13-04-05, 07:55 AM
المثقَّف والغوغاء
أسامة عجاج المهتار:
لم تأتني ردود على أيِّ مقال كتبته منذ سنة 1997 بمقدار ما وردني على مقالي الأخير "فرز الألوان، فرز الدماء". لقد أصاب مقال السيد جورج ناصيف على ما يبدو وترًا حساسًا لدى العديد من القراء في مختلف أنحاء العالم، وكذلك الرد. جميع التعليقات التي وردت قرَّظت المقال باستثناء اثنين. سأتوقَّف عند واحد منهما جاء من صديقة لي أحترم رأيها كثيرًا. قالت ما ترجمته:
"أنَّني أعرف جورج ناصيف وأعتقد أنَّك كنت قاسيًا جدًّا عليه، لأنَّني أعتقد أنَّ هذا ليس ما قصده! كما أعتقد أنَّك تخلط بين الأمور. نعم للتاريخ ولسورية ولبنان، ولكن لا للسلطات القمعيَّة ولا للعنصريَّة. إنَّني أعتقد أن جورج ناصيف ليس عنصريًّا وإن كنت لم أقرأ كلَّ مقاله. وأعتقد أن ليس لديه مأخذ ضدَّ السوريِّين، ولكن ضدَّ النظام السوري وأولئك الذين أساؤا استعمال السلطة في لبنان. في جميع الأحوال، هذا هو رأيي وآمل ألا أكون مخطئة."
جوابي الفوري كان: "لقد أخذتُ رأي السيِّد جورج ناصيف إلى نهايته المنطقيَّة المعقولة. لو أنَّه اكتفى بعناصر المخابرات، أو لو انه لجأ للقضاء لمحاكمة المسيئين لما كان لي مأخذ كبيرعليه. أمَّا وأنَّه قد تعرَّض للفنَّانين والأدباء والشعراء والمفكِّرين وعمداء الكليَّات والمدرِّسين، ودعا إلى قلعهم وشحنهم فقد تغيَّر الأمر."
سأحاول في هذا المقال الإضاءة على ما أعنيه بـ "النهاية المنطقيَّة".
في خطبة "مارك أنطوني" التاريخيَّة في مسرحيَّة "يوليوس قيصر"، لا يدعو أنطوني الغوغاء إلى الانقضاض على "بروتوس"، وسواه من المتآمرين. على العكس، إنَّه لا ينفكُّ يصفهم بالشرفاء. ولكن في نهاية الخطبة نجد الغوغاء تنطلق هائجة وراء قتلة قيصر طالبة الانتقام. يُجمع الباحثون على أنَّ خطاب بروتوس الذي سبق خطاب أنطوني والذي خاطب فيه الحشد نفسه، كان "أكثر عقلانيَّة" من خطاب أنطوني. ولكن أنطوني خاطب عواطف الغوغاء وليس عقلها. في رأينا أنَّ السيِّد جورج ناصيف فعل الشئ نفسه.
لم تسمع الغوغاء التي كسَّرت سيَّارات النقل السوريَّة واعتدت على العمَّال السوريِّين بالضرب أو بالقتل شجب السيِّد وليد جنبلاط للعنصريَّة. ولكنها سمعته أكثر من مرَّة يتَّهم السوريِّين بقتل الحريري. ولم تسمع الغوغاء تحديد من يقصد السيِّد ناصيف بكلمة "المخابرات". لقد سمعت الغوغاء منه كلمة سوريِّين معطوفة على كلمة "شاحنات" معطوفة على كلمة "عملاء" معطوفة على كلمة "اغتيال الحريري." هذا كلُّ ما تحتاجه الغوغاء.
والغوغاء، متى أفلت عقالها لا تفرِّق بين شاعر مبوق لنظام وبين مثقَّف يدرس أو يدِّرس الحضارة السوريَّة، فلا يراها سوى حضارة واحدة تشمل بلاد الشام بما فيها لبنان. إنَّها لا تفرِّق بين من وقَّع على اتفاقيَّة اقتصاديَّة ربَّما تكون مجحفة بحقِّ طرف أو آخر، وبين مَن يدعو لتكامل اقتصادي لأنَّه أساس الحياة لكلٍّ من لبنان والشام.
الغوغاء هشيم ناشف يلتهب متى ألقيت عليه عود ثقاب. السيِّد جورج ناصيف ومثله السيِّد وليد جنبلاط، وغيرهما، كانوا يرمون مشاعل ملتهبة على هشيم مبلَّل ببنزين الحقد المتراكم نتيجة أخطاء الإدارة السوريَّة في لبنان، ونتيجة حقد متجذِّر لبعض العنصريّين اللبنانيِّين. النهاية المنطقيَّة لمِن يرمي عيدان الثقاب في كوم الهشيم هي النار. والنتيجة المنطقيَّة لكلام السيِّد ناصيف هو ما وصفناه في مقالنا الماضي.
ربَّما نجد العذر لطفل يشعل حريقًا عن غير قصد. ولكنَّنا لا نجد عذرًا لمثقَّف يؤجِّج مشاعر الغوغاء.
أسامة عجاج المهتار:
لم تأتني ردود على أيِّ مقال كتبته منذ سنة 1997 بمقدار ما وردني على مقالي الأخير "فرز الألوان، فرز الدماء". لقد أصاب مقال السيد جورج ناصيف على ما يبدو وترًا حساسًا لدى العديد من القراء في مختلف أنحاء العالم، وكذلك الرد. جميع التعليقات التي وردت قرَّظت المقال باستثناء اثنين. سأتوقَّف عند واحد منهما جاء من صديقة لي أحترم رأيها كثيرًا. قالت ما ترجمته:
"أنَّني أعرف جورج ناصيف وأعتقد أنَّك كنت قاسيًا جدًّا عليه، لأنَّني أعتقد أنَّ هذا ليس ما قصده! كما أعتقد أنَّك تخلط بين الأمور. نعم للتاريخ ولسورية ولبنان، ولكن لا للسلطات القمعيَّة ولا للعنصريَّة. إنَّني أعتقد أن جورج ناصيف ليس عنصريًّا وإن كنت لم أقرأ كلَّ مقاله. وأعتقد أن ليس لديه مأخذ ضدَّ السوريِّين، ولكن ضدَّ النظام السوري وأولئك الذين أساؤا استعمال السلطة في لبنان. في جميع الأحوال، هذا هو رأيي وآمل ألا أكون مخطئة."
جوابي الفوري كان: "لقد أخذتُ رأي السيِّد جورج ناصيف إلى نهايته المنطقيَّة المعقولة. لو أنَّه اكتفى بعناصر المخابرات، أو لو انه لجأ للقضاء لمحاكمة المسيئين لما كان لي مأخذ كبيرعليه. أمَّا وأنَّه قد تعرَّض للفنَّانين والأدباء والشعراء والمفكِّرين وعمداء الكليَّات والمدرِّسين، ودعا إلى قلعهم وشحنهم فقد تغيَّر الأمر."
سأحاول في هذا المقال الإضاءة على ما أعنيه بـ "النهاية المنطقيَّة".
في خطبة "مارك أنطوني" التاريخيَّة في مسرحيَّة "يوليوس قيصر"، لا يدعو أنطوني الغوغاء إلى الانقضاض على "بروتوس"، وسواه من المتآمرين. على العكس، إنَّه لا ينفكُّ يصفهم بالشرفاء. ولكن في نهاية الخطبة نجد الغوغاء تنطلق هائجة وراء قتلة قيصر طالبة الانتقام. يُجمع الباحثون على أنَّ خطاب بروتوس الذي سبق خطاب أنطوني والذي خاطب فيه الحشد نفسه، كان "أكثر عقلانيَّة" من خطاب أنطوني. ولكن أنطوني خاطب عواطف الغوغاء وليس عقلها. في رأينا أنَّ السيِّد جورج ناصيف فعل الشئ نفسه.
لم تسمع الغوغاء التي كسَّرت سيَّارات النقل السوريَّة واعتدت على العمَّال السوريِّين بالضرب أو بالقتل شجب السيِّد وليد جنبلاط للعنصريَّة. ولكنها سمعته أكثر من مرَّة يتَّهم السوريِّين بقتل الحريري. ولم تسمع الغوغاء تحديد من يقصد السيِّد ناصيف بكلمة "المخابرات". لقد سمعت الغوغاء منه كلمة سوريِّين معطوفة على كلمة "شاحنات" معطوفة على كلمة "عملاء" معطوفة على كلمة "اغتيال الحريري." هذا كلُّ ما تحتاجه الغوغاء.
والغوغاء، متى أفلت عقالها لا تفرِّق بين شاعر مبوق لنظام وبين مثقَّف يدرس أو يدِّرس الحضارة السوريَّة، فلا يراها سوى حضارة واحدة تشمل بلاد الشام بما فيها لبنان. إنَّها لا تفرِّق بين من وقَّع على اتفاقيَّة اقتصاديَّة ربَّما تكون مجحفة بحقِّ طرف أو آخر، وبين مَن يدعو لتكامل اقتصادي لأنَّه أساس الحياة لكلٍّ من لبنان والشام.
الغوغاء هشيم ناشف يلتهب متى ألقيت عليه عود ثقاب. السيِّد جورج ناصيف ومثله السيِّد وليد جنبلاط، وغيرهما، كانوا يرمون مشاعل ملتهبة على هشيم مبلَّل ببنزين الحقد المتراكم نتيجة أخطاء الإدارة السوريَّة في لبنان، ونتيجة حقد متجذِّر لبعض العنصريّين اللبنانيِّين. النهاية المنطقيَّة لمِن يرمي عيدان الثقاب في كوم الهشيم هي النار. والنتيجة المنطقيَّة لكلام السيِّد ناصيف هو ما وصفناه في مقالنا الماضي.
ربَّما نجد العذر لطفل يشعل حريقًا عن غير قصد. ولكنَّنا لا نجد عذرًا لمثقَّف يؤجِّج مشاعر الغوغاء.
