17-12-09, 11:54 PM
[COLOR="Purple"][SIZE="4"]
كان الوقت فجرا عندما وقف على شرفة منزله يتأمل , وبعد دقائق معدودات نادى زوجته بصوت عال حيث كانت تحضر القهوة الصباحية , كما اعتادا منذ زمن طويل أتته مسرعة لظن منها أنه بحاجة لشيء ما ولكن فاجأها قوله :
-انظري كم جميلة تلك المدن وهي مزدانة بالقصور والبيوت الأنيقة أليست الحياة جميلة ؟!
ردت بارتباك ظاهر : نعم إنها جميلة ولم تستطع ان تضف كلمة واحدة , حيث حزنا عميقا ملأ قلبها دون ان تدري السبب
شربا قهوة الصبح وتبادلا أطراف الحديث فكانت أثناء كل رشفة تنظر عبر عينيه وتلاحقهما بانتباه شديد علّها تعرف وتدرك أين ينظر وبما يفكر بينما هو لم يرمقها بنظرة واحدة , إنما كان يجول ببصره عبر الأفق البعيد , يتأمل كل جهة من الجهات المحيطة به وكأنه يبحث عن شيء ما أو يناشد ضالة مفقودة تناول آخر رشفتين من قهوته مسرعا جدا وحمل مفاتيحه واتجه مسرعا كمن يهرب من خطر ما نحو الباب مودعا دون أن يسأل كالعادة ما طلبات البيت وما احتياجات الأسرة لهذا اليوم .
دار في زهن الزوجة ما تبادلاه من حديث في الصباح , فكانت مشاعرها فرحة تتراوح بين السرور حينا لأن زوجها حدثها صباحا عن نيته بإقامة فرح لآخر أولاده , ورغبته برؤيته رجلا كاملا وانه يود الاطمئنان عن كل العائلة وناقشها بما يلزم من أمور و تحضيرات وتعود لتختلط المشاعر بريبة وشك حول سبب قلق زوجها الذي لاحظته اليوم ورأته بكل نظرة من نظرات عينيه .فهل هو في ضائقة مادية يا ترى؟! هل هناك مشاكل عمل ؟ أم فعلا يريد الاطمئنان على آخر أفراد العائلة وأخذ استراحة حقيقة بعد زمن من الجهد والتعب ؟ مال الذي أيقظه هذا الصباح قبل الفجر بقليل ؟ ولما كان على هذه الحالة من الضجر ؟
أسئلة وأسئلة تزاحمت في فكرها منغصة عليها تكملة أعمالها بنشاط كما تفعل كل يوم, استقبلت عدّة اتصالات روتينية , حيث الجارات يطمئنن عنها ويدعونها لصبحيه عند إحداهن كما اعتدن ان يفعلنّ ببعض الصباحيات لكنها اعتذرت متذرعة بأعمال البيت الكثيرة
وفي الحقيقة كان فكرها شاردا في مكان آخر لا تعرف أين هو ولا ما يجري فيه
انتظرت كثيرا حتى يأتيها اتصال من أحد أبنائها أو حتى من زوجها ولكن لم يرد أي خبر من أحد وهي المعتادة على سماع أصواتهم جميعا صباحا من حين لآخر يطمأنون عنها ويسألون عن مشاريع اليوم و تحركاته فما كان إلا ان بادرت بالاتصال إلى عمل زوجها وكانت قد قاربت الواحدة ظهرا و ولكن أتاها الرد من زميل عمله بأنه لم يحضر اليوم , قفز قلبها مرتعبا وارتعدت روحها فأسرعت بطلب أكبر أولادها عله يعرف سبب غياب الوالد
وكان الرد على غير المتوقع :
- أماه نحن جميعا في المشفى أبي بحالة خطرة
لم تدر كيف ذهبت ولا كيف وصلت ولم تعد تذكر إن أوصدت الأبواب وراءها أم لم تفعل , بعد أن أوصد رد ابنها كل أبواب الدنيا بوجهها وجعل صباح ذاك النهار ليلا حزينا ,كل ما علمته أنها وصلت المشفى بشعر مشعث وثياب منزلية بالية ووجه يعلوه شحوب ملفت وعينين غائبتين في عالم الأفكار تحملان آلاف إشارات الاستفهام السيئة والمزعجة
وقفت أمام أولادها الأربعة وكل منهم يسند حائطا أو بابا في بهو المشفى سألت دون أن تسأل.... وجاءها الجواب دون ان يجيبوا , فدموعهم كانت أوضح إجابة عن كل ما تريد معرفته والاستفسار عنه ,أشاحت بوجهها بعيدا وهي تصرخ منتحبة :لا يا ربي غير معقول .. خرج والدكم على رجليه سليما معافى والآن سيعود محمولا بالأكفان إلى منزله ؟
أسرعوا إليها ... تجمعوا حولها ...احتضنوها جميعا وهم يرددون عبارة : لك طول العمر يا أمي سيبقى ذكره في عقولنا وحبه في قلوبنا
لكن أسئلتها سبقت كل أجوبتهم وتعازيهم: كيف ؟ متى ؟ وأين ؟ هل علمتم شيئا عن ظروف وفاته؟
- منذ الصباح الباكر هوى بسيارته عن الجسر المؤدي إلى عمله بسيارته وكان الحادث مروعا
• كيف ؟ أكان مسرعا؟
- لا يا أمي كان الطريق خاليا وكانت سرعته معقولة لكن كل من رآه قال انه كان شارد الذهن مشتت النظرات والتفكير
تذكرت حينها ما قاله الأب صباحا حين وقف على الشرفة وحليت الدنيا بعينيه , عرفت سبب اضطراب قلبها بعد حديثهما وقلقها طيلة النهار
نعم إنه الموت أيقظه باكرا ليجعله يرى كل شيء جميلأ في الكون قبل ان يفارقه وليحثه على الاستعجال بمشاريعه وخطواته , كان يجيل بصره في الأفق بارتباك واضطراب ظاهر ولكن عن ماذا كان يبحث ؟؟؟
هل رأى الموت فعلا مقتربا منه فكان يبحث عن طيفه الذي أخذ يخادعه بالأختباءهنا حينا وهناك أحيانا فكان يروح ويجيء بنظره كالتائه دون نتيجة ها هو قد ألقى القبض عليه ووضعه سجين القبر طيلة الدهر
انهارت قواها عندما رأته في نعشه مغمض العينين شاحب اللون فاقد الحياة , ولكن جمعت تفكيرها لتدرك أن الإنسان لا يموت مرة واحدة عندما ينقطع تنفسه و يجمد نبضه وتسكن حركته بل يموت مرات كثيرة عندما يشعر ان ذاك الملاك الأسود مقترب منه لا محالة وشريك ليلته فتكون الميتة عندئذ ألف ميتة وما أصعبه من شعور
مرّ شريط حياتهما أمام عينيها كحلم سريع بتفاصيله , فانهمرت منهما الدموع الغزيرة لتدرك بوداعه ان الأيام القادمة ستكون مرة ومالحة , فالوحدة قاتلة , وبموت الشريك تختل الحياة كما الطائر عندما يفقد أحد جناحيه .
بقلم : مي ناجح خلوف
[/SIZE][/COLOR]
-انظري كم جميلة تلك المدن وهي مزدانة بالقصور والبيوت الأنيقة أليست الحياة جميلة ؟!
ردت بارتباك ظاهر : نعم إنها جميلة ولم تستطع ان تضف كلمة واحدة , حيث حزنا عميقا ملأ قلبها دون ان تدري السبب
شربا قهوة الصبح وتبادلا أطراف الحديث فكانت أثناء كل رشفة تنظر عبر عينيه وتلاحقهما بانتباه شديد علّها تعرف وتدرك أين ينظر وبما يفكر بينما هو لم يرمقها بنظرة واحدة , إنما كان يجول ببصره عبر الأفق البعيد , يتأمل كل جهة من الجهات المحيطة به وكأنه يبحث عن شيء ما أو يناشد ضالة مفقودة تناول آخر رشفتين من قهوته مسرعا جدا وحمل مفاتيحه واتجه مسرعا كمن يهرب من خطر ما نحو الباب مودعا دون أن يسأل كالعادة ما طلبات البيت وما احتياجات الأسرة لهذا اليوم .
دار في زهن الزوجة ما تبادلاه من حديث في الصباح , فكانت مشاعرها فرحة تتراوح بين السرور حينا لأن زوجها حدثها صباحا عن نيته بإقامة فرح لآخر أولاده , ورغبته برؤيته رجلا كاملا وانه يود الاطمئنان عن كل العائلة وناقشها بما يلزم من أمور و تحضيرات وتعود لتختلط المشاعر بريبة وشك حول سبب قلق زوجها الذي لاحظته اليوم ورأته بكل نظرة من نظرات عينيه .فهل هو في ضائقة مادية يا ترى؟! هل هناك مشاكل عمل ؟ أم فعلا يريد الاطمئنان على آخر أفراد العائلة وأخذ استراحة حقيقة بعد زمن من الجهد والتعب ؟ مال الذي أيقظه هذا الصباح قبل الفجر بقليل ؟ ولما كان على هذه الحالة من الضجر ؟
أسئلة وأسئلة تزاحمت في فكرها منغصة عليها تكملة أعمالها بنشاط كما تفعل كل يوم, استقبلت عدّة اتصالات روتينية , حيث الجارات يطمئنن عنها ويدعونها لصبحيه عند إحداهن كما اعتدن ان يفعلنّ ببعض الصباحيات لكنها اعتذرت متذرعة بأعمال البيت الكثيرة
وفي الحقيقة كان فكرها شاردا في مكان آخر لا تعرف أين هو ولا ما يجري فيه
انتظرت كثيرا حتى يأتيها اتصال من أحد أبنائها أو حتى من زوجها ولكن لم يرد أي خبر من أحد وهي المعتادة على سماع أصواتهم جميعا صباحا من حين لآخر يطمأنون عنها ويسألون عن مشاريع اليوم و تحركاته فما كان إلا ان بادرت بالاتصال إلى عمل زوجها وكانت قد قاربت الواحدة ظهرا و ولكن أتاها الرد من زميل عمله بأنه لم يحضر اليوم , قفز قلبها مرتعبا وارتعدت روحها فأسرعت بطلب أكبر أولادها عله يعرف سبب غياب الوالد
وكان الرد على غير المتوقع :
- أماه نحن جميعا في المشفى أبي بحالة خطرة
لم تدر كيف ذهبت ولا كيف وصلت ولم تعد تذكر إن أوصدت الأبواب وراءها أم لم تفعل , بعد أن أوصد رد ابنها كل أبواب الدنيا بوجهها وجعل صباح ذاك النهار ليلا حزينا ,كل ما علمته أنها وصلت المشفى بشعر مشعث وثياب منزلية بالية ووجه يعلوه شحوب ملفت وعينين غائبتين في عالم الأفكار تحملان آلاف إشارات الاستفهام السيئة والمزعجة
وقفت أمام أولادها الأربعة وكل منهم يسند حائطا أو بابا في بهو المشفى سألت دون أن تسأل.... وجاءها الجواب دون ان يجيبوا , فدموعهم كانت أوضح إجابة عن كل ما تريد معرفته والاستفسار عنه ,أشاحت بوجهها بعيدا وهي تصرخ منتحبة :لا يا ربي غير معقول .. خرج والدكم على رجليه سليما معافى والآن سيعود محمولا بالأكفان إلى منزله ؟
أسرعوا إليها ... تجمعوا حولها ...احتضنوها جميعا وهم يرددون عبارة : لك طول العمر يا أمي سيبقى ذكره في عقولنا وحبه في قلوبنا
لكن أسئلتها سبقت كل أجوبتهم وتعازيهم: كيف ؟ متى ؟ وأين ؟ هل علمتم شيئا عن ظروف وفاته؟
- منذ الصباح الباكر هوى بسيارته عن الجسر المؤدي إلى عمله بسيارته وكان الحادث مروعا
• كيف ؟ أكان مسرعا؟
- لا يا أمي كان الطريق خاليا وكانت سرعته معقولة لكن كل من رآه قال انه كان شارد الذهن مشتت النظرات والتفكير
تذكرت حينها ما قاله الأب صباحا حين وقف على الشرفة وحليت الدنيا بعينيه , عرفت سبب اضطراب قلبها بعد حديثهما وقلقها طيلة النهار
نعم إنه الموت أيقظه باكرا ليجعله يرى كل شيء جميلأ في الكون قبل ان يفارقه وليحثه على الاستعجال بمشاريعه وخطواته , كان يجيل بصره في الأفق بارتباك واضطراب ظاهر ولكن عن ماذا كان يبحث ؟؟؟
هل رأى الموت فعلا مقتربا منه فكان يبحث عن طيفه الذي أخذ يخادعه بالأختباءهنا حينا وهناك أحيانا فكان يروح ويجيء بنظره كالتائه دون نتيجة ها هو قد ألقى القبض عليه ووضعه سجين القبر طيلة الدهر
انهارت قواها عندما رأته في نعشه مغمض العينين شاحب اللون فاقد الحياة , ولكن جمعت تفكيرها لتدرك أن الإنسان لا يموت مرة واحدة عندما ينقطع تنفسه و يجمد نبضه وتسكن حركته بل يموت مرات كثيرة عندما يشعر ان ذاك الملاك الأسود مقترب منه لا محالة وشريك ليلته فتكون الميتة عندئذ ألف ميتة وما أصعبه من شعور
مرّ شريط حياتهما أمام عينيها كحلم سريع بتفاصيله , فانهمرت منهما الدموع الغزيرة لتدرك بوداعه ان الأيام القادمة ستكون مرة ومالحة , فالوحدة قاتلة , وبموت الشريك تختل الحياة كما الطائر عندما يفقد أحد جناحيه .
بقلم : مي ناجح خلوف
