08-12-08, 02:36 PM
[size="6"][color="navy"][color="red"][size="7"]القصيدة العربية[/size][/color]
[color="purple"]( محاضرة القيت في حفل اقيم تكريما للشاعر الكبير محمود درويش في براغ )[/color]
كانت القصيدة العربية مثقلة بهمومها ...
بلباسها ...
مثقلة بغبارها ..
بأحمالها ..
مثقلة بدرر كادت تخنق أنفاسها ...
وفي مرحلة الانحطاط بدأت الحلي ... التي تكبل جسدها .. تُدخِلها في نفق من غبار .. حتى أصبح همها هو:
أن تتنفس ... لا أن تفعل..
أن تعيش .. لا أن تخلق عيشها
أن تتخلص من غبارها ... لا أن تقود الكلمة إلى دفتر الفعل وثورة المعرفة.
[color="red"]***[/color]
بعد ذلك .. لفحتها نسمات عليلة ...
يقال لها عليلة ...
لفحتها مذاهب شتى..
أجبرتها على أن تخلع غبارها..
ولكن هذه النسمات العاتية زادت من قلقها،
إلا أنها بالرغم من كل ذلك بقيت تحن إلى ....
( لو أن الفتى حجر).
[color="red"]***[/color]
الهجرة: لقاء مع المجهول، وليست بحثا عن المجهول
هي محاولة للتنفس ..
محاولة للخروج من بئر النفس،
محاولة لتشكيل أفق خاص ،
لخلق ذاتٍ متجددة ...
هي محاولة ٌلإشعال النار في الأفق الخاص ... الذي هو أنت ..
هكذا فعلت قصيدة المهجر..
انفتحت على الماء والهواء والجمر
انفتحت على قلق الريح
عانقت ما شاءت من المذاهب.
خلقت ما شاءت من المفردات..
ولكنها عندما عادت لم تجد نفسها غريبة في وطنها .. بالرغم من كل ذلك.
حملها جبران ..
وميخائيل نعيمة ...
وغيرهم .... وغيرهم
حملوها إلى تربتها
زرعوها هناك ..
هناك ...
في دارة جلجل.
[color="red"]***[/color]
وبدأت تلك القصيدة التي خرجت قبل أكثر من ألف عام من نفس الدارة ( دارة جلجل ) بدأت ترتدي حليّها الجديدة، لكنها ما لبثت غرقت في الرمل الذي كاد يخنقها من جديد....
فحملها المبدعون إلى أول جدول ماء وجدوه لتستحم.
وبدأت هذه الحسناء تزيح الزبد عن نفسها ( على حد تعبير الشاعر الكبير / الجواهري ) وبدأت تتخلص من أعبائها ...
وحملها [color="purple"]بدر شاكر السياب ....
وبلند الحيدري ...
ونزار قباني ...
وأدونيس ...[/color]
وغيرهم ... وغيرهم كثر ..
حملوها مجددا إلى ( دارة جلجل ) ...
ولكنهم - هذه المرة - حرسوها من الملك الضِّليل
... الأشعث الأغبر ...
الذي يقضي يومه خمرا وغده أمرا.
[color="red"]***[/color]
وعندما خرجت .. وجدت الطبيعة بانتظارها..
وجدت الريح تداعب شعرها ...
والشمس تعانق نهديها الجميلين ..
وذهبت إلى أول مرآة رأتها ..
ونظرت ...
نظرت في المرآة وكأنها ترى نفسها للمرة الأولى فيها ..
أدهشها الجمال الذي رأته ..
لم تكن قبل ذلك ترى إلا الحلّي والأساور والذهب والفضة ..
أما اليوم فهي تتحسس جسدها المتخم بالجمال ...
المكتنز... الغني بما لذ وطاب.
وعندها عرفت هذه الحسناء أن الحياة بدونها ...
الحياة بدون القصيدة ...
لا يمكن أن تكون ...
ولكنها إلى اليوم ...... لا تعرف لماذا؟
[color="red"]***[/color]
الموهبة : قلق ما بعده قلق..
همّ لا يعادله همّ ...
هي وهمٌ يتنازعه الجنون العذب.
الموهبة: تأتي ولا تعرف طريق الرجعة.
دربها وعر .. وشيق وشاق.
الموهبة: ضيف ثقيل ..
يثقل عليك حياتك
يدخلك في مآسي لا يعلمها إلا الله.
تدوخك ولا تدوخ ..
تنام أنت وتسهر لتقلق عليك نومك.
وتنغص عليك عيشتك.
واختارت هذه الجنية المعذبة شاعرنا محمود درويش لتتلبسه.
[color="red"]***[/color]
حسناء خارجة من دارة جلجل ..
رأت نفسها في المرآة.
عرفت أنها أهم وردة في الحديقة ...
ولكنها !!!!!
كسرت المرآة ...
نعم كسرتها ... عندما رأت محمود قادما ..
دخلت فيه ودخل فيها ..
أدخلته السجن وهي تحبه ..
فأحبها أكثر ..
وبدأت حياتهما معا..
فتح شاعرنا محمود درويش عينيه ليسمع ...
[color="purple"]نديم محمد [/color]يحذره ويقول:
[color="purple"]مزقي الليل عن جراحي .. وهزي الجرح .. تنبع دماء الضياء
مربع الحسن والنبوة .. والحق ... وخمر العلا .. دم الشهداء
يسجد الزهو حين تحفر في الأفـــق خطاها قصائد الشعراء.[/color]
وهمس [color="purple"]نديم [/color]مرة أخرى في أذنه :
[color="purple"]أذِنَ الله للخليقـة بالفوضى لتنظيم شـــقوة الأشقياء.[/color]
وقال له أيضا :
[color="purple"]يولد الكبر في الكبير مع النطفة ..... قبل التكوين والإنشاء.[/color]
ولكنه لم يقتنع بوعورة الدرب التي يسير عليها ..
وكيف له أن يقتنع
وقد تلبسته هذه الجنية ...
والموهبة لا تنام ...
الموهبة تكره الديمقراطية ..
هي ديكتاتورية متفجرة على جمر ..
قلقة على قلق.
غردت وفرحت ...
عندما قال لها [color="purple"]محمود درويش[/color] وقالت له:
[color="purple"]منزل الأحباب مهجور
ويافا ترجمت حتى النخاع
اتركي لي كل هذا الموت يا أخت
اتركي هذا الضياع
آه يا جرحي المكابر
وطني ليس حقيبة
وأنا لست مسافر
فأنا العاشق والأرض الحبيبة.[/color]
[color="red"]***[/color]
كان [color="purple"]بلندر الحيدري [/color]في العراق يقول :
[color="purple"]قل .. كلا
وافرش جنحيك لنا ظلا .. ومصلى [/color]
وكان [color="purple"]نزار [/color]في دمشق يمزق تاريخه:
[color="purple"]أفتح صندوق أبي ..
أمزق الوصية
...
أبيع ما ورثته ...
وأهدم الشرق على أصحابه ...
تكية ... تكية .. [/color]
وكان [color="purple"]معين بسيسو [/color]في فلسطين ولبنان ينادي:
[color="purple"]لجهنم ..
بالكلمة ذات القرط ...
وذات الخلخال[/color]
[color="red"]***[/color]
وهاجس الهدم هو نفسه هاجس البناء الشعري ..
هاجس القصيدة المدوية هو هاجس موهبة شاعرنا الكبير ..
إنه لا يريد البناء على البناء ..
الهدم ثم البناء ... هكذا قالت له الموهبة ..
ولكن متى تتم الكتابة مع هذه الجنية ...
الكتابة معها جرح دائم ..
الموهبة ذبحة شعرية لا تهدأ ...
ورم شعري خبيث ... لا علاج له ...
ومع [color="red"]شاعرنا [/color]... أصبحت نبعا دفاقا دائما أيضا ...
لا يتوقف مهما حاول العمر ذلك:
[color="purple"]شدو وثاقي .. وامنعوا عني الدفاتر والسجائر.
الشعر دم القلب يكتب بالأظافر والحناجر والخناجر.
في غرفة التوقيف
في الحمام
في الاسطبل
في عنف السلاسل
مليون عصفور على أغصان قلبي
يبدع اللحن المقاتل.[/color]
[color="red"]***[/color]
مرت مراحل عديدة وبقيت ثنائيات هذه القصيدة تتألق في ثريات الشعر العربي.
الوطن - الحبيبة
الأرض - الأنثى
الأم - المهد
الصمت - اللحد
لكن هاجس محمود درويش الذي كان يتآخى مع هذه الثنائيات كانت له طريقته في الإبداع الشعري فانتقل ما بين الفلسفة والمعرفة ...
والحب والوطن ...
والسجن والأنثى ..
إلا أنه بقي يبحث عن القصيدة المقاتلة التي تكتب بأظافرها ولكنها لا تتخلى عن إنسانيتها الكبرى ولا عن إبداعها في الفضاء الإنساني الواسع. وقد استطاع ذلك بجدارة موهبته التي خلدته لنا شاعرا كبيرا سنذكره إلى حين.
* لو أن الفتى حجر : قصيدة قديمة جدا.
* دارة جلجل : هي المنطقة التي كانت تستحم بها حبيبة الشاعر الضِّليل امرؤ القيس. وهناك ولدت أولى القصائد العربية.
جعفر حيدر[/color][/size]
[color="purple"]( محاضرة القيت في حفل اقيم تكريما للشاعر الكبير محمود درويش في براغ )[/color]
كانت القصيدة العربية مثقلة بهمومها ...
بلباسها ...
مثقلة بغبارها ..
بأحمالها ..
مثقلة بدرر كادت تخنق أنفاسها ...
وفي مرحلة الانحطاط بدأت الحلي ... التي تكبل جسدها .. تُدخِلها في نفق من غبار .. حتى أصبح همها هو:
أن تتنفس ... لا أن تفعل..
أن تعيش .. لا أن تخلق عيشها
أن تتخلص من غبارها ... لا أن تقود الكلمة إلى دفتر الفعل وثورة المعرفة.
[color="red"]***[/color]
بعد ذلك .. لفحتها نسمات عليلة ...
يقال لها عليلة ...
لفحتها مذاهب شتى..
أجبرتها على أن تخلع غبارها..
ولكن هذه النسمات العاتية زادت من قلقها،
إلا أنها بالرغم من كل ذلك بقيت تحن إلى ....
( لو أن الفتى حجر).
[color="red"]***[/color]
الهجرة: لقاء مع المجهول، وليست بحثا عن المجهول
هي محاولة للتنفس ..
محاولة للخروج من بئر النفس،
محاولة لتشكيل أفق خاص ،
لخلق ذاتٍ متجددة ...
هي محاولة ٌلإشعال النار في الأفق الخاص ... الذي هو أنت ..
هكذا فعلت قصيدة المهجر..
انفتحت على الماء والهواء والجمر
انفتحت على قلق الريح
عانقت ما شاءت من المذاهب.
خلقت ما شاءت من المفردات..
ولكنها عندما عادت لم تجد نفسها غريبة في وطنها .. بالرغم من كل ذلك.
حملها جبران ..
وميخائيل نعيمة ...
وغيرهم .... وغيرهم
حملوها إلى تربتها
زرعوها هناك ..
هناك ...
في دارة جلجل.
[color="red"]***[/color]
وبدأت تلك القصيدة التي خرجت قبل أكثر من ألف عام من نفس الدارة ( دارة جلجل ) بدأت ترتدي حليّها الجديدة، لكنها ما لبثت غرقت في الرمل الذي كاد يخنقها من جديد....
فحملها المبدعون إلى أول جدول ماء وجدوه لتستحم.
وبدأت هذه الحسناء تزيح الزبد عن نفسها ( على حد تعبير الشاعر الكبير / الجواهري ) وبدأت تتخلص من أعبائها ...
وحملها [color="purple"]بدر شاكر السياب ....
وبلند الحيدري ...
ونزار قباني ...
وأدونيس ...[/color]
وغيرهم ... وغيرهم كثر ..
حملوها مجددا إلى ( دارة جلجل ) ...
ولكنهم - هذه المرة - حرسوها من الملك الضِّليل
... الأشعث الأغبر ...
الذي يقضي يومه خمرا وغده أمرا.
[color="red"]***[/color]
وعندما خرجت .. وجدت الطبيعة بانتظارها..
وجدت الريح تداعب شعرها ...
والشمس تعانق نهديها الجميلين ..
وذهبت إلى أول مرآة رأتها ..
ونظرت ...
نظرت في المرآة وكأنها ترى نفسها للمرة الأولى فيها ..
أدهشها الجمال الذي رأته ..
لم تكن قبل ذلك ترى إلا الحلّي والأساور والذهب والفضة ..
أما اليوم فهي تتحسس جسدها المتخم بالجمال ...
المكتنز... الغني بما لذ وطاب.
وعندها عرفت هذه الحسناء أن الحياة بدونها ...
الحياة بدون القصيدة ...
لا يمكن أن تكون ...
ولكنها إلى اليوم ...... لا تعرف لماذا؟
[color="red"]***[/color]
الموهبة : قلق ما بعده قلق..
همّ لا يعادله همّ ...
هي وهمٌ يتنازعه الجنون العذب.
الموهبة: تأتي ولا تعرف طريق الرجعة.
دربها وعر .. وشيق وشاق.
الموهبة: ضيف ثقيل ..
يثقل عليك حياتك
يدخلك في مآسي لا يعلمها إلا الله.
تدوخك ولا تدوخ ..
تنام أنت وتسهر لتقلق عليك نومك.
وتنغص عليك عيشتك.
واختارت هذه الجنية المعذبة شاعرنا محمود درويش لتتلبسه.
[color="red"]***[/color]
حسناء خارجة من دارة جلجل ..
رأت نفسها في المرآة.
عرفت أنها أهم وردة في الحديقة ...
ولكنها !!!!!
كسرت المرآة ...
نعم كسرتها ... عندما رأت محمود قادما ..
دخلت فيه ودخل فيها ..
أدخلته السجن وهي تحبه ..
فأحبها أكثر ..
وبدأت حياتهما معا..
فتح شاعرنا محمود درويش عينيه ليسمع ...
[color="purple"]نديم محمد [/color]يحذره ويقول:
[color="purple"]مزقي الليل عن جراحي .. وهزي الجرح .. تنبع دماء الضياء
مربع الحسن والنبوة .. والحق ... وخمر العلا .. دم الشهداء
يسجد الزهو حين تحفر في الأفـــق خطاها قصائد الشعراء.[/color]
وهمس [color="purple"]نديم [/color]مرة أخرى في أذنه :
[color="purple"]أذِنَ الله للخليقـة بالفوضى لتنظيم شـــقوة الأشقياء.[/color]
وقال له أيضا :
[color="purple"]يولد الكبر في الكبير مع النطفة ..... قبل التكوين والإنشاء.[/color]
ولكنه لم يقتنع بوعورة الدرب التي يسير عليها ..
وكيف له أن يقتنع
وقد تلبسته هذه الجنية ...
والموهبة لا تنام ...
الموهبة تكره الديمقراطية ..
هي ديكتاتورية متفجرة على جمر ..
قلقة على قلق.
غردت وفرحت ...
عندما قال لها [color="purple"]محمود درويش[/color] وقالت له:
[color="purple"]منزل الأحباب مهجور
ويافا ترجمت حتى النخاع
اتركي لي كل هذا الموت يا أخت
اتركي هذا الضياع
آه يا جرحي المكابر
وطني ليس حقيبة
وأنا لست مسافر
فأنا العاشق والأرض الحبيبة.[/color]
[color="red"]***[/color]
كان [color="purple"]بلندر الحيدري [/color]في العراق يقول :
[color="purple"]قل .. كلا
وافرش جنحيك لنا ظلا .. ومصلى [/color]
وكان [color="purple"]نزار [/color]في دمشق يمزق تاريخه:
[color="purple"]أفتح صندوق أبي ..
أمزق الوصية
...
أبيع ما ورثته ...
وأهدم الشرق على أصحابه ...
تكية ... تكية .. [/color]
وكان [color="purple"]معين بسيسو [/color]في فلسطين ولبنان ينادي:
[color="purple"]لجهنم ..
بالكلمة ذات القرط ...
وذات الخلخال[/color]
[color="red"]***[/color]
وهاجس الهدم هو نفسه هاجس البناء الشعري ..
هاجس القصيدة المدوية هو هاجس موهبة شاعرنا الكبير ..
إنه لا يريد البناء على البناء ..
الهدم ثم البناء ... هكذا قالت له الموهبة ..
ولكن متى تتم الكتابة مع هذه الجنية ...
الكتابة معها جرح دائم ..
الموهبة ذبحة شعرية لا تهدأ ...
ورم شعري خبيث ... لا علاج له ...
ومع [color="red"]شاعرنا [/color]... أصبحت نبعا دفاقا دائما أيضا ...
لا يتوقف مهما حاول العمر ذلك:
[color="purple"]شدو وثاقي .. وامنعوا عني الدفاتر والسجائر.
الشعر دم القلب يكتب بالأظافر والحناجر والخناجر.
في غرفة التوقيف
في الحمام
في الاسطبل
في عنف السلاسل
مليون عصفور على أغصان قلبي
يبدع اللحن المقاتل.[/color]
[color="red"]***[/color]
مرت مراحل عديدة وبقيت ثنائيات هذه القصيدة تتألق في ثريات الشعر العربي.
الوطن - الحبيبة
الأرض - الأنثى
الأم - المهد
الصمت - اللحد
لكن هاجس محمود درويش الذي كان يتآخى مع هذه الثنائيات كانت له طريقته في الإبداع الشعري فانتقل ما بين الفلسفة والمعرفة ...
والحب والوطن ...
والسجن والأنثى ..
إلا أنه بقي يبحث عن القصيدة المقاتلة التي تكتب بأظافرها ولكنها لا تتخلى عن إنسانيتها الكبرى ولا عن إبداعها في الفضاء الإنساني الواسع. وقد استطاع ذلك بجدارة موهبته التي خلدته لنا شاعرا كبيرا سنذكره إلى حين.
* لو أن الفتى حجر : قصيدة قديمة جدا.
* دارة جلجل : هي المنطقة التي كانت تستحم بها حبيبة الشاعر الضِّليل امرؤ القيس. وهناك ولدت أولى القصائد العربية.
جعفر حيدر[/color][/size]

