيث باتت تمارس تأثيرا واضحا عليهما، خصوصا لدى بعض الاستراتيجيين في إدارة بوش الذين راحوا يبشرون بفوائد ومميزات نشر تلك الفوضى في منطقة الشرق الأوسط على أمل تغيير معالمها وإعادة رسم خريطتها· لكن ما يهمنا في هذا المقال هو تأثيراتها الاقتصادية البارزة·
وبإلقاء نظرة عابرة على عبارة الفوضى البناءة نجدها تصف لنا بدقة ما تقوم به الصناعات المنتجة والشركات الحديثة من انقضاض على بعضها بعضاً بقسوة منقطعة النظير وتدمير لخصومها في سعيها المحموم وراء تحقيق الأرباح وجريا وراء الفاعلية القصوى في إجراء الأعمال والصفقات· لكنها في الوقت ذاته تقضي على أوجه الضعف والقصور في السوق العالمي وتؤدي إلى تحسين الإنتاج وتحقيق مزيد من الأرباح· ويعني ذلك أن التدمير الذي يطال بعض الشركات يقود في النهاية إلى خلق بيئة ملائمة لإنتاج سلع وخدمات أخرى· وبينما أصبح اليوم مطلب التدمير من أجل الخلق رائجا في عالم الأعمال، كان إلى وقت قريب أمرا مذموما حيث شكلت مسألة المحافظة على الشركات وتعزيزها عنصرا لا غنى عنه لخلق فرص العمل والإسهام في استقرار المجتمع والنظام السياسي· بل كان الطلب على الإنتاج يصل إلى أعلى مستوياته في بعض الظروف الخاصة مثل أوقات الحرب، وهو ما يبرزه الارتفاع المطرد في إنتاج التكنولوجيا المتطورة خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية ووصولها إلى ذروتها إبان الحرب الباردة·
لكن إلى متى ستستمر نظرية الفوضى البناءة في التأثير على الصناعات الحديثة وخلق المزيد من الثروات التي تبدو وكأنها لن تتوقف أبدا؟ قبل الإجابة عن تلك التساؤلات دعونا ننظر إلى الحالة الكارثية التي بلغتها صناعة السيارات الأميركية· ولاشك أن الكثير منا مازال يذكر الفترة الممتدة بين العشرينيات والستينيات من القرن المنصرم، حيث كانت تلك الصناعة في أوج ازدهارها، خاصة مع وجود الشركات الرائدة في هذا المجال مثل ''فورد''، والابتكارات التجارية والإدارية التي استحدثتها شركة جنرال موتورز محولة أميركا إلى أكبر مستهلك للسيارات في العالم· وقد استمر هذا الازدهار إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية حيث انتعشت صناعة السفن والدبابات والأسلحة المختلفة، بالإضافة إلى إنتاج الآلاف من الطائرات الحربية· بعدها شهدت الصناعة الأميركية تحولا باتجاه إنتاج الأدوات المنزلية التي انتشرت لدى كل العائلات الأميركية لتعقبها الأدوات الإلكترونية وصولا إلى ثورة الكمبيوتر الأخيرة·
غير أنه سرعان ما تلت مرحلة الازدهار الصناعي تلك مرحلة أخرى سيطرت عليها نظرية الفوضى البناءة التي كانت تعني ببساطة توقف المصانع الأميركية عن الإنتاج وعن خلق فرص العمل الوفيرة، بالإضافة إلى الكف عن تأمين الرواتب والمعاشات الجيدة· ولئن كانت تلك التحولات مفيدة للعمال في الاقتصاديات الناشئة، حيث يتم تصدير عملية الإنتاج إلى مصانع محلية تقيمها الشركات متعددة الجنسيات، إلا أنها بالمقابل ليست كذلك بالنسبة للعمال الأميركيين حيث يُتوقع من الذين فقدوا وظائفهم أن يطوروا مهاراتهم وينتقلوا إلى وظائف أخرى ذات قيمة إنتاجية وإبداعية أعلى· ويكمن التأثير السلبي للفوضى البناءة على الصناعة الأميركية في أن العمال الذين سيتعين عليهم البحث عن وظائف ذات قيمة إنتاجية عالية، سيضطرون إلى العمل في قطاع الخدمات، وهو ما يعني أنهم إما سيمتهنون وظائف تتطلب قدرات ذهنية عالية، أو سينتهي بهم الأمر يبيعون في محلات ماكدونالدز أو وولمارت مع اضطرار جميع أفراد العائلة للخروج للعمل تأمينا للحد الأدنى من الحياة الكريمة· وبالرغم من أن هذه النهاية معروفة وليست جديدة تماما، إلا أن العديد ممن يناصرون الفوضى البناءة في الاقتصاد لا يكفون عن سرد حسناتها ودورها في توفير حياة رغيدة للجميع·
وليست هذه هي المرة الأولى التي تتم فيها مناقشة تداعيات التخلي عن التصنيع والتوقف عن الإنتاج، كما أنه كثيرا ما تم طرح أسئلة من قبيل هل يحتاج بلد ما إلى قاعدة صناعية؟ وهل ستكون الولايات المتحدة وبريطانيا أحسن حالا بتخليهما عن التصنيع؟ أم هل ستكون فرنسا وألمانيا في موقع أفضل بمحافظتهما على قاعدة صناعية واسعة تمكنهما من الإنتاج والتسويق؟ وهل يكمن المستقبل فعلا في عملية نقل الإنتاج إلى الخارج بما تشمل من قدرات ذهنية عالية، ومن مهارات في مجال الخلق والإبداع واستعمال التكنولوجيا المتطورة ليتم إدماجها في الاقتصاديات الصناعية للدول الأجنبية؟ فالأكيد أنه لن يمضي وقت طويل على الدول التي تقوم حاليا بتصنيع السلع مثل الصين والهند لتمتلك التكنولوجيا المتطورة والقدرات الإبداعية التي تسمح لها بالاعتماد على إمكاناتها الخاصة في الإنتاج· وإذا كانت الدول النامية قادرة بالفعل على امتلاك تلك المهارات، فلماذا تسمح للشركات الكبرى، التي تتخذ من أميركا وأوروبا مقرا لها، باستغلال عمالتها الرخيصة واقتسام أرباح السلع التي ساهمت في إنتاجها معها؟
ويبقى السؤال الأكثر إلحاحا هو ماذا لو خرجت عملية الفوضى عن السيطرة وحادت عن النهاية البناءة التي يفترض أن تؤول إليها؟ وأصبحت الدول التي تقوم فعليا بالإنتاج قادرة على فك ارتباطها بالشركات الأم في دول أميركا وأوروبا؟ لاشك في أن الجواب عن هذا السؤال موجود، لكنني إلى حد الآن لم أستطع العثور عليه·
صحيفة الاتحاد

