12-07-06, 01:03 PM
د. عبدالخالق حسين
Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com
كنا ومازلنا نحمل كل الإحترام لرجل الدين طالما بقي متمسكاً بتعاليم الدين وواجباته الإخلاقية والروحية في توجيه الناس وفق التعاليم الخيرة. أما إذا اختار رجل الدين أن يزج بنفسه في السياسة، فعليه أن يتوقع ما يتعرض له السياسي من محاسبة ومراقبة ونقد من المجتمع على أفعاله وأقواله وقد يصل الأمر به في الدول الديمقراطية إلى الرجم بالبيض الفاسد والدخول في السجون، أما في بلدان العالم الثالث، حيث العنف السياسي، فقد يتعرض إلى أشد من ذلك بكثير وقد يكلفه حياته. وطالما اختار نصرالله أن يكون رجل سياسة والتدخل فيما يعنيه وما لا يعنيه، فعليه أن يتوقع المحاسبة والنقد كما يتعرض لهما أي سياسي آخر.
لا أعرف كثيراً عن السيد حسن نصرلله لأنه ليس ضمن قائمة أولوياتي، ولكني أعرف أنه رجل دين من المذهب الشيعي وزعيم لحزب الله في لبنان. وهذا يكفي ليجعلني أن أتوقع منه، كغيري من الشعب العراقي المظلوم، أن يقف ضد الطغاة وينتصر للمظلومين وذلك لعلمنا بما عاناه شيعة لبنان من الظلم على مختلف العهود. وكذلك أتوقع من نصر الله أن يعرف جيداً أن العراقيين هم ضحايا النظام الصدامي الفاشي الجائر، والعراقيون كانوا يأملون منه أن يقف إلى جانبهم في هذا الوقت العصيب. ولكن، ويا للخيبة، فقد اختار نصرالله، بملء إرادته، أن يخذلهم ويقف إلى جانب جلادهم لإنقاذه من زواله المحتم وخلاص الشعب العراقي من جوره ومحاولته لإنقاذ النظام وهو آيل للسقوط في اللحظات الأخيرة.
إن موقف نصر الله في انتصاره للطاغية وخذلانه للشعب العراقي يذكرنا بسابقة مؤلمة في التاريخ الإسلامي المليء بالدروس والعبر. ففي حرب صفين ولما كان جيش الإمام علي (ع) علي وشك أن يحقق النصر المبين وإلحاق الهزيمة المنكرة بجيش معاوية، لمعت فكرة جهنمية في رأس عمرو بن العاص الذي أشار برفع المصاحف على أسنة الرماح والدعوة إلى التحكيم. ورغم تأكيدات الإمام لأتباعه وتحذيره لهم من أنها خدعة لإجهاض النصر، إلا إنه برز الخوارج في معسكر الإمام بقيادة الأشعث بن قيس وفرضوا على الإمام القبول بالتحكيم وأرسلوا أبا موسى الأشعري للتحكيم مع المخادع عمر بن العاص وكان ما كان في إجهاض النصر الذي كان على قاب قوسين أو أدنى من معسكر الإمام وأحالوا دون هزيمة معسكر بني أمية. ومنذ ذلك الوقت تغيَّر اتجاه التاريخ الإسلامي بمائة وثمانين درجة لصالح الشر.
إن دور عمرو بن العاص يلعبه اليوم السيد نصرالله زعيم حزب الله في لبنان في دعوته إلى المصالحة مع صدام حسين ونظامه البعثي الفاشي، كمحاولة منه لإنقاذه وهو على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. كما برز العشرات ليلعبوا دور الأشعث بن قيس والأشعري من أمثال الكبيسي والربيعي والرفيعي والركابي ومن لف لفهم من المعارضين المزيفين للنظام. فرغم علمنا بأن دور هؤلاء في تغيير مسار الأحداث أقرب إلى الصفر عدا ضجيجهم العالي بحجة الخوف على الشعب العراقي من "القصف النووي" كما يزعمون، فهؤلاء لا يقدمون ولا يؤخرون في الأمر شيئاَ وكما قال الشاعر:
ما زاد حنون في الإسلام خردلة ولا النصارى لهم شغل بحنون
إن نصرالله وغيره من المدمنين على كراهية أمريكا والغرب، يريدون من الشعب العراقي أن يدفع بدمائه الزكية تكاليف هذا الإدمان. لا نريد أن نعدد مظالم النظام الفاسد ومعاناة شعبنا، لأنها باتت معروفة للعالم وليس بإمكان نصرالله أن ينكرها. لذا يكفي أن نسأل هؤلاء: ما الذي سيخسره الشعب العراقي إذا حاول الاستفادة من المستجدات التي حصلت في السياسة الدولية بعد كارثة 11 أيلول/ سبتمبر التي أجبرت أمريكا إلى تغيير سياساتها الخارجية والعمل للقضاء على المنظمات الإرهابية والأنظمة الديكتاتورية التي خلقتها ودعمتها في الماضي وبعد أن انقلب السحر على الساحر اكتشفت أمريكا أنه قد حان الوقت للخلاص منها.
نحن لا يهمنا أن تكون غاية أمريكا في القضاء على النظام خدمة لأغراضها الأمنية في القضاء على ترسانة سلاح الدمار الشامل للنظام، ولكن ما يهمنا هو ما ينتج عن هذه الحرب كتحصيل حاصل وهو خلاص شعبنا من نظام القتلة. فمثلنا كمثل الألمان مع هتلر في الحرب العالمية الثانية. إذ نعرف أن كان غرض الحلفاء في الحرب هو القضاء على النازية وخطرها على السلام العالمي وليس لإنقاذ الشعب الألماني بالدرجة الأولى، ولكن كان الشعب الألماني هو المستفيد الأكبر من النتائج والآن تعتبر ألمانيا من الدول الصناعية والديمقراطية الكبرى. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالشعب العراقي. أما قيام نظام ديمقراطي في العراق بعد سقوط النظام، فهو من مسؤولية الشعب العراقي ومعارضته الوطنية ونحن متفائلون بالمستقبل إلى أبعد الحدود. ونؤكد للناقرين على طبول الحرب "النووية" أن الحرب القادمة ستكون محدودة وقصيرة جداً وسوف يسقط النظام عند سقوط أول قنبلة عليه، وكلما ينتظره شعب العراق وجيشه هو التأكد من أن أمريكا فعلاً جادة لإسقاطه. وستكون القنبلة الأولى هي الإشارة والبيان الأول. وعندها سيهب الشعب العراقي وجيشه لإنجاز الباقي. وسيفاجأ العالم بما أكدناه مراراً وتكراراً أن النظام كان نمراً من ورق، وأن الشعب العراقي سيعبر عن فرحته الكبرى بالخلاص من هذا النظام الهمجي المتخلف وإلى الأبد.
**********************************************************
للمرة الثانية أضطر إلى الكتابة عن السيد حسن نصرالله، زعيم "حزب الله" الذي ابتلى به لبنان الجميل وشعب لبنان المسالم منذ السبعينات من القرن الماضي. فاسم نصر الله واسم حزبه مرتبطان باندلاع نيران الحرب الأهلية التي أحرقت لبنان بعد أن كان يسمى بسويسرا العرب وكان ملجأً للأحرار ولكل السياسيين العرب المغضوب عليهم من قبل حكوماتهم وموطناً لحرية الفكر والنشر والتعبير، إلى أن حل به وباء الأيديولوجيات الشمولية، فأحرقوا لبنان وشردوا الملايين من أهله. ففي المرة الأولى التي كتبت عن حسن نصر الله، كان في شباط 2003، أي قبَيْل سقوط النظام البعثي الفاشي في العراق، عندما اختار هذا الرجل (نصر الله) الوقوف إلى جانب الجلاد صدام حسين، مدافعاً عن نظامه الآيل للسقوط، بدلاً من الدفاع عن الشعب العراقي وحقه في الحياة الكريمة. وكان عنوان المقال (نصر الله يقوم بدور عمر بن العاص). فحسن نصر الله وولي نعمته، علي خامنئي، يلهجون ليل نهار باسم علي بن أبي طالب، ويدَّعون أنهم من شيعته، ولكن في الحقيقة فهم يسيرون على نهج معاوية وعمر بن العاص وفق مبدأ ماكيافيلي (الغاية تبرر الوسيلة) ومهما كانت الوسيلة في تعارض مع الأخلاق وتعاليم دينهم ومذهبهم. فقد دعا حسن نصر الله إلى حرق العراق وذلك استجابة لتعليمات ولي نعمته، مرشد جمهورية الملالي الإسلامية في إيران ونكاية بأمريكا.
أما اليوم فإن حسن نصر الله يدعو إلى إدخال وطنه، لبنان، إلى محرقة حرب أهلية ثانية، لا يعلم أحد كيف تنتهي إلا الله. لماذا؟ لأن برنامجاً تلفزيونياً تهكم عليه!! عجيب أمر هؤلاء. عرفنا قبل أشهر، عندما أقام الإسلاميون الدنيا ولم يقعدوها على أثر الرسوم الكاريكاتيرية التي نشرتها صحيفة دنماركية في سبتمبر من العام الماضي. ولكن حزب الله وأسياده في إيران وسوريا، لم يقوموا آنذاك بالاحتجاج المتحضر، كمظاهرات هادئة وتقديم مذكرات احتجاجية، بل لجأوا إلى حرق سفارتي الدنيمارك والنرويج في دمشق ولبنان وطهران. كما وقامت أشقيائية حسن نصر الله في بيروت بالاعتداء على دور العبادة للمسيحيين اللبنانيين، تماماً كما قام فلول البعث وحلفاؤهم الإرهابيون من أتباع القاعدة وعملاء إيران وسوريا في العراق بالاعتداء على المسيحيين وكنائسهم. هذه هي شيمة المتأسلمين اليوم وتطبيقهم لتعاليم دينهم (لا تزر وازرة وزر أخرى).
والآن وبسبب برنامج تلفزيوني، بثته محطة تلفزيون (أل بي سي) اللبنانية، فيه نوع من التهكم على حسن نصر الله وليس على الرسول، معاذ الله، انقلبت الدنيا ثانية. فقد وضع نصر الله نفسه بمصاف الأنبياء، إذ يعتقد أنه لا يمكن أن يناوله أي نقد. إن هكذا نقد ساخر يتعرض له زعماء الدول الديمقراطية يومياً وعلى مدار الساعة، بل ويرمونهم بالطماطم والبيض الفاسد، ودون أن تحرك فيهم شعرة. هذا هو الفرق بين الزعماء الديمقراطيين الغربيين الناضجين، وزعماء الأحزاب السياسية الإسلاموية التي تحولت إلى عصابات بلطجية في دولنا العربية وظيفتها نشر الرعب والإرهاب بين الناس الآمنين. فالزعماء الغربيون يثقون بأنفسهم وبشعوبهم التي اختارتهم للحكم عبر صناديق الاقتراع، فيعتبرون هذه الانتقادات التهكمية الساخرة ضدهم والتي يقدمها فنانون في برامج تلفزيونية فكاهية كوسيلة للتنفيس عن متاعب العمل والترويح عن الضغوط النفسية لدى مشاهديهم، ودليل على روح التسامح التي يتمتع بها زعماء الغرب "الكفار". ولم نسمع يوماً أن زعيماً غربياً هدد بأخذ إجراءات قضائية ضد أي برنامج أو مصدر إعلامي تهكمي تعرض له، ناهيك عن خروج حزبه في مظاهرات صاخبة ضد أية جهة إعلامية.
والغريب أن نصرالله يحاول أن يظهر نفسه كحمامة سلام، يدعو أتباعه إلى الهدوء والسكينة. فعلى من تعبر هذه اللعبة؟ وهل يعقل أن حزب نصر الله يتمرد على أوامر زعيمه، فيخرج للمظاهرات ويهدد المسيحيين بالويل والثبور خلافاً لأوامر زعيمه؟ إن هذه اللعبة باتت مكشوفة، فمن جهة ووراء الكواليس يأمر نصر الله حزبه بالقيام بالأعمال الغوغائية والتهديد والوعيد، ومن جهة أخرى يظهر في الإعلام يدعو أتباعه إلى الهدوء والسكينة، ليظهر نفسه للعالم أنه داعية للسلام.
ربما كان هناك نوع من العذر في خروج الجماهير في البلاد الإسلامية بمظاهرات ضد الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية لأنها كانت تسخر من رسول الله النبي محمد (ص). ولكن هل وصل حسن نصر الله إلى مستوى الأنبياء والرسل لكي تقوم من أجله المظاهرات الصاخبة وأعمال استفزازية ضد المسيحيين اللبنانيين والتهديد بإشعال حرب أهلية؟ وما ذنب المسيحيين ببرنامج تلفزيوني؟ أليس هذا دليل جبن وبطولات دونكيشوتية يبديها "مجاهدو" اليوم ضد الأبرياء العزل؟ عجيب أمر هؤلاء الزعماء؟ البرنامج قدمته محطة تلفزيونية، فلماذا هذا التهديد ضد أناس أبرياء لا علاقة لهم بالموضوع، لا من قريب ولا من بعيد؟
في حقيقة الأمر، إن هذه العربدة التي أثارها حسن نصر الله وحزبه بسبب برنامج تلفزيوني، لدليل على الشعور بالنقص وعدم تحملهم لأي نقد. فاستغلال المناسبة لإثارة الغوغاء في لبنان ضد المسيحيين، ما هو إلا ذريعة واهية لإبراز عضلات البلطجية والاستقواء بإيران وسوريا والتهديد بحرق لبنان ثانية بعد أن أحرقوه لخمسة عشر عاماً في المرة الأولى.
إن تهديد حزب الله للمسيحيين في لبنان بإشعال حرب أهلية لم يأت من لا شيء، بل هو عمل مكمل لما يجري في العراق وفي غزة والضفة الغربية. إنه متزامن مع الضغوط التي تفرضها أمريكا والوحدة الأوربية على إيران بسبب برنامجها النووي ولتغطية جريمة النظام السوري في اغتيال الشهيد رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني السابق. فأصدرت إيران أوامرها إلى أتباعها من الأحزاب الإسلاموية، ومليشياتها في العراق ولبنان بإثارة المشاكل. فمحافظة البصرة كانت هادئة نسبياً منذ سقوط الفاشية وحتى وقت قريب. ولكن مع بروز الصراع حول امتلاك إيران للتكنولوجية النووية، بدأت المساعي المحمومة من قبل مرتزقة إيران المتمثلة بمليشيات (جيش المهدي) و(فيلق بدر) لتحويل البصرة إلى فلوجة ثانية وإمارة للطالبان الشيعة فيها. والآن اختلق حزب حسن نصر الله مناسبة برنامج تلفزيوني ذريعة للتهديد بإشعال حرب طائفية في لبنان ما هو إلا تكملة لهذه الفوضى التي تسعى إيران وسوريا إشعالها في دول المنطقة.
الحكومة اللبنانية مدعوة اليوم أن لا ترضخ لتهديدات بلطجية حسن نصرالله، ولا تذعن لمطالبهم، لأن أية استجابة لهم يعني تشجيع البلطجية لخلق المزيد من المشاكل. وعلى مسؤول محطة (أل بي سي) عدم تقديم أي اعتذار للسيد حسن نصر الله. فلبنان يجب أن يبقى معقلاً لحرية التعبير والتفكير والنشر، وإلا نقرأ على حرية الصحافة السلام.
Abdulkhaliq.Hussein@btinternet.com
كنا ومازلنا نحمل كل الإحترام لرجل الدين طالما بقي متمسكاً بتعاليم الدين وواجباته الإخلاقية والروحية في توجيه الناس وفق التعاليم الخيرة. أما إذا اختار رجل الدين أن يزج بنفسه في السياسة، فعليه أن يتوقع ما يتعرض له السياسي من محاسبة ومراقبة ونقد من المجتمع على أفعاله وأقواله وقد يصل الأمر به في الدول الديمقراطية إلى الرجم بالبيض الفاسد والدخول في السجون، أما في بلدان العالم الثالث، حيث العنف السياسي، فقد يتعرض إلى أشد من ذلك بكثير وقد يكلفه حياته. وطالما اختار نصرالله أن يكون رجل سياسة والتدخل فيما يعنيه وما لا يعنيه، فعليه أن يتوقع المحاسبة والنقد كما يتعرض لهما أي سياسي آخر.
لا أعرف كثيراً عن السيد حسن نصرلله لأنه ليس ضمن قائمة أولوياتي، ولكني أعرف أنه رجل دين من المذهب الشيعي وزعيم لحزب الله في لبنان. وهذا يكفي ليجعلني أن أتوقع منه، كغيري من الشعب العراقي المظلوم، أن يقف ضد الطغاة وينتصر للمظلومين وذلك لعلمنا بما عاناه شيعة لبنان من الظلم على مختلف العهود. وكذلك أتوقع من نصر الله أن يعرف جيداً أن العراقيين هم ضحايا النظام الصدامي الفاشي الجائر، والعراقيون كانوا يأملون منه أن يقف إلى جانبهم في هذا الوقت العصيب. ولكن، ويا للخيبة، فقد اختار نصرالله، بملء إرادته، أن يخذلهم ويقف إلى جانب جلادهم لإنقاذه من زواله المحتم وخلاص الشعب العراقي من جوره ومحاولته لإنقاذ النظام وهو آيل للسقوط في اللحظات الأخيرة.
إن موقف نصر الله في انتصاره للطاغية وخذلانه للشعب العراقي يذكرنا بسابقة مؤلمة في التاريخ الإسلامي المليء بالدروس والعبر. ففي حرب صفين ولما كان جيش الإمام علي (ع) علي وشك أن يحقق النصر المبين وإلحاق الهزيمة المنكرة بجيش معاوية، لمعت فكرة جهنمية في رأس عمرو بن العاص الذي أشار برفع المصاحف على أسنة الرماح والدعوة إلى التحكيم. ورغم تأكيدات الإمام لأتباعه وتحذيره لهم من أنها خدعة لإجهاض النصر، إلا إنه برز الخوارج في معسكر الإمام بقيادة الأشعث بن قيس وفرضوا على الإمام القبول بالتحكيم وأرسلوا أبا موسى الأشعري للتحكيم مع المخادع عمر بن العاص وكان ما كان في إجهاض النصر الذي كان على قاب قوسين أو أدنى من معسكر الإمام وأحالوا دون هزيمة معسكر بني أمية. ومنذ ذلك الوقت تغيَّر اتجاه التاريخ الإسلامي بمائة وثمانين درجة لصالح الشر.
إن دور عمرو بن العاص يلعبه اليوم السيد نصرالله زعيم حزب الله في لبنان في دعوته إلى المصالحة مع صدام حسين ونظامه البعثي الفاشي، كمحاولة منه لإنقاذه وهو على وشك أن يلفظ أنفاسه الأخيرة. كما برز العشرات ليلعبوا دور الأشعث بن قيس والأشعري من أمثال الكبيسي والربيعي والرفيعي والركابي ومن لف لفهم من المعارضين المزيفين للنظام. فرغم علمنا بأن دور هؤلاء في تغيير مسار الأحداث أقرب إلى الصفر عدا ضجيجهم العالي بحجة الخوف على الشعب العراقي من "القصف النووي" كما يزعمون، فهؤلاء لا يقدمون ولا يؤخرون في الأمر شيئاَ وكما قال الشاعر:
ما زاد حنون في الإسلام خردلة ولا النصارى لهم شغل بحنون
إن نصرالله وغيره من المدمنين على كراهية أمريكا والغرب، يريدون من الشعب العراقي أن يدفع بدمائه الزكية تكاليف هذا الإدمان. لا نريد أن نعدد مظالم النظام الفاسد ومعاناة شعبنا، لأنها باتت معروفة للعالم وليس بإمكان نصرالله أن ينكرها. لذا يكفي أن نسأل هؤلاء: ما الذي سيخسره الشعب العراقي إذا حاول الاستفادة من المستجدات التي حصلت في السياسة الدولية بعد كارثة 11 أيلول/ سبتمبر التي أجبرت أمريكا إلى تغيير سياساتها الخارجية والعمل للقضاء على المنظمات الإرهابية والأنظمة الديكتاتورية التي خلقتها ودعمتها في الماضي وبعد أن انقلب السحر على الساحر اكتشفت أمريكا أنه قد حان الوقت للخلاص منها.
نحن لا يهمنا أن تكون غاية أمريكا في القضاء على النظام خدمة لأغراضها الأمنية في القضاء على ترسانة سلاح الدمار الشامل للنظام، ولكن ما يهمنا هو ما ينتج عن هذه الحرب كتحصيل حاصل وهو خلاص شعبنا من نظام القتلة. فمثلنا كمثل الألمان مع هتلر في الحرب العالمية الثانية. إذ نعرف أن كان غرض الحلفاء في الحرب هو القضاء على النازية وخطرها على السلام العالمي وليس لإنقاذ الشعب الألماني بالدرجة الأولى، ولكن كان الشعب الألماني هو المستفيد الأكبر من النتائج والآن تعتبر ألمانيا من الدول الصناعية والديمقراطية الكبرى. وكذلك الأمر فيما يتعلق بالشعب العراقي. أما قيام نظام ديمقراطي في العراق بعد سقوط النظام، فهو من مسؤولية الشعب العراقي ومعارضته الوطنية ونحن متفائلون بالمستقبل إلى أبعد الحدود. ونؤكد للناقرين على طبول الحرب "النووية" أن الحرب القادمة ستكون محدودة وقصيرة جداً وسوف يسقط النظام عند سقوط أول قنبلة عليه، وكلما ينتظره شعب العراق وجيشه هو التأكد من أن أمريكا فعلاً جادة لإسقاطه. وستكون القنبلة الأولى هي الإشارة والبيان الأول. وعندها سيهب الشعب العراقي وجيشه لإنجاز الباقي. وسيفاجأ العالم بما أكدناه مراراً وتكراراً أن النظام كان نمراً من ورق، وأن الشعب العراقي سيعبر عن فرحته الكبرى بالخلاص من هذا النظام الهمجي المتخلف وإلى الأبد.
**********************************************************
للمرة الثانية أضطر إلى الكتابة عن السيد حسن نصرالله، زعيم "حزب الله" الذي ابتلى به لبنان الجميل وشعب لبنان المسالم منذ السبعينات من القرن الماضي. فاسم نصر الله واسم حزبه مرتبطان باندلاع نيران الحرب الأهلية التي أحرقت لبنان بعد أن كان يسمى بسويسرا العرب وكان ملجأً للأحرار ولكل السياسيين العرب المغضوب عليهم من قبل حكوماتهم وموطناً لحرية الفكر والنشر والتعبير، إلى أن حل به وباء الأيديولوجيات الشمولية، فأحرقوا لبنان وشردوا الملايين من أهله. ففي المرة الأولى التي كتبت عن حسن نصر الله، كان في شباط 2003، أي قبَيْل سقوط النظام البعثي الفاشي في العراق، عندما اختار هذا الرجل (نصر الله) الوقوف إلى جانب الجلاد صدام حسين، مدافعاً عن نظامه الآيل للسقوط، بدلاً من الدفاع عن الشعب العراقي وحقه في الحياة الكريمة. وكان عنوان المقال (نصر الله يقوم بدور عمر بن العاص). فحسن نصر الله وولي نعمته، علي خامنئي، يلهجون ليل نهار باسم علي بن أبي طالب، ويدَّعون أنهم من شيعته، ولكن في الحقيقة فهم يسيرون على نهج معاوية وعمر بن العاص وفق مبدأ ماكيافيلي (الغاية تبرر الوسيلة) ومهما كانت الوسيلة في تعارض مع الأخلاق وتعاليم دينهم ومذهبهم. فقد دعا حسن نصر الله إلى حرق العراق وذلك استجابة لتعليمات ولي نعمته، مرشد جمهورية الملالي الإسلامية في إيران ونكاية بأمريكا.
أما اليوم فإن حسن نصر الله يدعو إلى إدخال وطنه، لبنان، إلى محرقة حرب أهلية ثانية، لا يعلم أحد كيف تنتهي إلا الله. لماذا؟ لأن برنامجاً تلفزيونياً تهكم عليه!! عجيب أمر هؤلاء. عرفنا قبل أشهر، عندما أقام الإسلاميون الدنيا ولم يقعدوها على أثر الرسوم الكاريكاتيرية التي نشرتها صحيفة دنماركية في سبتمبر من العام الماضي. ولكن حزب الله وأسياده في إيران وسوريا، لم يقوموا آنذاك بالاحتجاج المتحضر، كمظاهرات هادئة وتقديم مذكرات احتجاجية، بل لجأوا إلى حرق سفارتي الدنيمارك والنرويج في دمشق ولبنان وطهران. كما وقامت أشقيائية حسن نصر الله في بيروت بالاعتداء على دور العبادة للمسيحيين اللبنانيين، تماماً كما قام فلول البعث وحلفاؤهم الإرهابيون من أتباع القاعدة وعملاء إيران وسوريا في العراق بالاعتداء على المسيحيين وكنائسهم. هذه هي شيمة المتأسلمين اليوم وتطبيقهم لتعاليم دينهم (لا تزر وازرة وزر أخرى).
والآن وبسبب برنامج تلفزيوني، بثته محطة تلفزيون (أل بي سي) اللبنانية، فيه نوع من التهكم على حسن نصر الله وليس على الرسول، معاذ الله، انقلبت الدنيا ثانية. فقد وضع نصر الله نفسه بمصاف الأنبياء، إذ يعتقد أنه لا يمكن أن يناوله أي نقد. إن هكذا نقد ساخر يتعرض له زعماء الدول الديمقراطية يومياً وعلى مدار الساعة، بل ويرمونهم بالطماطم والبيض الفاسد، ودون أن تحرك فيهم شعرة. هذا هو الفرق بين الزعماء الديمقراطيين الغربيين الناضجين، وزعماء الأحزاب السياسية الإسلاموية التي تحولت إلى عصابات بلطجية في دولنا العربية وظيفتها نشر الرعب والإرهاب بين الناس الآمنين. فالزعماء الغربيون يثقون بأنفسهم وبشعوبهم التي اختارتهم للحكم عبر صناديق الاقتراع، فيعتبرون هذه الانتقادات التهكمية الساخرة ضدهم والتي يقدمها فنانون في برامج تلفزيونية فكاهية كوسيلة للتنفيس عن متاعب العمل والترويح عن الضغوط النفسية لدى مشاهديهم، ودليل على روح التسامح التي يتمتع بها زعماء الغرب "الكفار". ولم نسمع يوماً أن زعيماً غربياً هدد بأخذ إجراءات قضائية ضد أي برنامج أو مصدر إعلامي تهكمي تعرض له، ناهيك عن خروج حزبه في مظاهرات صاخبة ضد أية جهة إعلامية.
والغريب أن نصرالله يحاول أن يظهر نفسه كحمامة سلام، يدعو أتباعه إلى الهدوء والسكينة. فعلى من تعبر هذه اللعبة؟ وهل يعقل أن حزب نصر الله يتمرد على أوامر زعيمه، فيخرج للمظاهرات ويهدد المسيحيين بالويل والثبور خلافاً لأوامر زعيمه؟ إن هذه اللعبة باتت مكشوفة، فمن جهة ووراء الكواليس يأمر نصر الله حزبه بالقيام بالأعمال الغوغائية والتهديد والوعيد، ومن جهة أخرى يظهر في الإعلام يدعو أتباعه إلى الهدوء والسكينة، ليظهر نفسه للعالم أنه داعية للسلام.
ربما كان هناك نوع من العذر في خروج الجماهير في البلاد الإسلامية بمظاهرات ضد الرسوم الكاريكاتيرية الدنماركية لأنها كانت تسخر من رسول الله النبي محمد (ص). ولكن هل وصل حسن نصر الله إلى مستوى الأنبياء والرسل لكي تقوم من أجله المظاهرات الصاخبة وأعمال استفزازية ضد المسيحيين اللبنانيين والتهديد بإشعال حرب أهلية؟ وما ذنب المسيحيين ببرنامج تلفزيوني؟ أليس هذا دليل جبن وبطولات دونكيشوتية يبديها "مجاهدو" اليوم ضد الأبرياء العزل؟ عجيب أمر هؤلاء الزعماء؟ البرنامج قدمته محطة تلفزيونية، فلماذا هذا التهديد ضد أناس أبرياء لا علاقة لهم بالموضوع، لا من قريب ولا من بعيد؟
في حقيقة الأمر، إن هذه العربدة التي أثارها حسن نصر الله وحزبه بسبب برنامج تلفزيوني، لدليل على الشعور بالنقص وعدم تحملهم لأي نقد. فاستغلال المناسبة لإثارة الغوغاء في لبنان ضد المسيحيين، ما هو إلا ذريعة واهية لإبراز عضلات البلطجية والاستقواء بإيران وسوريا والتهديد بحرق لبنان ثانية بعد أن أحرقوه لخمسة عشر عاماً في المرة الأولى.
إن تهديد حزب الله للمسيحيين في لبنان بإشعال حرب أهلية لم يأت من لا شيء، بل هو عمل مكمل لما يجري في العراق وفي غزة والضفة الغربية. إنه متزامن مع الضغوط التي تفرضها أمريكا والوحدة الأوربية على إيران بسبب برنامجها النووي ولتغطية جريمة النظام السوري في اغتيال الشهيد رفيق الحريري، رئيس الوزراء اللبناني السابق. فأصدرت إيران أوامرها إلى أتباعها من الأحزاب الإسلاموية، ومليشياتها في العراق ولبنان بإثارة المشاكل. فمحافظة البصرة كانت هادئة نسبياً منذ سقوط الفاشية وحتى وقت قريب. ولكن مع بروز الصراع حول امتلاك إيران للتكنولوجية النووية، بدأت المساعي المحمومة من قبل مرتزقة إيران المتمثلة بمليشيات (جيش المهدي) و(فيلق بدر) لتحويل البصرة إلى فلوجة ثانية وإمارة للطالبان الشيعة فيها. والآن اختلق حزب حسن نصر الله مناسبة برنامج تلفزيوني ذريعة للتهديد بإشعال حرب طائفية في لبنان ما هو إلا تكملة لهذه الفوضى التي تسعى إيران وسوريا إشعالها في دول المنطقة.
الحكومة اللبنانية مدعوة اليوم أن لا ترضخ لتهديدات بلطجية حسن نصرالله، ولا تذعن لمطالبهم، لأن أية استجابة لهم يعني تشجيع البلطجية لخلق المزيد من المشاكل. وعلى مسؤول محطة (أل بي سي) عدم تقديم أي اعتذار للسيد حسن نصر الله. فلبنان يجب أن يبقى معقلاً لحرية التعبير والتفكير والنشر، وإلا نقرأ على حرية الصحافة السلام.
